الدكتور هشام داود

العراق بعد الانتخابات: إعادة إنتاج السلطة داخل فضائها المغلق.. قراءة تحليلية من البصرة

بعد مرور ما يقارب الشهر على الانتخابات العراقية الأخيرة، تكشّفت ملامح المشهد السياسي الجديد بما يكفي للقول إن البلاد لم تدخل طوراً سياسياً مختلفاً بقدر ما أعادت ترتيب موازين القوى داخل الفضاء نفسه، ولا سيما داخل الإطار التنسيقي الشيعي الذي بات منذ سنوات يشكّل ما يشبه «الناظم العميق» المعترف به بحكم الواقع. فالاقتراع الذي جرى في تشرين الثاني / نوفمبر 2025 لا يشبه، من حيث بنيته ووظيفته، النماذج الكلاسيكية للتنافس الديمقراطي؛ بل هو أقرب إلى آلية دورية لإعادة إنتاج الحقل السياسي وترسيم حدوده الداخلية، وفق منطق «الحقول السلطوية» كما صاغه بيير بورديو، حيث تتفاعل شبكات القرابة والفصائل المسلحة والغنيمة الريعية والبنى العشائرية والمناطقية في تحديد نتائج اللعبة السياسية، بغضّ النظر عن الشكل القانوني الذي تتخذه.

وفي هذا السياق، يظهر أن الاقتراع أنتج ما يمكن وصفه بـ«الانتصار الكسيح» للإطار التنسيقي. فالإطار خرج الكتلة الأكبر عدداً، لكنه اكتشف سريعاً أن نصف هذه الكتلة تقريباً ينتمي إلى فصائل مسلّحة تختلف مصالحها ورؤاها الداخلية أكثر مما تتقارب، ما يجعل النصر البرلماني بداية لمرحلة جديدة من التنافس داخل الفضاء الشيعي نفسه، بدلاً من أن يكون قاعدة لحكم مستقر. وهكذا تتحول الانتخابات إلى وسيلة لإعادة توزيع النفوذ داخل المعسكر ذاته، لا إلى آلية لتداول السلطة بين مشاريع سياسية مغايرة.

كما أن الحكومة لم تعد، بمعناها الدستوري، سلطة تنفيذية مستقلة، بل أضحت فضاءً لتوازنات الفصائل. فقد استعاد الإطار التنسيقي إمساكه بخيوط اللعبة عبر لجنة ثلاثية تختار رئيس الوزراء وفق شروط واضحة وغير معلنة: ألّا يكون المرشح صاحب مشروع سياسي مستقل عن الاطار، وألا يتصرف كرئيس حزب، وأن يقبل بدور «المدير» أكثر من دور «الرجل الأول». هذا الشرط الأخير لا يمكن تجاوزه إلا عبر اختيار شخصية ذات نزعة سلطوية – تسلطية مثل نوري المالكي أو محمد شياع السوداني، الذي يصعب احتواؤه من داخل شبكة رقابة الفصائل اليومية.

السوداني بين مشروع الدولة وحدود الحقل الشيعي

ضمن هذا المشهد، يبرز مسار محمد شياع السوداني بوصفه أحد أكثر الأمثلة دلالة على حدود الحركة المتاحة لرئيس وزراء يأتي من جوار البيت الشيعي لا من داخله. فقد سعى السوداني إلى بناء مركز قرار دولتّي – فصائلي عبر تشكيل كتلة «قرابية حول شخصه – فصائلية – مؤسسية » تقوم على الأداء، تكسر شيئاً من هيمنة الميليشيات العقائدية، وتمنحه شرعية قائمة على الإنجاز المرئي غير المنتج (ساحات ومجسرات حصرا في العاصمة). غير أن نتائج الانتخابات جاءت أدنى من نصف ما كان يتوقعه؛ فجزء مهم من المقاعد التي حصل عليها تحالفه (الاعمار والتنمية) ذهب إلى فصائل مسلحة وشبكات زبائنية لا تشاركه رؤيته. عندها اضطر السوداني للعودة إلى الإطار وفق شروطه، بعدما انفضّ عنه بعض كبار داعميه السُّنة والأكراد الذين أدركوا أن الاستثمار في قوة سياسية غير قادرة على تجديد ولايتها يشكل مخاطرة كبيرة.

