الاكتفاء بمتعة الاعتراض!

التيار المدني العراقي ومأزق التعاطي مع التحولات المجتمعية.. مراجعة د. هشام داود

964

كتب الدكتور هشام داود مراجعة لموقع التيارات المدنية في الاقتراع البرلماني الأخير، دون لغة عتاب، بل تحليل لما يسير إليه المجتمع الفكري والسياسي العراقي، خلال مواجهته معادلات الأحزاب الحاكمة، مقارناً بين ما يتطلبه المسار العملي عند الجبهات الأخرى، وبين ما يبدو كأنه “متعة اعتراض”.

من الدولة إلى العشيرة: هل يُدار العراق بعقلية

من الدولة إلى العشيرة: هل يُدار العراق بعقلية "شيخ"؟ تعليق من هشام داود

أخطر صورتين لهذا اليوم والسوداني وحده.. الفياض تسلل إلى...

أخطر صورتين لهذا اليوم والسوداني وحده.. الفياض تسلل إلى بيت الخزعلي مرة أخرى!

مقال الدكتور هشام داود، الباحث في الأنثروبولوجيا السياسية، المركز الوطني الفرنسي للبحوث العلمية، خص به شبكة 964:

حين يتغيّر المجتمع ويبقى الفكر مراوحًا في مكانه

هذه المقالة تُكتب في الأيام القليلة التي تلت الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة؛ انتخابات كثُر الحديث عن ظروفها، وتضاربت التقديرات بشأن أرقامها، وتاهت الوقائع فيها بين ما هو موثّق وما هو مُبالغ فيه، وبين عدد المسجلين وعدد من يحق لهم فعلاً الاقتراع، وبين قفزات غير مبررة في أعداد أفراد الأجهزة الأمنية الذين يُفترض أنهم يتجاوزون المليون وثلاثمئة ألف، في بلد ما زال يكافح لكي يستعيد اجواء الاستقرار، وفي ذات الوقت ترى ان نسبة المسموح لهم بالتصويت (وليس المسجلين على قوائم الانتخاب) هم أقل من المسموح لهم عام 2021 وكأن الفورة الديمغرافية العراقية كفت ان تظهر عند عتبة صناديق الاقتراع. كل ذلك جعل المشهد الانتخابي يبدو أقرب إلى تركيب غريب، تتداخل فيه عناصر السلطة والمال والإعلام والسلاح، فيما يعيش الناخب والمراقب شعورًا بأن السياسة العراقية تجري في فضاء يميل نحو سريالية عصية أكثر من ميله إلى النظام المؤسسي العقلاني القابل للفهم.

في مثل هذا المناخ، كان يُنتظر من القوى المدنية والتقدمية أن تخوض هذه الانتخابات بوصفها فرصة لاختبار حضورها وقدرتها على تحويل احتجاجات السنوات الماضية إلى تمثيل سياسي ملموس. لكنها دخلت السباق منقسمة، ومتباعدة، وضعيفة التنظيم، لتخرج بنتائج محزنة لا تتناسب مع رصيدها الرمزي ولا مع التضحيات التي ارتبطت بها.

هذه الخيبة أعادت إلى ذهني، على نحو مختلف، أسئلة كنتُ قد طرحتها في مقالة قديمة حول «العشيرة والهوية الشيوعية» في أوآخر التسعينيات؛ لم يكن المقصود آنذاك الوقوف عند العشيرة بوصفها بنية تقليدية مستحدثة في سياق جديد، بل استخدامها كمرآة لعجز الفكر المدني، بما فيه اليساري، عن قراءة المجتمع من الداخل. اليوم، بعد أكثر من ربع قرن، يتبدى أن جوهر المعضلة لم يختفِ بل اتخذ صيغة أكثر تعقيدًا: المجتمع يتحرك، تتبدّل قيمه وعلاقاته وأشكال انتمائه، بينما يظل جزء كبير من الفكر السياسي، مدنيًا كان أو يساريًا، متمسكًا بمفاهيم وأدوات تأويل تعود إلى زمن آخر.

محدودية الفكر النقدي المدني

ما تواجهه التيارات المدنية والتقدمية في العراق ليس مجرد أزمة تنظيم أو تشرذم في الصفوف، بل أزمة فكر نقدي بالدرجة الأولى. فقد ظل كثير من هذا التيار أسير خطاب أخلاقي يخلط بين الموقف القيمي والتحليل الاجتماعي. يتحوّل النقد فيه إلى إدانة، أو إلى ما يمكن تسميته أداءً أخلاقيًا، أكثر مما هو وسيلة للفهم والفعل. وهكذا تُعرّف هذه القوى نفسها لا بقدرتها على التغيير، بل بصلاحيتها الأخلاقية، دون أن ترافق ذلك قدرة على بلورة أدوات للنفاذ إلى الواقع.

هذا النوع من “الدوغمائية المدنية” يذكّرنا بما أشار إليه أنطونيو غرامشي حين تحدث عن “المثقفين العضويين” الذين يفقدون صلتهم بالطبقات الاجتماعية الحية، فيتحولون إلى ما يشبه “كهنة للثقافة”، يعيدون إنتاج الخطاب نفسه بينما تتغير البنى التي أنتجته. في الحالة العراقية، تتجلى هذه الظاهرة في خطاب تقدمي يكرر مفردات الحرية والعدالة والحداثة، لكنه لا ينجح في تحويل هذه المفردات إلى مفاهيم عملية أو إلى مقترحات سياسية قابلة للتطبيق، ولا في توفير قنوات تواصل حقيقية مع الفئات التي يدّعي تمثيلها.

إن محدودية الفكر النقدي هنا لا تعني انعدامه، بل تعني انفصاله عن الواقع الملموس. فعوض أن ينطلق التحليل من حياة الناس اليومية، من شروط العمل والبطالة والإقصاء والتمييز، كثيرًا ما يبدأ من مفاهيم جاهزة تُسقط على المجتمع، فيعاد ترتيب الوقائع لتناسب الفكرة، بدل أن تُعدّل الفكرة نفسها في ضوء الوقائع الجديدة. وهكذا يظهر اليسار العراقي والتيار المدني بكل اطيافه، في كثير من الأحيان، كموقع رمزي في الوعي العام أكثر منه قوة اجتماعية قادرة على المبادرة.

المجتمع المتحوّل والحركات الجديدة

شهد العراق، منذ مطلع الألفية، تحولات اجتماعية وثقافية عميقة لا يمكن اختزالها في عناوين من قبيل “صعود الطائفية” أو “عودة العشيرة” و”القوى والهويات المسيسة محليا”، الخ، رغم صحة بعض هذه التشخيصات جزئيًا. المسيرة المجتمعية في العقدين الماضيين شهدت سقوط النموذج التقليدي للدولة المركزية القادرة على الضبط الشامل، وبرزت إلى السطح هويات فرعية متداخلة: دينية، طائفية، مناطقية، وعشائرية، أعادت تنظيم نفسها في ظل الفراغ الأمني والمؤسسي. في الوقت ذاته، تمدد الاقتصاد الريعي على حساب أي قاعدة إنتاجية، وتحوّل الفضاء الرقمي إلى الساحة الأساسية للتمثيل والجدل والتعبير.

في هذا السياق، ظهرت حركات اجتماعية جديدة: حركات مدنية شبابية خرجت من رحم احتجاجات المدنية التي تتوجت بانتفاضة تشرين، تسعى إلى إعادة تعريف الفعل السياسي خارج الأيديولوجيا الكلاسيكية؛ حركات دينية وخلاصية تقدّم الأمل واليقين في عالم فقد المعنى والاستقرار؛ حركات مناطقية ومحلية تبحث عن حماية الموارد والهوية في ظل تراجع الثقة بالدولة المركزية؛ وأشكال من العدمية أو الانسحاب والعزوف، خاصة بين الشباب الذين سئموا الوعود، فاختار بعضهم اللامبالاة أو الهجرة النفسية والافتراضية.

هذه التعددية لا تعبّر فقط عن تشظٍّ اجتماعي، بل عن تحوّل أنثروبولوجي في أشكال الانتماء والعمل الجماعي. لقد أصبحت الروابط أكثر سيولة، كما أشار زيغمونت باومان في حديثه عن “الحداثة السائلة”، حيث تتفكك الروابط الجماعية التقليدية دون أن تعوَّض دائمًا بأشكال جديدة مستقرة. المشكلة أن جزءًا كبيرًا من اليسار العراقي والقوى المدنية ما زال يتعامل مع المجتمع كما لو أنه كتلة صلبة بخصائص ثابتة، أو كما لو أن دور السياسة يقتصر على إعادة هندسة هذه الكتلة من الخارج، بدل فهم دينامياتها الداخلية واستيعاب أشكال التمثّل الجديدة التي تطبع وعي الأفراد والجماعات.

الدولة الريعية وإجهاض الحداثة والمواطنة

لا يمكن فهم مأزق اليسار والمجتمع المدني في العراق من دون التوقف عند طبيعة الدولة الريعية. فالدولة في هذه الحالة ليست إطارًا لإنتاج المواطنة، كما يتصورها بيير روزانفالون في تحليله للدولة الديمقراطية، بل جهازًا ضخمًا لتوزيع الموارد، تقوم شرعيته الفعلية على قدرته على الإغداق أكثر مما تقوم على تمثيله للكل الوطني. تمتلك الدولة هياكل إدارية واسعة وخطابًا وطنيًا، لكنها في جوهرها تُدار بمنطق الجماعات التي تتمترس بهويات ما دونها، من مناطقية، وزبائنية؛ أي توزيع الريع على أساس الولاء والانتماء، لا على أساس الحق والقانون.

هذا النمط من الاقتصاد السياسي يخلق مجتمعًا هشًّا يعتمد على الدولة وحديثا على الهياكل السياسية العسكرية التي أصبحت امتدادا لها في رزقه وحمايته (من فصائل وميليشيات وأحزاب حولت الوزارات إلى اقطاعيات سياسية)، فتفقد معها الدولة استقلاليتها الأخلاقية والسياسية. وهذا يقود إلى تراجع معنى المواطنة لصالح معنى “الاستفادة” أو “الحصول على حصة” ؛ ثم يتقدم منطق الطلب الفردي على منطق الحق الجماعي. في مثل هذه البيئة، يصبح الحديث عن “مجتمع مدني مستقل عن الدولة” أمرًا إشكاليًا، لأن المجتمع نفسه معلق اقتصادياً عليها، حتى حين يعارضها في خطابه.

تفاقم هذه المفارقة وجود “الكليبتوغرافيا” التي تُعيد تنظيم مؤسسات الدولة من الداخل وفق مصالح شبكات خاصة، فتُفرغ الأجهزة القانونية والإدارية من مضمونها، وتحوّلها إلى أدوات في خدمة منظومة التوزيع الزبائني. وبذلك لا تُجهض الحداثة السياسية فحسب، بل تُجهض أيضًا إمكانية بناء مواطنة حديثة؛ إذ يصبح الانتماء الوطني نفسه مُساوياً في الأذهان للقدرة على الوصول إلى موارد الدولة عبر هذه الشبكات، لا عبر علاقة حقوقية واضحة.

الشباب والشابات والفاعلية المفقودة

تشكّل الشبيبة اليوم النسبة الأكبر من السكان في العراق، لكنهم، وفي مفارقة بالغة الدلالة، الفئة الأقل تمثيلًا سياسيًا — ويشمل ذلك الشباب كما يشمل الشابات المدنيات والمستقلات اللواتي يواجهن عوائق مضاعفة في الفضاء العام. وهذا الجيل، بوجهيه الذكوري والأنثوي، مرتبط بالعالم رقميًا، يعيش يوميًا تجربة المقارنة بين ما يراه في المجتمعات الأخرى وبين ما يعيشه في واقعه. إنه جيل متعب من الخطابات المتكررة، متشكك في كل سلطة تقريبًا، يحمل ذاكرة الحركات الاجتماعية الحديثة منذ التعبئة المدنية عام 2012 وصولًا إلى تشرين 2019 وما انطوت عليه من أمل ومواجهة واستشهاد، ويعيش في الوقت ذاته أثر الإحباط الذي خلفه عجز هذه الاحتجاجات عن فرض تغيير بنيوي في النظام السياسي.

لكنّ الشابات، تحديدًا، يواجهن طبقة إضافية من القيود: ثقافة ذكورية راسخة، فضاء سياسي مسلح يُقصي حضورهن، غياب آليات تمثيل فعلي داخل الأحزاب المدنية نفسها، وخطابات محافظة تعيد إنتاج أدوار جندرية محدودة. ومع ذلك، فقد كانت النساء جزءًا مهما من لحظة الاحتجاج: نظمن خطوط الإسعاف، أدرن الحملات الرقمية، كشفن عن أبعاد جديدة للعدالة الاجتماعية تتقاطع مع العدالة الجندرية، وقدّمن خطابًا نقديًا متقدمًا يتحدى بنى السلطة من موقع خبرة يومية مع الهامش والإقصاء.

