"الرهان على انتخابات أميركا وهم"

خامنئي: المقاومة تحقق إنجازات في العراق ولبنان واليمن وردنا أقوى إذا تجددت الحرب

وجه المرشد الإيراني الأعلى، مجتبى خامنئي، رسالة بمناسبة “اليوم الوطني لمقارعة الاستكبار” (اليوم الأربعاء 4 تشرين الثاني 2026)، أكد فيها أن الولايات المتحدة تسعى لإخضاع إيران وفرض “استسلام غير مشروط” عليها، مشدداً على رفض بلاده التام لتقديم أي تنازلات لواشنطن، وحذّر من أن أي عودة للحرب ستواجَه بـ “ردّ يبلغ نطاقاً أوسع بكثير”، معتبراً أن الرهان على التغيرات الحزبية في الإدارة الأمريكية هو “وهمٌ باطل” لن يغير من جوهر العداء تجاه البلاد، مشيداً بالإنجازات الميدانية التي يحققها “محور المقاومة” والممتدة حركتها من فلسطين ولبنان إلى العراق واليمن.

نص رسالة خامنئي نقلتها وكالة تسنيم، وترجمتها شبكة 964:

اليوم هو اليوم الوطني لمقارعة الاستكبار العالمي، اليوم الذي يضمّ في طياته مجموعة من المحطات المفصلية لصفّ جبهة الحقّ في مواجهة جبهة الباطل، والجبهة المظلومة في مواجهة الجبهة الظالمة.

ولعلّه يمكن القول إنّ الثالث عشر من آبان (تشرين الثاني) لهذا العام قد جعل الشعب الإيراني يوضّح تكليفه تجاه أمريكا المجرمة بشكل أبين وأشفّ من أيّ عام مضى؛ إلّا أنّ استعراض الجذور والأسباب والمحطات المفصلية للعداء الأمريكي المتزايد، والصفّ المتماسك للشعب الإيراني في مواجهته، يشكلان مناراً لهدْي مستقبل هذا الدرب.

إن النقطة التي بدأ منها الظلم الأمريكي بحق الشعب الإيراني تعود إلى أكثر من سبعة عقود خلت؛ حين دبرت انقلاب الثامن والعشرين من مرداد لاستمرار نهب الثروات والمقدرات الوطنية لا سيما النفط. وكانت العقود اللاحقة حتى انتصار الثورة الإسلامية فترةً بذل خلالها حكام أمريكا مساعي وافرة لنهب أموال الشعب الإيراني، وفي هذا المسار وعبر تأسيس جهاز “السافاك” وفرض أجواء أمنية ضاغطة على المجتمع، أطلقوا العنان لحكومة ذلك الزمان الجائرة لقمع أي حركَة احتجاجية.

وفي عتبات الانتصار المجيد للثورة الإسلامية، استخدِم شتى الحيل للحفاظ على الحكومة العميلة لهم. ومما يمكن تقديمه من سلوكياتهم العدائية في الحقبة التي تعقب الانتصار العظيم للشعب الإيراني، قائمة طويلة من الأفعال المناهضة للشعوب، والتي تشمل: دعم المجموعات الانفصالية والانقلابيين والمنافقين الأقسى قلوباً، والذين لم يكتفوا باغتيال النخب العلمية والسياسية والاجتماعية بل استهدفوا بوحشية أعداداً غفيرة من عامة الناس؛ والدعم المباشر والشامل لحزب البعث في حرب التحالف الأولى؛ وقتل المدنيين في طائرة الركاب المسافرة؛ والعقوبات الاقتصادية الواسعة والطويلة والقاسية؛ وتخطيط ودعم الاضطرابات والفتن المتعددة بل وحتى الدعم التسليحي لها؛ واغتيال الفريق قاسم سليماني البطل القومي لإيران والأمة الإسلامية؛ وسرقة أموال ومقدرات الشعب الإيراني في مختلف البلدان؛ وأخيراً العدوان العسكري المباشر في حربي التحالف الثانية والثالثة، وإقداحهنّ على اغتيال جمع غفير من النخب والعلماء والقادة وحشد عريض من الشعب الإيراني المظلوم من الرضع والأطفال وحتى المسنين، وفي رأس كل هؤلاء القائد العظيم للقدر للثورة الإسلامية قدّس الله نفسه الزكية.

وفي جميع هذه المراحل، كان زعماء أمريكا المستكبرون وأذنابهم يسعون دوماً لفرض هيمنتهم وتسليم إيران، بل إنهم في أحدث نسخ هذا الصلف قد أسقطوا كافة الأعراف والمظاهر الدولية المخادعة والزائفة، وبوقاحة باتوا يسعون لتجزئة البلاد، وركوع الشعب، وانهيار النظام، والقضاء على حضارة إيران العريقة والأصيلة. وطبعاً، لقد اصطدموا في كل مرحلة بالجدار الصلب للواقع الميداني والصخور الراسخة لإرادة الشعب الإيراني الأبيّ، وحصدوا نتائج حساباتهم الخاطئة وأوهامهم الاستكبارية على شكل تكاليف باهظة حملوها على كاهل الشعب الأمريكي والحكومات التابعة للإدارة الأمريكية.

والآن، وصلت قصة العداء الأمريكي الدفين للشعب الإيراني المسلم، والمقاومة الأبية لكل الإيرانيين في مواجهة هذا العدو، إلى حدّ لا يقتصر فيه يوم الثالث عشر من آبان، بل باتت كل الأيام والساعات أيام صمود ومقارعة للشيطان الأكبر.

إن مشهد الخليج الفارسي لاسيما مضيق هرمز، وكما جسّد بطلان أسطورة أن أمريكا لا تُقهر، فإنه يبيّن ضعف وهنا الحكومات التي تعتمد على قوة سوى شعبها، وعجز القدرات الكبرى ووفاءها في الدفاع عن حكوماتها العميلة. إن إدارة إيران لمضيق هرمز وإبادة القواعد العسكرية الأمريكية في دول المنطقة، وإن كانت ردّاً على العدوان والجرائم الأمريكية في حرب التحالف الثالثة، إلّا أنها في الوقت ذاته تُعدّ جهاداً ابتدائياً ضد الاستكبار بأبعاد إقليمية، وستكتسب أبعاداً أوسع بكثير في حال تكرار الاعتداءات.

هذه العلامة من الاقتدار، إلى جانب وحدة ساحات جبهة الحق والملاحم الذكية والمقتدرة لجبهة المقاومة من فلسطين ولبنان إلى العراق واليمن، تُعتبر طليعة مشرقة ومبعثة أمل لإعلاء راية جبهة الحق وتمهيد الأرضية لنظام عالمي جديد؛ إذ متى ما توفرت لجبهة الحق التوكل والاستقامة والتضحية، فإن جبهة الباطل -مهما كانت قدرتها وطاقتها ومن كان وكيفما كان- لن تطيق الوقوف أمامها، وسيكون التراجع والهزيمة المآل القطعي لها، «إن الباطل كان زهوقاً».

ولحمد الله، لقد استوعب الشعب الإيراني الدروس الكبرى بفضل تعاليم الإسلام المحمدي الأصيل (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعارف الثورة الإسلامية ومدرسة قادته الحكماء: خميني الكبير وخامنئي الشهيد (أعلى الله مقامهما الشريف)، وبتحقق الوعود الإلهية يوماً بعد يوم، ازداد إيمانه بعمق أحقية هذا الدرب. واليوم، ونتيجة الفضيحة التي صنعها المستكبرون بأنفسهم، باتت قوة وهيمنة أمريكا الآيلة للزوال -في كلا بعدي القوة العسكرية الصلبة والقوة الناعمة الدولية- تعانيان سقوطاً لا رجعة فيه وتتسارع وتيرة انهيارهما.

وإن كان لا يزال هناك أفراد يعلقون أدنى أمل على تغيير السلوك أو الانتقال الحزبي والفصائلي في نظام الهيمنة، أو يتصورون أنه بتقديم التنازلات لأمريكا يمكن ثنيها عن عدائها للشعب الإيراني، فهم واهمون كل الوهم؛ فهذا التصور الباطل هو جحود بحق الفتوحات العظمى التي حققها الشعب الإيراني المسلم في ظل التوكل والاستقامة والجهاد. إن أمنية الشيطان الأكبر هي الاستسلام غير المشروط للشعب الإيراني، وإن أدنى ميل استسلامي للعدو المهيمن سيهدر الثروة العظيمة التي تحققت ببركة دماء الشهداء وتضحيات كافة أبناء الشعب، وسيجري العدو المستكبر على مزيد من المطامع والحروب والتجنيات اللاحقة.

إن الطريق الوحيد للوصول إلى نقطة الردع المطلق هو استمرار استراتيجية “إيران أكثر قوةً من أي وقت مضى” في مسار التقدم الشامل؛ وإن التلاحم ووحدة الصف والانسجام الاجتماعي هي العنصر الأساسي للنجاح في هذا المسار، والتي يجب أن تحكم كل قول وفعل فردي واجتماعي للشعب والمسؤولين. وفي هذا المجال، وكما أن دعم الشعب للمسؤولين أمر لازم، فإن استمرار واهتمام المسؤولين بخدمة مضاعفة وجهادية ومصداقية مع الشعب وتأمين المعيشة والرفاه والنمو المادي والمعنوي وحفظ العزة والاستقلال هو أمر بالغ الأهمية أيضاً.

وإن القشرة الطليعية لبناء المستقبل المشرق والمجيد لإيراننا العزيزة هم شبابنا، طلابنا، وتلامذتنا، والذين ينبغي لهم باستمرار غزو وتدمير العش المظلم “لليأس والقنوط والاستحالة”، وفتح الدار المضيئة “للأمل ونحن نستطيع”. وإن متطلبات هذه المهمة هي لياقة فائقة والتجهيز بمختلف أسلحة العلم والتقوى والمهارات والأخلاق والإرادة والجهد الخارق، و”التعاهد” للوصول إلى الأهداف السامية.

نأمل، بلطف الله ودعاء إمامنا (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، أن يختبر الشعب الإيراني قريباً جداً النصر والسعادة والتقدم الشامل، وأن يتم توفير أسباب الأفول الأكثر سرعة لهيمنة الشيطان الأكبر؛ «إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً».