رموز احتجاج وثقافات شعبية بديلة
بابا نوئيل المُعذَّب أو استمرارية الوهم الحديث.. من ليفي شتروس إلى العراق المعاصر
كتب الدكتور هشام داود، الباحث العراقي في الإنثروبولوجيا السياسية، بالمعهد الوطني الفرنسي للبحوث العلمية:
عندما نشر كلود ليفي-شتروس عام 1952 مقالته الشهيرة Le Père Noël supplicié (بابا نوئيل المُعذَّب)، لم يكن يكتب عن عيد الميلاد بقدر ما كان يكتب عن أوروبا نفسها. أوروبا التي خرجت لتوّها من الحرب العالمية الثانية، من كارثة الفاشية والنازية، ومن انهيار أخلاقي وسياسي كشف حدود العقلانية الغربية حين تنفصل عن الضوابط الأخلاقية، وحين تتحول الدولة والهوية والطقس إلى أدوات تعبئة شمولية.
في تلك اللحظة، لم يكن النقاش يدور فقط حول الدين أو العلمانية، بل حول مصير المقدّس في المجتمعات الحديثة. هل انتهى؟ هل تراجع؟ أم أنه يعيد إنتاج نفسه في أماكن غير متوقعة؟
ليفـي-شتروس، المتشرب بتقاليد إميل دوركهايم، لم يكن من أنصار أطروحة “اختفاء الدين”. على العكس، كان يرى أن المجتمعات لا تتخلّى عن الطقس ولا عن الرمز ولا عن الأسطورة، حتى حين تعلن أنها أصبحت عقلانية وحداثية. ما يتغيّر ليس الحاجة إلى المقدّس، بل موقعه، وصيغته، والجهة التي تحتكره وتديره.
انطلق ليفي-شتروس من حادثة بدت للوهلة الأولى هامشية: في نهاية عام 1951، قامت جهات كاثوليكية في مدينة ديجون الفرنسية بتعليق دمية تمثل بابا نوئيل أمام الكاتدرائية، ثم إحراقها علنًا، وأمام أعين الأطفال. الاحتجاج كان واضحًا في لغته: بابا نوئيل رمز دخيل، تجاري، يقوم على الكذب، ويشوّه المعنى المسيحي “الصحيح” لعيد الميلاد.
لكن ما رآه ليفي-شتروس لم يكن “رأيًا دينيًا” ولا موقفًا أخلاقيًا محافظًا، بل فعلًا طقوسيًا عنيفًا. الكنيسة، باسم محاربة الوهم، مارست طقسًا بدائيًا بامتياز: الإعدام الرمزي، التطهير الجماعي، وإعادة ترسيم حدود المقدّس بالقوة. وهنا تكمن المفارقة التي جعلت النص صادمًا: المؤسسة التي تزعم العقلانية الدينية لم تجد وسيلة سوى الطقس الأسطوري لمعاقبة رمز أسطوري. ومن اللافت – وربما الدال – أن هذه المقالة، على حدّ علمنا، لم تُترجم إلى العربية حتى اليوم، رغم عمقها وأهميتها. ربما لأن نقدها للحداثة نقد غير مريح، لا يحتفي بالعقلانية ولا يهاجم المؤسسات الدينية ببساطة، بل يكشف تناقض الاثنين معًا.
بابا نوئيل: أسطورة حديثة لا يريد المجتمع الاعتراف بها
ما يقوله ليفي-شتروس، بنبرة حادة وغير تصالحية، هو أن بابا نوئيل ليس مجرد شخصية للأطفال، ولا اختراعًا تجاريًا عابرًا. هو أسطورة حديثة كاملة، لكن المجتمع الحديث يرفض الاعتراف بأنها أسطورة من صنعه. هنا تحديدًا تكمن الأزمة.
الأطفال يؤمنون ببابا نوئيل، لكنهم ليسوا مركز الحكاية. الكبار هم المركز الحقيقي. الكبار هم من ينظمون الإيمان، ينسقون الرواية، يخفون الهدايا، ويؤجلون لحظة الحقيقة. هذا ليس كذبًا بريئًا، وليس تربية شفافة. إنه آلية اجتماعية دقيقة تدرّب الطفل منذ البداية على منطق الوعد، المكافأة، الاستحقاق، والانتظار. أي أن الطفل لا يتعلّم الحرية، بل يتعلّم الدخول التدريجي في عالم النظام والانضباط.
المجتمع الحديث، الذي لم يعد قادرًا على تمرير المقدّس عبر الكنيسة وحدها، اخترع بابا نوئيل كحلّ مؤقت: مقدّس بلا لاهوت، طقس بلا عقيدة، إيمان مؤقت يُدار عبر العائلة السوق. لكن هذه “الحلقة الوسطى” هشّة بطبيعتها. فهي لا تمتلك شرعية دينية، ولا تعترف بأنها أسطورة اجتماعية. وحين خرج الرمز عن سيطرة المؤسسة الدينية، لم تجد الكنيسة وسيلة إلا تعذيبه علنًا، في محاولة لتطهير الفضاء العام من رمز يذكّر المجتمع بحاجته المكبوتة للأسطورة.
إحراق بابا نوئيل، في نظر ليفي-شتروس، ليس دفاعًا عن الدين، بل اعتراف غير مباشر بأن المجتمع الحديث لا يحتمل رؤية أساطيره. هو يصنعها، ثم يعاقبها، لأنه لا يريد الاعتراف بحاجته إليها. ولهذا فالنص ليس مديحًا للأسطورة، بل تشخيصًا قاسيًا لحالة اجتماعية: إنكار المقدّس حين يظهر خارج الأطر المرغوب فيها.
من ديجون إلى بغداد: حين ينفصل الرمز عن الجماعة ويُعاد تدويره
إذا انتقلنا إلى العراق، سنجد أنفسنا أمام وضع مختلف ظاهريًا، لكنه يعمل بالآليات نفسها. العراق يشهد مفارقة صارخة: تراجع مأساوي للوجود المسيحي التاريخي بفعل الحروب والعنف والتهجير وسلب البيوت والأملاك، مقابل حضور واسع لرموز تُنسب إلى المسيحية – بابا نوئيل وسانت فالنتاين – في فضاءات يغلب عليها الطابع الإسلامي، وخصوصًا الشيعي الحضري.
لا يمكن فهم هذه الظاهرة بوصفها تبشيرًا بالمسيحية، ولا تحوّلًا دينيًا، ولا حتى تسامحًا ليبراليًا بالمعنى الكلاسيكي. ما يجري هو استعارة انتقائية لرموز أوروبية هشة دينيًا. رموز كانت أصلًا موضع شك داخل المسيحية نفسها. بابا نوئيل ليس رمزًا لاهوتيًا مركزيًا، وسانت فالنتاين عيد اجتماعي أكثر منه دينيًا. وهذه الهشاشة بالذات هي ما يجعلها قابلة للتداول والاستخدام.
لهذا نراها حاضرة في المولات، المطاعم، والمقاهي العراقية، بما فيها أماكن تمتلكها أو تديرها قوى مرتبطة بفصائل وميليشيات. وهذه مفارقة كاشفة: الرمز هنا فارغ لاهوتيًا، لكنه مفيد تجاريًا واجتماعيًا. السوق لا يرى فيه خطرًا، والقوة المسلحة لا ترى فيه تهديدًا، طالما بقي الاحتفال مسيطرًا عليه. لكن التوتر يبدأ حين يتحول الاحتفال إلى طقس غير مُدار بالكامل. هنا يظهر الخوف الحقيقي: ليس من المسيحية، بل من فقدان السيطرة على إنتاج المقدّس. الكليريكالية – في العراق كما في غيره – لا تخشى الدين الآخر، بل تخشى أن يفلت المقدّس من يدها، أن يُنتَج خارجها، وأن يُستهلك دون المرور بها. لهذا تُواجَه هذه الظواهر أحيانًا بخطاب أخلاقي حاد: انحلال، تغريب، فساد. الخطاب نفسه الذي وُجّه لبابا نوئيل في فرنسا الخمسينيات. المشكلة ليست في الرمز، بل في كونه لا يخضع للتراتبية ولا للترخيص.
تشرين: حين تحرّرت الرموز من الاحتكار
الأهم أن العراق لم يكتفِ باستعارة رموز خارجية، بل شهد لحظة نادرة لإعادة تحرير رموزه الداخلية. تشرين لم تكن مجرد احتجاج سياسي، بل انتفاضة رمزية عميقة.
في تلك اللحظة، تحرّر الإمام الحسين من الاحتكار الحزبي والطائفي، وعاد إلى الفضاء الشبابي بوصفه رمزًا للثورة على الظلم والفساد، لا بوصفه (كما حاول البعض) ابقاءه أيقونة طقسية مغلقة. لم يعد ملكًا لخطاب واحد، بل صار رمزًا مفتوحًا. وفي الوقت نفسه، تحوّل العلم العراقي – في مفارقة لافتة – إلى رمز معارضة. من كان يحمله كان يُنظر إليه بوصفه “ضد السلطة”، لا بوصفه ممثلًا لها. وهذا انقلاب رمزي عميق في بلد اعتادت السلطة فيه احتكار الرموز الوطنية.
ما جرى في تشرين هو ما وصفه ليفي – شتروس، بطريقة أخرى، بـ إعادة توزيع المقدّس: لا إلغاؤه، بل سحبه من يد من يحتكره، وإعادته إلى الفضاء الاجتماعي المفتوح. ولهذا كان ردّ الفعل عنيفًا. فالصراع لم يكن على السياسة فقط، بل على الرموز التي تمنح السياسة معناها وشرعيتها.
الخوف ليس من الطقس، بل من فقدان السيطرة عليه
في النهاية، لا بابا نوئيل في فرنسا، ولا بابا نوئيل في بغداد، هو المشكلة. المشكلة أن المجتمعات – سواء كانت عقلانية أو متديّنة – لا تستطيع العيش بلا طقوس، رموز، ومخيال مشترك، لكنها تخاف حين لا تستطيع التحكم بها.
ليفـي – شتروس لم يكن يحتفل بالأسطورة، بل كان يكشف هشاشة الحداثة أمامها. وفي العراق اليوم، يتكرّر السؤال نفسه: ليس لماذا يحتفل الناس، بل لماذا تخاف السلطة السياسية – المتلبسة برداء المعتقد الديني – من الاحتفال حتى الروحي حين لا يكون من صنعها، ولا تحت إدارتها؟