يدخل هذا الجيل — رجالًا ونساءً — إلى السياسة من بوابة التجربة اليومية لا من بوابة الأيديولوجيا. اقتصاده هش، عمله غير مستقر إن وجد، تعليمه متراجع، وآفاقه المستقبلية ضبابية. وفي الوقت ذاته، يعيش داخل فضاء رقمي معولم يتيح له الاطلاع والتعبير والتواصل، لكنه لا يمنحه أدوات فعل مؤسسي منظم. وهكذا تتولد مفارقة ثقيلة الدلالة: طاقة هائلة للتعبير والاحتجاج، تقابلها قدرة ضعيفة على ترجمة هذه الطاقة إلى مشروع مستدام.

إن فشل القوى المدنية والتقدمية في تحويل الطاقة الاحتجاجية للشباب والشابات إلى مشروعٍ بنّاء مرتبط بفجوة في التنظيم والفكر. فبينما يتحرك الجيل الجديد داخل شبكات أفقية سريعة، تواصل هذه القوى العمل وفق منطق هرمي بطيء. الشباب والشابات يتعلمون السياسة من ساحات الاحتجاج واحيانا من العالم الرقمي، بينما الأحزاب لا تزال تفكر بمنطق الاجتماعات المغلقة والبيانات الطويلة. ونتيجة لذلك، تنطفئ الكثير من المبادرات بمجرد انتهاء الحدث، ولا تتراكم لتصنع مسارًا جديدًا، فتتبدد الطاقات النسائية والشبابية في فراغ سياسي لا يوفر لها مسارًا للاندماج ولا أفقًا للمشاركة الفعلية.

الأحزاب بين الجمود والضرورة

رغم كل الانتقادات التي يمكن توجيهها إلى الأحزاب، فإن وجودها يظل ضرورة في أي حياة سياسية حديثة؛ فهي الأداة التي تُحوِّل المطالب العامة إلى برامج، والأفراد المتناثرين إلى قوة منظمة. لكن السؤال في العراق اليوم ليس عن ضرورة الحزب، بل عن شكله ومعناه. فالعديد من الأحزاب المدنية والتقدمية ما زال أسير نموذج تنظيمي قديم: مركزية صارمة، هياكل جامدة، قيادات مغلقة، وبيانات طويلة لا يقرؤها أحد تقريبًا.

تزداد المفارقة حين ننظر إلى بعض الأحزاب «الوطنية» الجديدة التي اختارت أن تتموضع في خانة «الليبرالية» الكلاسيكية، وكأننا ما زلنا في منتصف القرن التاسع عشر في أوروبا الغربية أو أميركا الشمالية. هذا التشبث بأشكال فكرية دخلت في أزمة عميقة في عقر دارها، يثير الاستغراب أكثر مما يبعث على الطمأنينة. فبدل أن يستخلص هذا الحزب الناشىء، وأحزاب مشابهة، الدروس من أزمة النموذج الليبرالي التقليدي في الغرب، نجده يعيد استنساخ شعاراته الأكثر سطحية: السوق، الفرد، الدولة المحدودة، دون أن يطرح أسئلة جادة عن معنى هذه المفاهيم في اقتصاد ريعي، وعن العدالة في مجتمع غير متكافئ إلى هذا الحد، وعن الحرية في فضاء سياسي تحكمه السلاح والزبائنية. هنا بالذات تتبدى “الطامة” الجديدة: حزب “حديث” في الشكل، لكنه يعيش على استعارات فكرية لم يعد لها وجود يُذكر حتى في البيئات التي نشأت فيها، ولا يقدّم بديلًا حقيقيًا عن أحزاب اليسار الكلاسيكي أو التيارات المدنية التقليدية.

هذا الخلط بين الحاجة إلى حزب يمتلك خطابًا نقديًا مبادرًا، وصاحب مقترحات عملية، وبين حزب يكتفي بترديد قاموس أيديولوجي متوارث واحيانا مستورد، يعمّق أزمة الوساطة السياسية médiation politique في العراق. فالمجتمع لا يحتاج إلى حزب يكرر تعريفات قديمة لليبرالية أو الاشتراكية، بل يحتاج إلى تنظيمات قادرة على قراءة واقعه، وتحويل مشاكله اليومية إلى برامج محددة، وتقديم حلول ملموسة في قضايا العمل والتعليم والصحة والخدمات والعدالة والأمن وسيادة الدولة، الخ.

نحو خطاب مدني جديد

كل ما سبق لا يعني أن المشروع المدني أو التقدمي قد فقد مبررات وجوده، بل يعني أن شروط فعاليته قد تغيرت جذريًا. فإذا أراد هذا المشروع البقاء، فعليه أن يمرّ بعملية تفكيك وإعادة تأسيس. لا يكفي رفع شعارات الحداثة والحقوق والمواطنة؛ بل ينبغي تحويلها إلى أدوات للفهم والعمل. الخطاب المدني الجديد يجب أن ينطلق من الواقع، لا من مجادلته أخلاقيًا، وأن يتعامل مع الدين والعشيرة والمجتمع الأهلي بوصفها مجالات للفهم والإصلاح لا بوصفها أعداء للتنوير.

في هذا السياق، يصبح الإصغاء جزءًا من المنهج السياسي. الإصغاء إلى تفاصيل الحياة اليومية للناس: خوفهم من الغد، قلقهم على أبنائهم، إحساسهم بالمهانة أو بالتهميش، رعبهم من الميليشيات، إحباطهم من الدولة وحاجتهم في الوقت نفسه إلى حمايتها. يصبح العمل من القاعدة إلى القمة ضرورة: من الحيّ، من المدرسة، من الجامعة، من النقابة، من الجماعات المهنية، من المنصات الرقمية نفسها، حيث يمكن تحويل التفاعل السريع إلى مبادرات ذات مضمون اجتماعي.

الخطاب المدني الجديد لا يطلب من المجتمع أن يتغير ليلائم نصوصه، بل يعيد صياغة نصوصه لكي يستطيع ملامسة المجتمع. إنه خطاب يحترم تعقيد الواقع، ويقبل بالتدرج، ويؤمن بأن التغيير عملية تراكمية، لا لحظة انفجارية واحدة. وهو قبل ذلك وبعده خطاب يرفض الراحة التي يوفرها موقع النقد من بعيد، ويفضل عليها مشقة الانخراط في التفاصيل.

نحو واقعية نقدية جديدة ومبادرة لا تكتفي بمتعة الاعتراض

لم تعد المعضلة اليوم بين “المدني” و”التقليدي”، ولا بين “الحداثة” و”التراث”، بل بين الواقع والفكر. لقد تقدّم المجتمع، بأشكاله الجديدة من التواصل والانتماء، على معظم النخب المدنية والتقدمية التي ما زالت تتحدث لغة جامدة عن “التحرر” و”العدالة” دون أدوات واقعية لتحقيقهما (كما شاهدنا ذلك في انتفاضة تشرين). التحدي اليوم هو صياغة واقعية نقدية جديدة: واقعية تأخذ بنظر الاعتبار واقع المجتمع والدولة كما هما، لكنها لا تستسلم لهما؛ نقدية لا تكتفي بلذة الاعتراض، بل تُلزم نفسها بمسؤولية الاقتراح والعمل وتحشيد الفئات الاجتماعية من اجلها.

هذه الواقعية النقدية تتطلب شجاعة مزدوجة: شجاعة في نقد البنى القائمة، وشجاعة في نقد الذات أيضًا. فهي تدرك أن العشيرة والدين والهويات المحلية المسيسة ليست المشكلة في حد ذاتها، بل طريقة توظيفهما؛ وأن الدولة ليست خصمًا مطلقًا، بل ساحة صراع يمكن أن تُنتزع فيها مساحات للمواطنة؛ وأن الشباب ليسوا كتلة يائسة بالكامل، بل طاقة تبحث عمن يأخذها على محمل الجد؛ وأن اليسار والتقدمية والمدنية ليست ذكرى، بل افق يمكن أن تتجدد إذا ما تحررت من لغتها المتخشّبة وأعيد اكتشاف المجتمع.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بكتابة حكم نهائي على الحركات المدنية وعلى اليسار في العراق، بل بفتح باب لمساءلة جادة: لماذا تحوّل مشروعٌ امتلك، في فترة ما، حضورًا قويًا في المخيال العام إلى تيار هامشي غير فاعل؟ ما الأسئلة التي عجز عن الإجابة عنها عمليًا، حتى لو أجاب عنها نظريًا؟ وكيف يمكن، من موقع الهزيمة نفسها، الشروع في إعادة بناء علاقة جديدة بين الفكرة والمجتمع، وبين السياسة والحياة اليومية، في بلد لم يقل بعدُ كلمته الأخيرة، رغم كل ما يبدو من تعب وانسداد؟

بهذه الروح يمكن للخطاب المدني والتقدمي أن ينتقل من موقع المتفرج المتشائم إلى موقع الشريك الفعّال في التفكير بالمستقبل وصناعته، خطوة خطوة، وبقدر ما تسمح به الظروف، وبقدر ما تسمح به شجاعة طرح الأسئلة والبحث عن أجوبة لا تكتفي بأن تكون صحيحة نظريًا، بل ممكنة عمليًا أيضًا.