الدكتور هشام داود

تصويت تاريخي ضد أشكال العبودية.. اعتراف أخلاقي وإرث مكبوت وتناقضات مستمرة

23 دولة تؤيد و52 تمتنع، لماذا يتردد الغرب في اعتراف أخلاقي كامل، وما الذي يخشاه من التاريخ؟، ترجمة لمقال سينشر قريبا بالفرنسية للدكتور هشام داود، وهو باحث عراقي بارز في الأنثروبولوجيا السياسية.

في 25 آذار/مارس 2026، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا ذا دلالة رمزية عالية، اعتبر تجارة العبيد الأفارقة وتجارة الرقيق عبر الأطلسي «أخطر جريمة ضد الإنسانية». وبـ 123 صوتًا مؤيدًا، يكرّس هذا التصويت اعترافًا دوليًا يتجاوز الإطار القانوني الضيق، ليغدو جزءًا من ذاكرة أخلاقية كونية. وهو يذكّر بأن تاريخ العبودية ليس مجرد فصل هامشي، بل هو عنصر تأسيسي في تشكّل النظام العالمي الحديث، وما تزال آثاره الاجتماعية والاقتصادية والعنصرية ممتدة إلى يومنا هذا.

غير أنّ هذا الاعتراف المتأخر لا ينبغي أن يحجب حقيقة أكثر إزعاجًا: فطوال قرون، أسهمت شريحة واسعة تنتمي إلى الفكر الغربي والشرقي، في شرعنة، بل وعقلنة، المشروع العبودي. فقد أنتج فلاسفة وفقهاء ولاهوتيون خطابات تُدرج اللامساواة بين البشر ضمن نظام يُقدَّم على أنه طبيعي أو إلهي. ولم تكن هذه البنية الفكرية هامشية؛ بل شكّلت أحد الأسس الإيديولوجية للنظام الكولونيالي. وكما يُظهر كتاب «الإهانة الكولونيالية» لجان-بيير غينو، لا يمكن فصل تاريخ تجارة العبيد عن المشروع الاستعماري الأوروبي، الذي جمع بين الهيمنة الاقتصادية، والمراتبية العرقية، وخطاب «الرسالة الحضارية».

لم تكن العبودية مجرد ممارسة اقتصادية عنيفة، بل كانت جزءًا من سردية شاملة سعت إلى تبرير الهيمنة باسم الحضارة تارة، وباسم الدين تارة أخرى.

في هذا السياق، يكتسب تموضع الدول خلال التصويت أهمية خاصة. فبينما صوّتت أغلبية واسعة لصالح القرار، فإن امتناع 52 دولة — من بينها قوى غربية ورأسمالية كبرى مثل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة واليابان وأستراليا، الخ — يثير تساؤلات عميقة. هذا الامتناع، الذي يصعب تبريره في ضوء البعد الأخلاقي للقرار، يكشف عن توتر مستمر في صلب الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان. فمن جهة، تدّعي هذه الدول دورًا معياريًا في الدفاع عن القيم الكونية؛ ومن جهة أخرى، تتردد في تحمّل تبعات الاعتراف التاريخي الكامل. وهذا التناقض لا يعكس مجرد حذر دبلوماسي، بل يدل على صعوبة بنيوية في مواجهة ماضٍ ما يزال يؤثر في علاقات القوة المعاصرة.

أما تصويت الولايات المتحدة ضد القرار (إلى جانب إسرائيل والأرجنتين)، فيبدو أكثر إشكالية. فوجودها ضمن عدد محدود جدًا من الدول المعارضة ليس أمرًا عابرًا بالنسبة لقوة ارتبط تاريخها بعمق بنظام العبودية. صحيح أن الحرب الأهلية الأميركية أنهت هذا النظام رسميًا، وان الكفاح من اجل الحقوق المدنية (حتى مقتل مارتن لوثر كينغ) ساهم في تصدع المنظومة الثقافية والاجتماعية العنصرية، وصحيح أن انتخاب باراك أوباما قد فُسّر بوصفه تجاوزًا تاريخيًا نحو «أمريكا ما بعد العنصرية». غير أن هذه المحطات لا تخفي استمرار الانقسامات العميقة. فقد شكّل مقتل جورج فلويد عام 2020 صدمة كاشفة، أعادت التذكير بأن البنى التمييزية المتوارثة من حقبة العبودية ما تزال تخترق المجتمع الأمريكي. بل إن عودة الخطابات الاستعلائية البيضاء، التي تقوم على تراتبية عرقية وحضارية، تؤكد أن إرث العبودية ليس ماضيًا منقضيًا، بل بنية فاعلة. وعلى مستوى الزمن الطويل، تبدو التحولات غير مكتملة، وهشة، وقابلة للارتداد.

