جردة حساب سنوية

النجف أشجع دائماً.. منبر “الكعدية” يحاسب الحكومة ولا يخشى حتى رجل الدين!

“الكعدية” لون من العزاء الحسيني ابتكرته النجف وفقاً لخدام موكب العشق الحسيني، وهو مجلس يقيمه رادود على المنبر، يقرأ قصيدة ملحنة بينما يستمع الحضور إليه “قعوداً” فهي “قعدية”، لكن المهم في هذا اللون، هو محتوى القصائد الذي يختلف عن التعازي التقليدية، فهي تركز على مضامين سياسية وإصلاحية وشجاعة ويتجرأ الرادود والشاعر على خطوط حمراء خطيرة قد يخشى العوام التطرق لها، مثل انتقاد الحكومة والسياسيين والمتنفذين وحتى رجال الدين بشكل عميق، ومثل خطبة الجمعة التي تنقسم إلى جزءين.. ديني وسياسي.. يتألف مجلس “الكعدية” أيضاً من قصيدتين باتجاهين مختلفين، وتشتهر القصائد السياسية عادة، ويطلبها الجمهور، وهي بمثابة جردة حساب مع السلطة لمدة عام، ولفرط جرأة الطرح، يطلب الوقف الشيعي أحياناً نسخةً من القصائد قبل البث المباشر، وتباهي النجف أن المدن الأخرى مثل كربلاء والكاظمية بدأت تستعير هذه الطريقة، رغم أن كربلاء دأبت منذ عقود أيضاً على “الردات” الجريئة وخاصة في موكب العباسية، وتحدثت شبكة 964 إلى أعضاء موكب قافلة العشق الحسيني ومن بينهم عباس شبر، وضرغام الملك، إلى جانب عضو موكب النجف حيدر كبون، لشرح تفاصيل هذه الشعيرة.

عباس شبر – موكب قافلة العشق الحسيني، لشبكة 964:

نحن نترقب هذه العشرة أيام من شهر محرم من عام إلى عام، إذ تحمل في طياتها دروساً وعبراً كثيرة.

تبدأ القصيدة “الكعدية” في مستهل المجلس، ثم تعقبها قصيدة “اللطم”.

في الحقيقة، هي تتألف من قصيدتين تُلقى في اليوم الواحد: الأولى تُلقى أثناء الجلوس، والثانية بعدها، وفيها جملة من الأبيات.

تتناول نوعاً من النقد، قد يكون إيجابياً ومفيداً للناس، وتنعكس إيجابياً على المستمعين وعموم الحاضرين.

في هذه القصائد تُذكر السلبيات التي مررنا بها طوال السنة، كي نتعظ منها في هذه الأيام المباركة، لما تحمله من آداب وأسلوب وأخلاق سامية.

هذه الأيام تتضمن الكثير من الإيجابيات العظيمة التي يجد فيها بعض الناس فرصة للاستجابة والتفاعل، بينما قد لا يدرك البعض ما في هذه المجالس من فائدة، وتلك مشكلتهم.

المنبر الحسيني ليس مجرد لطم أو عزاء أو جلسة عابرة، بل هو ساعة منبرية عامرة بالمواعظ والقيم العظيمة، لا بل إنه يشتمل على الكثير من الإيجابيات التي تنطلق منها ركائز مهمة تبني المجتمع وتنهض به في شتى الجوانب.

ضرغام الملك – موكب قافلة العشق الحسيني، لشبكة 964:

القصيدة “الكعدية” هي تلك القصيدة التي امتازت بها مدينة النجف الأشرف عبر العصور والدهور، فهي التي ابتكرت هذا اللون من الشعر.

الشاعر فيها يجب أن يمتلك ثقافة حسينية عميقة، وثقافة دينية واسعة، وثقافة شاملة بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

إذا وقع حدث ما في الساحة السياسية أو الدينية، يكون الشاعر موثقاً لهذا الحدث ضمن القصيدة.

القصيدة “الكعدية” تُعد بمثابة خطبة الجمعة، حيث تتضمن خطبة سياسية وخطبة دينية.

في مجلسنا، تُعتبر القصيدة الدينية هي قصيدة “اللطم”، بينما القصيدة السياسية هي “الكعدية” التي توجه الشباب وتنبههم إلى كل حدث وشأن.

هذه القصيدة تُعد تثقيفاً للشارع النجفي خاصة، وإذا سُمعت في العراق أو العالم فهي نصيحة وخدمة حسينية من المنبر الحسيني، والمنبر الحسيني منبر حر لا يتردد في نقد السياسي أو حتى رجل الدين أو عوام الناس أو الشباب، ولا يتحرج من انتقاد أي شخص يقدم عملاً غير صالح.

السياسي ليس محصناً ولا مستثنى من النقد، بل هو الأقرب للنقد حين يكون عمله سيئاً، والأقرب للتقدير إذا أحسن، وهذا هو النهج الذي عرفه المنبر عبر العصور، منبر لا يعرف المهادنة، ولا يجامل أي جهة.

نحن ضد كل سلطة ظالمة، وضد كل حاكم فاسد، والمنبر هو الذي يردع الظلم والفساد، والقصيدة “الكعدية” هي قصيدة تعالج وتقوم الاعوجاج، والشاعر فيها مراقب دقيق ومتابع متيقظ.

نحن أبناء النجف تعلمنا منذ صغرنا أن نكون ناقدين بما يرضي الله ورسوله، ولا يمكن أن تُكتب قصيدة تتجنى على أحد دون حق، فهذا مستحيل.

إذا تم انتقاد شخص، فذلك لأن عمله لم يكن صالحاً، وهذا هو جوهر المنبر الذي يضع الجميع تحت النقد على السواء، والمضايقات لا تعنينا، ولا نخشى منها ما دمنا على طريق الحسين وطريق الحق، ولا ينبغي لأحد أن يهتم لأي مضايقة، فهذا ما تعلمناه ونحن خدام المنبر الحسيني.

حيدر كبون – موكب النجف، شبكة 964:

نحن في مجلسنا نبدأ أولاً بمجلس عزاء، ثم يأتي دور الرادود، وبعده فقرة قصيدة “الكعدة”، ثم اللطم، وبعد ذلك تُقدم وجبة طعام.

“قصيدة الكعدة” تُلقى قبل قصيدة اللطم، وهي تختص بمدينة النجف الأشرف، والحمد لله أنها أصبحت تُؤدى في باقي المحافظات أيضاً، مثل كربلاء والكاظمية وغيرها.

تلك المدن اقتدت بما سار عليه نهج أولاد علي (ع)، وكانت النجف هي البداية لهذا اللون من القصائد.

نحرص دائماً على هذه القصيدة، وشعراؤنا الأوائل رحمهم الله، وكذلك الحاليون حفظهم الله، يقدمون جل جهدهم في سبيلها.

هي قصيدة توعوية تتضمن الإرشاد والنصائح والنقد البنّاء، سواء كان موجهاً إلى المجتمع أو الحكومة أو السياسيين.

من خلالها نستفيد ونتعلم، فهي ليست قصيدة عابرة أو عادة، بل تحمل النضج والإصلاح.

الإمام الحسين (ع) خرج من أجل الإصلاح، وهذه القصيدة تنطلق من ذلك المبدأ.

منذ عهد شعرائنا الأوائل وحتى اليوم، نؤكد على أهميتها، وعلى الشاعر أن يوضح أهدافها ومواضعها في المجلس.

كثيراً ما تُطلب القصائد لتُعرض على الجمهور، والمراقد المقدسة تتبع ديوان الوقف الشيعي، وهو أحد أركان الدولة.

أحياناً يُطلب من الشاعر الاطلاع على القصيدة قبل إلقائها، لكن الشاعر لا يسعى للإساءة للحكومة أو المجتمع، بل يمارس النقد البنّاء.

هناك فرق كبير بين النقد الهدام والنقد البنّاء، وكل إنسان بحاجة لمن يرشده ويقومه.

الإنسان العاقل هو من يرحب بمن ينبهه إلى الخطأ ويعينه على إصلاحه.

هذا الإصلاح يتم أحياناً من خلال قصيدة “الكعدة”، ولهذا نجد أولاد علي دائماً يؤكدون أهميتها.

صاحب المجلس يطلب من الشاعر قصيدة قوية، ولذلك نجد أبناء النجف متميزين بها.

كثير من الأمور في المجتمع تغيرت بفضل ما يُطرح في هذه المجالس.

بعض القضايا التي يطلبها المنبر تُصبح واقعًا بعد يوم أو أكثر، لأن هناك من يستمع ويتأثر بها.

جزى الله السياسيين والمسؤولين خير الجزاء حين يستمعون لتلك القصائد ويسعون إلى تصحيح مساراتهم بفضلها.