كيف سيؤثر ذلك على الشرق الأوسط؟
حكومة فرنسا ماتت في 14 ساعة.. هشام داود يتأمل مصير الجمهورية الخامسة مع ماكرون
يستعرض الدكتور هشام داود وهو باحث عراقي بارز في الأنثروبولوجيا السياسية ويعمل ضمن المركز الوطني الفرنسي للبحوث العلمية، التطورات غير المسبوقة داخل الحياة السياسية في باريس، حيث تشكلت 5 حكومات خلال عام واحد، وكانت إحداها الأقصر عمراً بحيث لم تدم سوى 14 ساعة، وهو ما يطرح أسئلة حول “نهاية إرث” الجنرال تشارل ديغول صاحب الجمهورية الخامسة الشهيرة، وتأثر السياسة الفرنسية بالتحول العالمي العميق، ومخاطر صعود اليمين المتطرف وأثر ذلك على العلاقة بالمسلمين وغيرهم من المكونات الفاعلة في تلك البلاد، وهو ما يمثل عوامل تقلق أو تهدد السياسة الخارجية لفرنسا وعلاقاتها بأهم الملفات في العالم والشرق الأوسط، وما يتصل به محلياً من الشراكة مع العراق في حقول الطاقة والاستثمار وتعاون في الأمن والسياسة.
مقال الدكتور هشام داود “فرنسا: أزمة سياسية أم أزمة نظام؟” الذي خص به شبكة 964:
حكومة خامسة في أقل من عام
مساء الأحد، 11 تشرين الأول/أكتوبر 2025، أعلنت فرنسا عن تشكيل حكومة جديدة برئاسة وزير الدفاع السابق، سباستيان لوكورنو (هي الحكومة الخامسة منذ عام). التشكيلة تضم 34 وزيرًا وكاتب دولة، جُمِعوا من بقايا الحكومة السابقة وعدد من التكنوقراط أو سياسيي الصف الثاني.
بهذا الإعلان، تدخل فرنسا تجربة تشكيل حكومتين للسيد لوكورنو في أقل من أسبوع! في مشهد غير مسبوق يعكس عمق الأزمة السياسية التي تهزّ أسس الجمهورية الخامسة، وتضع مؤسسة الرئاسة نفسها على المحك.
أمام هذه الحكومة اختباران حاسمان: نيل ثقة البرلمان بأسرع وقت ممكن، وتقديم مشروع موازنة عام 2026. عائقان كبيران قد يُسقطان الحكومة سريعًا، إذا ما تلاقت مجدداً أصوات المعارضة اليسارية واليمين المتطرف في طرح حجب الثقة. وحده تردد الاشتراكيين أو امتناعهم عن التصويت قد يمدّد من عمر حكومة لوكورنو الثانية أيامًا أو أسابيع إضافية. (للتذكير: ان حكومته الأولى دامت 14 ساعة فقط !).
المعضلة لم تكن فقط في التوقيت أو في التشكيلة الحكومية بحد ذاتها، بل في الرسالة السلبية التي بعث بها الرئيس ماكرون للفرنسين ولمعارضيه: إذ اختار مجددا أحد أقرب المقربين إليه لتشكيل حكومة على مقاسه السياسي، متجاهلًا الدعوات المتكررة إلى تشكيل حكومة بمشاركة القوى والتحالفات السياسية التي حصلت على أعلى الأصوات. فجاءت النتيجة: حكومة من وزراء وتكنوقراط موالين بالكامل، بلا ثقل برلماني ولا استقلالية سياسية.
ولم يكن اختيار التوقيت اعتباطيًا: إعلان الحكومة سبق مباشرة سفر ماكرون إلى القاهرة للمشاركة في مراسم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط، إلى جانب قادة عالميين مثل دونالد ترامب وعدد من الزعماء العرب. أراد الرئيس أن يتفادى صورة الزعيم الضعيف أو المشلول على الساحة الدولية. لكن يبقى السؤال: هل وُلدت هذه الحكومة ميتة؟
برلمان يتشظى وحكومات قصيرة العمر
منذ قراره حلّ الجمعية الوطنية والدعوة إلى انتخابات مبكرة في حزيران 2024، خسر ايمانوئيل ماكرون أغلبيته البرلمانية. وبدل السعي إلى تحالف مع القوى الفائزة، اختار تشكيل حكومات من تياره الأقلوي، وهو ما عمّق أزمة الشرعية. اليوم، تبدو السلطة التنفيذية أسيرة برلمان مفكك يلوّح بحجب الثقة عند كل منعطف.
رئيس في تراجع شعبي متسارع
منذ أكثر من ثلاثة أعوام، تراجعت شعبية ماكرون تدريجيًا قبل أن تنهار فجأة. لم يعد الأمر مرتبطًا بإصلاح مثير للجدل أو قرار غير محسوب، بل بشعور عام بأن الرئيس بات معزولًا، يدير البلاد بعقلية فوقية، تكنوقراطية، ومنفصلة عن المجتمع وتعقيداته وهوياته المتعددة.
ثلاث أزمات متداخلة: مجتمع، اقتصاد، ونظام:
• أزمة اجتماعية: انقسامات هوياتية وثقافية متعمقة، تصاعد الاستقطاب في المدن وضواحيها، وتراجع قدرة الدولة على تمثيل فسيفسائها الاجتماعي.
• أزمة اقتصادية: اتساع الهوة الطبقية، تراكم الثروة في يد قلة من أصحاب رؤوس الأموال، قوانين ضريبية غير عادلة تثقل كاهل الطبقات الوسطى والدنيا، تراجع الخدمات العامة واتساع رقعة الفقر.
• أزمة نظام: دستور 1958 (المعروف بالجمهورية الخامسة) صُمم على مقاس الجنرال ديغول ليمنح الرئيس سلطات واسعة جدا. لكن الدستور يصبح مشلولًا حين يفقد الرئيس أغلبيته البرلمانية، فيتحوّل البرلمان من شريك إلى خصم.
“الماكرونية”: تجاوز أم قطيعة؟
قدّم ماكرون نفسه عام 2017 باعتباره رئيسًا يتجاوز ثنائية اليمين واليسار. لكن هذه المقاربة تحولت إلى أداة لتفكيك الحياة السياسية التقليدية دون تقديم أي بديل واضح. فـ”الماكرونية” ليست تيارًا فكريًا متماسكًا، بل خليط من النيوليبرالية الاقتصادية والإدارة التقنية والانفصال عن المجتمع. النتيجة: سياسات قاسية على الطبقات الوسطى والفقيرة، تراجع العدالة الاجتماعية، وتآكل صورة فرنسا داخليًا وخارجيًا.
بين القانون والشرعية: أزمة ثقة ديمقراطية
رغم التزامه النسبي بالنصوص الدستورية، تجاهل ماكرون مرارًا الأعراف الديمقراطية: لجأ بكثافة إلى المادة 49.3 من الدستور التي تتيح للرئيس إمرار قوانين دون موافقة أو تصويت البرلمان عليها، وفرض إصلاحات كبرى دون موافقة البرلمان، وضيّق من هامش الحوار السياسي (الجميع يذكر التفافه على مطالب تظاهرات ذوي الياقات الصفر خمسة سنوات مضت). الممارسات السياسية للرئيس ايمانوئيل ماكرون إعاد إلى الواجهة الجدل عن الفارق بين “ما هو قانوني” و”ما هو شرعي سياسيًا”، مثيرًا السؤال الأعمق: في زمن الازمات المتفجرة، من يملك الشرعية في النظام الديمقراطي: رئيس فاز بالانتخابات قبل سنوات أم قوة الأغلبية الشعبية التي تطالب باستقالته كونه فقد الشرعية الشعبية؟
ما هو أكيد ان فرنسا اليوم تُنتج الفوارق بدل أن تخففها: بطالة شبابية متفاقمة، تهميش المدن الطرفية والنسيج الاجتماعي الفلاحي، نظام ضريبي يكرّس الامتيازات، وتراجع في الخدمات الأساسية، فيما يُطلب من الطبقات الفقيرة “الصبر” باسم الإصلاح.
السياسة الخارجية: خسارة الخصوصية الديغولية – الميترانية
إرث ديغول وميتران وجاك شيراك كان يقوم على استقلالية القرار الفرنسي. في عهد ماكرون، تراجعت هذه الخصوصية لحساب تماهي أوثق مع السياسات الأطلسية والرهانات الأمريكية (قبل عهد ترامب). صحيح أن باريس حققت تقدمًا في بعض الملفات، مثل الاعتراف بالدولة الفلسطينية، لكنها فقدت كثيرًا من تأثيرها وبريقها السياسي والرمزي في الشرق الأوسط وأفريقيا. هذا الافول تصاعد زمن الرئيس ماكرون، ليس فقط بسبب الديناميكيات الدولية الصاعدة التي ضيّقت عموما على النفوذ التاريخي الغربي، ومطالبة بنظام دولي متعدد الأقطاب، بل يمكن تفسيره أيضا في خيارات باريس التي لا تأخذ في الاعتبار الواقع الدولي الجديد وتطلع العديد من دول العالم نحو القطبية المتعددة.
على صعيد إدارة التعددية الدينية والاثنية داخل فرنسا، ارتبطت السياسات الماكرونية بتشديد الرقابة الأمنية والقانونية على المسلمين والعرب، وبخطاب رسمي وإعلامي غذّى المخاوف من “الخطر الإسلامي”. كثير من أبناء الجالية الإسلامية، شعروا أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، يُعاملون بالريبة والمراقبة بدلًا من المساواة والشراكة.
هل لا مست “الجمهورية الخامسة” نهاية عمرها ؟
الأزمة الراهنة لا تختصر في أسماء وزراء أو موازنة مالية، بل تمس جوهر العقد الجمهوري نفسه.
• هل لا يزال دستور 1958 قادرًا على استيعاب التعددية السياسية والاجتماعية؟
• هل يصلح الحكم الرئاسي المفرط في ظل برلمان يتشظى وصراع سياسي لا يجيد التنازلات المشتركة وشارع غاضب؟
• وهل يمكن إصلاح الدولة من دون إعادة توزيع عادل للثروة والسلطة؟
الخيارات أمام فرنسا محدودة لكنها مصيرية وذات بعد ليس فقط وطني بل وأوربي ودولي: إما إصلاح عميق للنظام السياسي يحقق توازنًا جديدًا بين السلطات ويعيد وصل الدولة بمجتمعها، أو الاستمرار في تدوير الأزمة بالأدوات ذاتها، مع ما يحمله ذلك من خطر انفجار آتٍ، أو صعود اليمين المتطرف للحكم لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية.
المحصلة أن “الماكرونية”، التي وُلدت كوعود بتجديد السياسة، تحولت إلى مرآة مكبرة لأزمة أعمق. فرنسا اليوم أمام سؤال وجودي: هل تملك الشجاعة لإعادة خلق نفسها من جديد، أم أنها ستواصل العيش داخل نظام استنفد قدرته على البقاء؟