ماذا يعد بيان الإطار ولقاءات هاريس؟
حين تنحى المالكي ورفض “إراقة الدماء”.. نص خطاب التنازل من أرشيف 2014
تأخر موقف الإطار التنسيقي 4 أيام في التعليق على رفض الرئيس الأميركي ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة العراقية، ثم انعقد اجتماعه اليوم السبت، بغياب نادر ولافت لعمار الحكيم، مع “استدارة” قيس الخزعلي التي بدت مفاجئة، منتقلاً من “الجادرية الممانعة” إلى “محور الولاية الثالثة في المنطقة الخضراء”.. وكل هذا حصل بعد اجتماعات قيل إنها عاصفة بين السفارة الأميركية وقادة من الإطار على رأسهم المالكي.. أما البيان الصادر عن القادة الشيعة الحاضرين، فكان عبارة عن “تمسك شديد بترشيح المالكي، ولكن مع تمسك شديد أيضاً بالعلاقة مع ترامب”.. وهذا الاستدراك سيبقى مفتوحاً على تفسيرات كثيرة، تقارن مراحل في السيرة السياسية لنوري المالكي، ولعل أبرزها خطابه في التنازل عن الولاية الثالثة والتنحي لصالح حيدر العبادي، خلال ليلة صيفية ساخنة جداً من شهر آب عام 2014، وكان محوره إعلان “عدم إراقة أي قطرة دم.. ولصالح العملية السياسية.. واستشهاد بكلمات الإمام علي بن أبي طالب حول السلم ورفض الحرب”.
خطاب نوري المالكي، آب 2014:
بسم الله الرحمن الرحيم “واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا”.
صدق الله العلي العظيم.
أيها الشعب العراقي الكريم:
كنت وسأبقى على العهد مع الله ومعكم في الدفاع عن العراق العزيز ولن أفرط بثقتكم حين خرجتم نساءً ورجالاً شيباً وشباباً وضحيتم وتحديتم حتى الاستشهاد، وانتخبتمونا بأصابع شريفة مضمخة بالحبر البنفسجي وبالدم الطهور، حتى حققنا أعلى الأرقام ونلنا أكثر الأصوات ككتلة وكمرشح بين المتنافسين في يوم تاريخي مشهود سيظل علامةً مضيئةً وحقيقةً دامغةً في تاريخ العملية الديمقراطية في العراق.
إن فضلكم سيبقى أمانة في عنقي وسأحفظ الأمانة ولن أترك واجبي ولن أنثني أمام الجراحات التي تحملتها وسأتحملها حتى لو لم يبق في جسمي مكان لجرح من قريب أو بعيد. ليس ذلك منة مني على أحد إنما هي مسؤوليتي. وواجبي الشرعي أن أدافع عن هذا البلد وشعبه ومقدساته.
أيها الأخوات والأخوة:
عند تشكيلنا للحكومة عام 2006 كان القتال يدور في وسط شوارع العاصمة وكانت بغداد محاصرة والطرق العامة ومؤسسات ودوائر الدولة والجامعات خاوية على عروشها ولا نشاط حيوي اقتصادي وتجاري أو ثقافي يبدد وحشة النهار والليل، وتسلمنا الحكومة في ظل احتلال قاس وتواجد لأكثر من 150 ألف جندي أجنبي على أراضيه، وشهد الملف الأمني الذي كان بأيديهم تدهوراً خطيراً.
وفي ظل هجمة إرهابية شرسة ومنظمة، وعملية سياسية مخترقة من بعض القوى السياسية التي ارتبطت بأجندات خارجية وتحركت من خلفية طائفية أو عنصرية، نجحنا في تحقيق إنجازات كبيرة في مجالات الإعمار والبناء والخدمات وإطلاق المبادرتين الزراعية والتعليمية والمبادرة الوطنية للسكن، والتي ساهمت بدرجة كبيرة في تحقيق قفزة نوعية في هذه المجالات الحيوية، إلى جانب إطلاق جولات التراخيص النفطية واستثمار حقول الغاز للمرة الأولى في تاريخ العراق، والمضي قدماً في زيادة إنتاج وتصدير النفط ودخول رؤوس الأموال الأجنبية والمستثمرين وتحقيق زيادة كبيرة في رفع مستوى رواتب موظفي الدولة وتحسين المستوى المعيشي لعموم أبناء الشعب العراقي، والذي سيبقى محفورا في ذاكرته إنزال حكم القصاص العادل بالطاغية وأعوانه المجرمين بحق العراق وشعبه ومن جميع مكوناته.
العراق الذي كان معزولا عن العالم يوم تكليفي بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية عام 2006، استعاد دوره على الصعيدين الإقليمي والدولي كما عادت سفارات وبعثات دول العالم إلى بغداد التي ظلت مهجورة لما يقرب من عقدين من الزمن ولم تتخلف عن رحلة العودة إلى بغداد سوى بعض الدول التي عرفت بعدائها التاريخي للعراق وشعبه.
يا أبناء الشعب العراقي الكريم:
لقد واجه العراق موجة جديدة من الإرهاب في أوائل عام 2012 حين كانت المنطقة العربية تعيش بدايات الحرب الطائفية وهي حرب شاركت في إثارتها أجهزة مخابرات دولية وإقليمية بالتعاون مع بعض القوى السياسية المحلية التي كانت توفر غطاءً سياسياً للمنظمات الإرهابية، وتزامنت بداية المرحلة الجديدة للإرهاب في العراق مع اندلاع الأزمة في سوريا في أوائل عام 2011 وقد حظيت المنظمات الإرهابية في سوريا بدعم متعدد الاتجاهات والأشكال من بعض الدول الكبرى والدول الإقليمية ذات التوجهات الطائفية، ولم يكن الهدف الأساس للأزمة السورية هو إسقاط النظام في سوريا فقط، إنما ليكون بوابة لإحداث تغييرات ورسم خارطة سياسية جديدة في المنطقة ومن بينها العراق.