وفي السياق ذاته، فإن واقع إسرائيل في تعاملها مع عرب 1948، ومع سكان الأراضي الفلسطينية المحتلة، قد دفعها إلى النظر إلى أي إدانة لتجارة الرق باعتبارها قد تنسحب على سياساتها الخاصة. فهذه الممارسات تُوصَف مرارًا، بما في ذلك من قبل العديد من المنظمات الدولية، بوصفها أشكالًا معاصرة من التمييز العنصري الممنهج، بل وأحيانًا من الفصل أو العزل العنصريين.

تجارة الرق والذاكرة العربية – الإسلامية

غير أنّ حصر النقد في التناقضات الغربية وحدها يبقى قاصرًا. فتصويت الغالبية الساحقة من الدول العربية والإسلامية لصالح القرار يستدعي بدوره مساءلة نقدية. ذلك أن هذا الموقف، على وجاهته الأخلاقية، يترافق مع صمت مؤسساتي مستمر إزاء مساهمتها التاريخية في أنظمة الرق، خاصة في إفريقيا. فقد شاركت، عبر قرون، شبكات تجارية ضمت فاعلين قبليين وسياسيين واقتصاديين وحتى رسميين من العالم العربي والإسلامي، في أشكال متعددة من الاستعباد. ومع ذلك، لا تزال هذه الذاكرة مغيبة إلى حد كبير عن السرديات الوطنية، والمناهج التعليمية، والخطاب العام.

ويزداد هذا الخلل خطورة حين نرى امتداداته في الواقع المعاصر. ففي العراق، على سبيل المثال، لا تزال شريحة مهمة من السكان ذوي البشرة السمراء — ولا سيما في الجنوب — تعاني من أشكال من التمييز على أساس اللون التي افرزت تاريخيا هوية. هذه الجماعات، التي تعود جذورها إلى أكثر من اثني عشر قرنًا، والتي جاء قسم كبير منها نتيجة نقل قسري ضمن اقتصاديات زراعية مبكرة، تمثل اليوم مكوّنًا أصيلًا من المجتمع العراقي. ومع ذلك، فإنها تعيش على هامش الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. بل إن وضعها لم يتحسن بعد عام 2003؛ ليشهد تدهورًا في الكثير من الحالات، حد تعرّضت شخصيات مهمة حاولت الدفاع عن حقوقها للاغتيال، في سياق يهيمن عليه منطق الميليشيات والعصابات وتفكك السلطة.

والأكثر إثارة للقلق هو الصمت النسبي للمؤسسات الدينية وحتى منظمات حقوق الإنسان في العالم العربي والإسلامي إزاء هذه القضية. فقلّما نجد جهودًا حقيقية لإعادة قراءة هذا الإرث بصورة نقدية، أو للدفاع عن حقوق هذه الفئات. هذا التعطيل المتعمد لعمل الذاكرة ووضع المعايير يسهم في إعادة إنتاج أشكال من التمييز الضمني، الذي كثيرًا ما تُقبل بوصفها أمرًا طبيعيا.

وعليه، فإن التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة (يوم 25 آذار 2026)، رغم أهميته، لا يمكن اعتباره نهاية المطاف. فالاعتراف بتجارة العبيد كجريمة ضد الإنسانية خطوة ضرورية، لكنها غير كافية. التحدي الحقيقي يكمن في قدرة المجتمعات المعنية على تحويل هذا الاعتراف إلى عمل تعليمي نقدي لتاريخها الخاص. وهذا يقتضي، خصوصًا بالنسبة للدول العربية والإسلامية، إدخال مناهج أكثر موضوعية، تشرح للأجيال القادمة طبيعة هذه الجريمة، وكيف تورطت فيها أجزاء واسعة من البشرية، بما في ذلك العرب والمسلمون أنفسهم.

كما ينبغي أن تضطلع المؤسسات الدينية بدور في هذا المسار، من خلال تقديم قراءة نقدية لهذا الماضي، والتأكيد بوضوح على تعارض مثل هذه الممارسات مع القيم الأخلاقية التي تدّعيها اليوم. فبدون هذا الجهد من المصارحة، يبقى خطر تحوّل الاعتراف الدولي إلى مجرد إعلان رمزي، منفصل عن التحولات الاجتماعية الفعلية.

وهكذا، يكشف هذا التصويت عن حقيقة غير مريحة ولكنها ضرورية: إن تجارة العبيد ليست مجرد جريمة من الماضي، بل إرث غير محسوم لا يزال يساهم في تشكيل التراتبيات والصمت والظلم في الحاضر. أما الوفاء الحقيقي لهذا الاعتراف، فلا يتحقق في فعل التصويت ذاته، بل في قدرة المجتمعات على مواجهة أكثر فصول تاريخها ظلمة دون مواربة، وعلى استخلاص نتائج عملية من ذلك من أجل المستقبل.

  • ترجمة لمقال سينشر قريبا بالفرنسية للدكتور هشام داود، وهو باحث عراقي بارز في الأنثروبولوجيا السياسية، يمارس نشاطه الفكري في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي