صور من المجمع الذي بنته الكويت في أم قصر لنقل العراقيين المقيمين على الحدود.
بحار ومؤرخ وخبير جغرافي
“أم قصر بخير وأزمة الكويت بددت وهماً كبيراً”.. 3 خبراء يقدمون الشرح الكامل
هدأت عاصفة الجدل حول ترسيم الحدود بين العراق والكويت، خصوصاً في نقطة أم قصر، لكن ذلك كان فرصة لتبديد فكرة شاعت لأكثر من ثلاثة عقود، تفيد أن بغداد قد تنازلت عن مساحات من الأرض، بعد حرب الخليج الثانية عام 1991، ويؤكد قادة متمرسون في البحرية العراقية وأكاديميون خبراء في خرائط الحدود المائية والبرية تحدثت إليهم شبكة 964، أن ما جرى بعد الحرب ليس تنازلاً عن أي شبر من الأرض، بل تحديد منطقة بعمق 500 متر على طول الشريط الحدودي، بوصفها “محرمات الحدود” تكون منزوعة من الأنشطة السكانية والعسكرية.
وعلى أساس ذلك، تم الاتفاق على إزالة منازل القاعدة البحرية الواقعة مباشرة على خط الحدود مع الكويت في أم قصر، واستبدالها بمجمع سكني آخر شيدته الكويت، بينما تبقى الحدود البحرية موضوعاً لمفاوضات معقدة ذات صلة بالموقع الاستراتيجي وقضايا نفطية وسواها، كانت على طاولة الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الكويتي الى بغداد.
ماذا حدث؟
في 30 تموز الماضي، تحدث وزير الخارجية الكويتي، سالم الصباح، خلال مؤتمر صحفي في بغداد مع نظيره فؤاد حسين، عن “تعهد عراقي بإزالة منازل عراقيين في بلدة أم قصر”، فيما قدم الشكر لمحافظ البصرة أسعد العيداني على “تسهيل العملية”.
تصريحات السالم أحدثت ضجة لم تهدأ على مدى الأسابيع الماضية، وحوصرت السلطات في بغداد والبصرة بسيل من التهم، ليس أقلها ”التنازل عن سيادة الأراضي العراقية للكويت “.
قبل ذلك بثلاثة أسابيع، قدم وكيل وزارة النقل، طالب عبد الله بايش، مذكرة للخارجية للطعن بقرار أممي يتعلق بترسيم الحدود البحرية مع الكويت، لكنه تراجع عنها لاحقاً.
الحدود العراقية الكويتية تاريخياً:
تعود قصة رسم خط الحدود الفاصلة بين العراق والكويت، إلى العام 1932، عندما أرسل رئيس وزراء المملكة العراقية نوري السعيد، رسالة إلى الحاكم البريطاني للكويت حينها، يعترف فيها بحدود تمنح الكويت جزيرتي وربة وبوبيان وكذلك ممر خور عبدالله البحري، ووفقاً للسياسي العراقي والقائد السابق في القوات البحرية، مزاحم الكنعان، وهو شيخ قبيلة تميم في الوقت ذاته، فإن الكويت احتفظت بتلك الوثيقة إلى جانب خارطة رسمها البريطانيون توضح شكل الحدود بين البلدين، لتستخدمها فيما بعد مرتين، الأولى عندما اعترف العراق بالكويت دولة انضمت على إثرها إلى الأمم المتحدة عام 1963، والثانية عندما احتجت الكويت لدى مجلس الأمن الدولي بعيد غزو العراق لها في العام 1990.
ما هو خط الجامعة العربية؟
بعد عامين من سقوط النظام الملكي عام 1958، تسلم عبد الكريم قاسم السلطة، فاندلعت أولى الأزمات بين العراق والكويت، بعدما اعلنت الكويت استقلالها وقدمت طلباً للانضمام إلى الجامعة العربية، في حين ظهر قاسم خلال مؤتمر صحفي شهير، قال فيه إن “الكويت جزء لا يتجزأ من العراق”، وقام بالتحشيد العسكري على الحدود، قبل أن تتدخل قوات عربية مشتركة من عدة دول، وترسم خطاً للحدود سمي حينها “خط الجامعة العربية”.
وبحسب الكنعان، فإن ذلك الخط لم يتغير حتى غزو العراق للكويت في العام 1990، عندما ألغيت تلك الحدود وقرر رئيس النظام السابق صدام حسين ضم الكويت “كمحافظة عراقية” لكن تدخل قوات التحالف وانسحاب الجيش العراقي من الكويت، أعاد ذلك الخط الحدودي إلى ما كان عليه قبل الغزو.
تدخل روسي
وبعد احتجاج الكويت بعيد الغزو لدى مجلس الأمن، مستندة إلى رسالة نوري السعيد والخارطة البريطانية، لم يكن أمام العراق في العام 1993، إلا الالتزام بقرار مجلس الأمن الدولي ذي الرقم 833 الذي يقضي بترسيم الحدود وفقاً للخط الحدودي السابق، ويقول الكنعان إن موافقة العراق على الالتزام بقرار مجلس الأمن كان مرتبطاً بوساطة روسية وعدت بغداد برفع الحصار الاقتصادي عنها، لكن ذلك لم يحدث.
وبعد آخر اعتراف عراقي بخط الحدود الحالي، يقول الناطق باسم الحكومة باسم العوادي، إنه “لم تقم أي حكومة عراقية بتغيير الحدود”، مبيناً أن “وفداً من العراق وآخر من الكويت ولجان الأمم المتحدة ثبتت الدعامات الكويتية مثلما رسمتها الأمم المتحدة سابقاً ولم يحصل عليها أي تغيير”.
فيما يلزم قرار مجلس الأمن المرقم 833 بوضوح، العراق والكويت على حد سواء، باحترام الحدود الدولية التي رسمتها لجنة الأمم المتحدة بعد غزو الكويت.
المالكي وقع على 500 متر
في العام 2010 أعلنت الكويت على لسان مدير إدارة الوطن العربي في وزارة الخارجية، جاسم المباركي، أنها توصلت لاتفاق مع العراق بشأن ترسيم الحدود،، بالالتزام بمسافة 500 متر في عمق البلدين، تبقى منزوعة الأنشطة السكانية بالكامل، وعلى إثر هذا الاتفاق تقرر إزالة منازل القاعدة البحرية الملاصقة لخط الحدود، وتعويض سكانها بمساكن أخرى في مجمع يبنى بتمويل كويتي.
ماذا يقول خبراء البصرة ومركز دراساتها الأبرز؟
في المقابل، يؤكد رئيس مركز أبحاث الخليج العربي في البصرة محمد الجزائري لشبكة 964، أن الاتفاق على أي مسافة منزوعة السكان على امتداد الحدود، أمر طبيعي ولا يمثل اعتداءً من أي طرف على الآخر، وبين أن المسافات عادة ما تتراوح بين 100 متر و1000 متر، وفقاً للضرورات الجغرافية والأمنية.
ويؤكد الجزائري الذي يدير أبرز مركز أبحاث عراقي مختص بمنطقة الخليج خلال العقود الأربعة الأخيرة، أن أقصى مسافة اقتطعت لصالح الكويت خلال تاريخ أزمة رسم الحدود مع العراق لا تتجاوز 1500 مترا في رقعة محدودة، محملاً النظام السابق مسؤولية التفريط بإمكانية استعادة بعض الأراضي بعد قرار مجلس الأمن، عندما انسحب العراق من المفاوضات في اللجان الدولية لترسيم الحدود عام 1994، بعد عام على إعلانه الالتزام بالقرار، إذ قدمت الكويت حينها وثائق عثمانية تؤكد امتلاك مواطنيها الأراضي في العمق العراقي على شريط الحدود، وفيما منحت الأمم المتحدة بغداد مهلة للطعن بالوثائق الكويتية، لم يأبه النظام السابق للأمر وأهمله، ليتم الاعتراف الأممي بوثائق الكويت، ورسم خط الحدود على شكله الحالي.
الحلبوسي: إيران تخشى تسوية عراقية كويتية
تؤكد حكومة السوداني على لسان ناطقها، أن الحديث عن ترسيم الحدود “خاص بترسيم الحدود البرية فقط وليس لترسيم الحدود البحرية”.
لكن ترسيم الحدود، الذي يبدو أنه متفق على جزئياته البرية بين بغداد والكويت، قد يصطدم بحاجز صعوبات تحيط الاتفاق في ما يخص الحدود البحرية بين البلدين، وبحسب خبير الحدود والمياه الدولية جمال الحلبوسي، فإن استئناف أي عملية لترسيم الحدود البحرية بين البلدين، سيصطدم حتماً بلمف حقل الدرة الغازي في مياه الخليج العربي، الذي تم اكتشافه في العام 1967 ولم يستثمر حتى الآن، ويمتد على مساحة كبيرة تدخل ضمن المياه الاقتصادية العراقية والإيرانية والكويتية والسعودية.
يضيف الحلبوسي إن إيران تراقب وتريد استغلال أي فرصة من أجل الإطاحة بأي تسوية عربية – عربية”.
وفي الثامن من حزيران الماضي، قدمت وزارة النقل مذكرة إلى وزارة الخارجية، تطالب فيها بالتحرك للطعن رسمياً لدى مجلس الأمن الدولي، بقراره المرقم 833، لأسباب قال الوكيل الفني للوزارة طالب عبدالله بايش إنها “إضرار بالعراق وحرمانه من إطلالته البحرية وحقه التاريخي بخور عبدالله”.
لكن الوزارة تراجعت بعدها عن الأمر، مبررة الأمر بأنه اجتهاد خاطئ قام به المكتب الإعلامي للوزارة، خصوصا بعد تشكيل لجنة ثنائية فنية وسياسية، تدرس ترسيما نهائيا لحدود البر والبحر بين البلدين في موقع استراتيجي تتزايد أهميته بالنسبة للتجارة الدولية بين آسيا وأوربا.