وجاءت الانتكاسة الأمنية التي حدثت بعد سيطرة تنظيم داعش الإرهابي على مدينة الموصل وتهديده لمحافظات أخرى تتويجاً لمشروع بدأ في سوريا مرورا بالعراق وعدد من دول المنطقة ليصل في نهايته إلى الدول التي ساندت ووقفت إلى جانب التنظيمات الإرهابية، واستطعنا بعون الله وهمة القوات الأمنية والمجاهدين المتطوعين وأبناء العشائر الغيارى، من استيعاب واحتواء الهجمة الإرهابية والانتقال بسرعة من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم واستعادة زمام المبادرة وتحرير محافظات ومدن وفتح طرق رئيسية بين المدن والمحافظات.
يا أبناء الشعب العراقي العزيز:
أدرك جيداً أن المستهدف ليس المالكي بعينه إنما العراق بأجمعه. وقد بذلت كل جهدي ووقتي واستخدمت كل الوسائل المتاحة لإحباط المخطط الذي اختلفت أطرافه هدفاً ووسيلةً وآليات مع ضرورات إدراك واع لخطورة المخطط الذي يستهدف وحدة العراق وسيادته واستقلاله، ولم يساور الشك لحظة واحدة، حق ائتلاف دولة القانون ومرشحها دستورياً في تشكيل الحكومة الجديدة وكان واجباً عليه ومن مسؤوليته الشرعية والوطنية والأخلاقية تصحيح ومعالجة أي خلل يتسبب في تداعيات سلبية خطيرة على حرمة الدستور والعملية السياسية والتجربة الديموقراطية الفتية في البلاد.
واحتراماً للثقة التي منحني إياها الشعب ووفاءً لتطلعاته في تقوية مؤسسات الدولة وتكريس حاكمية الدستور فقد مارست جميع الوسائل والآليات الدستورية والسلمية لإعادة الحقوق إلى نصابها ليكون العراق نموذجا يحتذى به في المنطقة، التي تعاني من أنظمة حكم دخلت مرحلة الشيخوخة وفقدان الحريات وانعدام الديموقراطية وتفشي السياسات الطائفية البغيضة.
لقد استبعدت منذ البداية خيار استخدام القوة لعدم إيماني بهذا الخيار الذي لا شك في أنه سيعيد العراق إلى عهود الدكتاتورية والقمع والاستبداد إلا في مواجهة الإرهاب والإرهابيين والمتجاوزين على إرادة الشعب ودمه ومصالحه، كما أن هذا سيعرض الشعب العراقي المثخن بالجراح إلى مزيد من الأزمات والآلام والمتاعب، وأقصد بذلك استخدام القوة في إدارة العملية السياسية، ولن أسمح باستخدام القوة في معالجة الأزمات وأدعو السياسيين وأبناء الشعب إلى التزام الآليات الدستورية والقانونية في التعبير عن آرائهم ومعالجة الأزمات الطارئة، وأمام هجمة ظالمة تعرضت لها شخصياً التزمت الآليات القانونية في معركة الدفاع عن الدستور حتى اتهمت بالتشبث بالسلطة مع أنه كان دفاعاً عن الوطن وحرمة الدستور والاستحقاقات الانتخابية.
إن الدفاع عن الحق لا يعني بأي حال من الأحوال تمسكاً بالسلطة. ولم ألجأ إلا للمحكمة الاتحادية وتعهدت بقبول قرارها واليوم أقول للشعب العراقي الكريم: لأسالمنّ ما سلم العراق وشعبه ولن أكون سبباً في سفك قطرة دم واحدة، وإن كان فيها جور علي كما قالها خالدة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام “لأسالمن ما سلمت أمور المسلمين إن لم يكن فيها جور إلا علي”.
وأقول لكم أيها الشعب الكريم:
لا أريد أي منصب وإن منصبي ثقتكم به وهو منصب لا أرقى ولا أشرف منه. وأعلن أمامكم اليوم ولتسهيل سير العملية السياسية وتشكيل الحكومة الجديدة، سحب ترشيحي لصالح الأخ الدكتور حيدر العبادي، وكل ما يترتب على ذلك، حفاظاً على المصالح العليا للبلاد. وسأبقى جندياً مقاتلاً مدافعاً عن العراق وشعبه وسنداً له.
وهو سينهض بأعباء المسؤولية والأمانة بكل وطنية وشرف وحزم وشجاعة في إحقاق الحق ودحر الباطل والدفاع عن المظلومين والوقوف بوجه الإرهاب والطائفية وتقسيم العراق والحفاظ على وحدته واستقلاله وسيادته.
تحية إكبار وإجلال لجهود أبناء القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والمتطوعين والعشائر، لما بذلوه من جهد استثنائي، وأوصيهم بالثبات وإدامة زخم المواجهة وعدم التفريط بالواجب والابتعاد عن الخلافات السياسية حفاظا على قواتنا المسلحة، وأن يكون همهم الأول والأخير مواجهة الإرهاب وحفظ سيادة الوطن واستقلاله واستقراره.
التحية والإجلال لشهداء العراق الذين وقفوا بوجه النظام الدكتاتوري وواجهوا الإرهاب ولكل أبناء العراق الغيارى ولقواتنا المسلحة البطلة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.