قراءة الخبير زياد الهاشمي
العراق يسبح عكس الخليج.. الدول المرفهة تقشفت وحكومة الزيدي “تقدم موازنة بذخ”
في الوقت الذي تسارع فيه دول الخليج العربي المرفّهة اقتصادياً إلى تطبيق إجراءات تقشفية صارمة لحماية أموالها من أزمة هرمز وسوق الطاقة، اختارت بغداد السير في الاتجاه المعاكس تماماً، إذ فاجأت حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي الأوساط السياسية والاقتصادية بتقديم مسودة موازنة عام 2027 برقم إنفاق تاريخي وتوسعي غير مسبوق تجاوز عتبة الـ 217 تريليون دينار، لتفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات حادة حول جدوى تقديم موازنة وصفت بـ “موازنة رفاهية” وفق الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي، أو “موازنة بذخ” وفق ما أطلقه خبراء في الشأن الاقتصادي، إذ تعتمد على فرضيات تسويقية حالمة، وتتجاهل ثالوث الهدم المالي (الهدر، الترهل، والفساد)، لتدفع بالمواطن وحده إلى حلبة الصراع المالي وتحميله عبء أزمة لم يكن سبباً فيها، بحسب تعبير الهاشمي الذي يقول في منشور على فيسبوك، تابعته شبكة 964، أنه “موازنة رفاهية” تلك التي قدمتها الحكومة العراقية لمجلس النواب، والتي لم تراعِ فيها الظروف الحالية الصعبة، بل قدمت أرقاماً وكأن العراق يمر بوفرة مالية ويمتلك عائدات مالية كبيرة “.
وأضاف الهاشمي، أن “معظم دول الخليج (المرفهة) طبقت إجراءات تقشفية بعد أزمة تعثر صادرات الطاقة عبر المضيق، وبدأت بتقليص الإنفاق بشكل واضح، مع أن هذه الدول تمتلك مصدات مالية ضخمة، أهمها صناديق سيادية بتريليونات الدولارات”.
وتابع: “قطر خفضت مخصصات الجهات الحكومية بنسبة 30% وقلصت المساعدات الخارجية بنحو 85%، والسعودية تتوقع إنفاق 1.392 تريليون ريال في عام 2027، مقارنة بنحو 1.435 تريليون ريال لعام 2026، وبدأت بتقليص بعض المشاريع والفعاليات وتأجيل أخرى”.
ولفت إلى أن “البحرين استمرت في تطبيق سياسة واضحة لضبط الإنفاق وتقليل الهدر، أما الإمارات وسلطنة عمان، فقد ركزتا على تحسين كفاءة الإنفاق وضبطه، وبدأت الكويت بإلزام الوزارات والجهات الحكومية بسقوف محددة للإنفاق، وبدأت بترشيد المصروفات التشغيلية والحد من النفقات غير الضرورية”، مبيناً أنه “في المقابل، عرض العراق موازنته التي توسعت في الإنفاق برقم تاريخي وصل إلى 217 تريليون دينار، دون تخفيض حقيقي لأبواب الإنفاق الزائدة، أو ضبط للهدر، أو محاصرة للفساد، مع افتراض أن العراق سيصدر 4 ملايين برميل، وهذا رقم حالم بحد ذاته لن يتحقق إلا بعد فترة طويلة”.
ويؤكد الهاشمي أن ورغم أن الظروف المالية تساعدها للتحرك الآن، إلا أن الحكومة العراقية لم تقترب بموازنتها هذه من ثالوث الهدم المالي (الهدر، الترهل، والفساد)، ولم تعمل على تحجيمه، بل واستمرت في تضخيم الإنفاق وكأن البلد يمر بوضع أكثر من طبيعي “، بل بدلاً من ذلك، تحولت الحكومة لتعظيم ما يصلها من دينار عن طريق الحلقة الأضعف والأسهل، وهي راتب المواطن والموظف، ودفعت بالجمهور العراقي إلى حلبة الصراع المالي وتحميله ألماً مالياً لا يستحقه”.
وبيّن أنه “كان الأولى بالحكومة الحالية أن تقدم «موازنة أزمة» تراعي الظرف المالي الصعب والاستثنائي الذي يمر به العراق وشعبه، تعمل من خلالها على ضبط إنفاقها ووقف الهدر والترهل والفساد، مما سيوفر عليها عشرات التريليونات من الدنانير، ولا يجبرها على استهداف جيب المواطن، لكن هذا لم يحدث”.
وختم بأن “موازنة 2027 يمكن اعتبارها اختباراً حقيقياً لهذه الحكومة، ولجديتها وقدرتها على إخراج العراق من عنق الزجاجة وتداعيات الأزمة المالية الحالية بأقل الخسائر وبأقل كلفة، لكنها فشلت لحد الآن، وأثبتت أنها تسير على خطى الحكومات السابقة وترتكب الأخطاء نفسها، وأنها ستسجل إخفاقاً وفشلاً جديداً يضاف إلى سجل أداء الحكومات العراقية المتعاقبة”.