لكن جوهر الإخفاق لم يكن انتخابياً فحسب، بل نظرياً واجتماعياً أيضاً. فقد أخطأ السوداني في قراءته لديناميكيات المجتمع العراقي، ليس فقط في تقدير وزن العشائر، بل في فهم طبيعة التحولات العميقة التي تعرضت لها البنى الاجتماعية خلال العقود الثلاثة الماضية. تعامل السوداني مع العشائر، والبنى الاجتماعية الريفية، والهياكل التقليدية كما لو أنها حافظت على وظائفها الاجتماعية والسياسية القديمة، وكأنها بقيت ثابتة رغم الحروب، والعقوبات، والهجرة، والاحتجاجات، وانهيار الطبقة الوسطى، وتصاعد نفوذ الفصائل. وهذا سوء تقدير يطال تقريباً كل ما بنى عليه السوداني مشروع شرعيته الاجتماعية. فقد افترض وجود مجتمع «تقليدي» مستقر يمكن استدعاؤه لدعم السلطة، بينما الواقع كشف عن مجتمع أعيد إنتاجه تحت وطأة الدولة الضعيفة والاقتصاد الريعي والفاعلين المسلحين الذين حلّوا تدريجياً محل الدولة في توفير الخدمات والرواتب والحماية.

العشيرة كفضاء “شرعية”: قراءة في حدود الرهان

وقد تجلّى هذا الخلل التحليلي بوضوح في واقعة البصرة: حين خسر الشيخ مزاحم الكنعان، شيخ عموم بني تميم ومرشح قائمة السوداني، أمام عدي عواد التميمي، القيادي في عصائب أهل الحق. هذه الهزيمة لم تكن مجرد نتيجة انتخابية، بل كانت مؤشراً بنيوياً على أن الفصائل باتت تمتلك قدرة على التعبئة والتنظيم تتفوق على القيادات التقليدية، وأن المجتمع لم يعد يستجيب بالمنطق الذي افترضه السوداني. فالفصائل، وليس العشائر، أصبحت المزود الأساسي للخدمات، وأداة الضبط الاجتماعي، والوسيط بين المواطن والدولة، ما منحها أحيانا شرعية معيشية تتجاوز الشرعية السياسية.

ترافق ذلك مع توسع هائل في الجهاز الإداري للدولة خلال سنوات السوداني الثلاث، إذ أُضيفت كتل وظيفية كبيرة إلى جيش الموظفين والعقود والمشمولين بالرعاية الاجتماعية، حتى صار الحديث يدور عن أكثر من ثمانية ملايين عراقي يعتمدون مباشرة على الدولة. وفي بلد يعتمد اقتصاده كلياً على النفط، ويتعرض لأسعار عالمية متقلبة، يصبح السؤال الاقتصادي سؤالاً وجودياً: هل يمكن لدولة بهذه الدرجة من الترهل الوظيفي والزبائنية والاعتماد الريعي أن تستمر؟ هذا هو جوهر الأزمة التي تواجه العراق. فهي ليست ريعية فقط، بل كلبتوقراطية ريعية تُعاد فيها موارد الدولة إلى شبكات سلطوية وفصائلية تفتقر إلى الخبرة في إدارة اقتصاد مركب أو التفاعل مع شروط العولمة الاقتصادية. فالفصائل تملك أدوات السيطرة، لكنها لا تملك أدوات الإدارة، ولا تمتلك القدرة على التخطيط الاقتصادي أو الإنتاجي، ولا على تحويل الريع إلى تنمية.

البصرة: مختبر الدولة الريعية ومرآة المستقبل

وفي البصرة يظهر هذا المأزق بأوضح صورة. فالبصرة، قلب الاقتصاد العراقي وميناء العراق الوحيد، غدت خلال السنوات الأخيرة مختبراً مكثفاً لتناقضات الدولة الريعية. هي اليوم مسرح لأسوأ أزمة مياه منذ ثمانين عاماً: انخفاض المناسيب في دجلة والفرات، تمدد اللسان الملحي في شط العرب، انهيار شبكات الإرواء، وتحول قناني الماء إلى عبء اقتصادي يومي على الأسر الأفقر، كل ذلك صاحب تراجع الزراعة، وتقلص الثروة الحيوانية، وتضخم الأحياء العشوائية التي تعجز الدولة عن خدمتها. وعلى الجانب الآخر، تستمر شركات النفط في استخدام كميات هائلة من المياه، فيما تتسبب عمليات الحرق الغازي في تلوث هوائي ومائي ساهم في ارتفاع معدلات السرطان والأمراض المزمنة، لا سيما في شمال وغرب المحافظة.

سياسياً، تحولت البصرة إلى ساحة مركزية للتنافس الداخلي في الحقل الشيعي. فصعود عصائب أهل الحق جعلها لاعباً محورياً لا يمكن تجاهله، في وقت تراجع فيه نفوذ المحافظ أسعد العيداني. والسيطرة على البصرة تعني السيطرة على الموانئ، والجبايات، والعقود النفطية، والمشاريع الكبرى مثل ميناء الفاو وطريق التنمية، أي السيطرة على شرايين الاقتصاد العراقي نفسه. وهكذا تغدو البصرة نقطة التقاء بين المحلي والوطني والعالمي، بين الاجتماعي والاقتصادي، بين الدولة والفصائل؛ مدينة – حدود تقف في منتصف الطريق بين الدولة والانهيار.

وهذا التركيب يجعل من البصرة مرشحاً دائماً لتكون مركز الاحتجاج الوطني المقبل، كما في 2018 و2019، وربما بحدة أشد هذه المرة بفعل التدهور البيئي والتهميش المتراكم. فأزمة البصرة ليست حادثاً عابراً، بل هي تجسيد لأزمة الدولة العراقية نفسها: دولة عاجزة عن توفير الماء في أغنى محافظاتها نفطاً، وتخضع مواردها لاقتصاد ريعي تحكمه شبكات النفوذ أكثر مما تضبطه المؤسسات القانونية.

وعلى المستوى الجيوسياسي، يتزامن كل ذلك مع تحولات إقليمية تجعل العراق الركيزة الأكثر حيوية للنفوذ الإيراني في لحظة تراجع حضور طهران في لبنان واليمن وانهياره في سوريا. بالنسبة لإيران، العراق ليس مجرد جار، بل محور استراتيجي وعمق شرعية مذهبية ورئة اقتصادية. ولن تقبل إيران بسهولة بظهور حكومة مستقلة تماماً عن حساباتها الأمنية والمالية. في المقابل، اختزلت الولايات المتحدة سياستها العراقية في حماية المصالح النفطية والأمنية ومنع الانهيار، دون استثمار حقيقي في بناء منظومة سياسية مستقرة. وبين هذين القطبين، يبقى العراق ساحة تنازع أكثر منه فاعلاً مستقلاً.

هذا كله يضع العراق أمام تحديات مركبة: اقتصادياً، اعتماد شبه مطلق على النفط، تضخم هائل في جهاز الدولة، ضعف الإنتاج، وخطر كبير في حال تراجعت الأسعار أو تعطلت طرق التصدير. اجتماعياً، الجنوب – وفي مقدمته البصرة – أضحى بؤرة الاختناق الأكبر. جيوسياسياً، التلاقي بين النفوذ الإيراني والمصالح الأمريكية يجعل أي حكومة مقبلة محاصرة بمعادلة صعبة. وهكذا يبرز السؤال في خاتمة هذه القراءة: كيف يمكن للعراق أن يستمر بحكومة أكثر فصائلية من سابقاتها، في لحظة تتطلب أعلى درجات وحدة القرار وشجاعة الإصلاح؟

ومع ذلك، لا يبدو المشهد محسوماً. فالعراق، كما يراه المراقبون من البصرة، يقف على حافة مفترق طرق واضح: إما أن ينخرط في إعادة تعريف جذري للدولة ووظائفها وعلاقتها بمجتمعها – بدءاً من الجنوب حيث تتكثف تناقضاته – وإما أن يستمر في مسار التآكل التدريجي، حيث تتضخم سلطات ما فوق الدستور وتتراجع المؤسسات، ويغدو الاحتقان الاجتماعي نمطاً دائماً من العيش السياسي. وفي الحالتين، تبقى البصرة، بمعناها الرمزي والواقعي، مرآة لما سيؤول إليه العراق: إن استطاع معالجتها بنيوياً، فربما يمتلك فرصة لكتابة عقد اجتماعي جديد؛ وإن تُركت تغرق في مائها المالح وهوائها الملوث وفقر سكانها، فستتحول إلى بوابة انفجار يعيد تشكيل المشهد كله من خارج قواعد اللعبة القائمة.

هشام داود. باحث في الأنثروبولوجيا السياسية. المركز الوطني الفرنسي للبحوث العلمية.