محاولة حكومية وتحليل الخبراء
المصريون في العراق هزموا البنغال.. المهارة “تطرد العراقي” من أطلس العمل!
تكشف الأرقام ومسارات الاستقدام خلال آخر 15 عاماً، عن إعادة رسم صامتة لخريطة العمالة الاجنبية في العراق، فبعد سنوات تصدرت خلالها الجالية البنغالية المشهد، صعدت موجة باكستانية مع نهاية الحرب على داعش وتصاعد النشاط الاقتصادي، قبل أن يتسع الحضور المصري على وقع طفرة البناء والمجمعات السكنية والمشاريع الانشائية الكبرى مع حضور متواصل لمستثمرين مصريين في هذا القطاع، وفي سوق تحكمه شبكات التشغيل و”المهارات والخبرة” أكثر من بيانات البطالة، لم تستبدل هذه الجنسيات بعضها بالضرورة، بل صنعت كل منها جيوباً ومسارات استقدام خاصة، بينما يكشف “تمرد” العامل العراقي رغم وجود فئة ماهرة واسعة، على الأجور وشروط العمل القاسية، وجهاً آخر للمفارقة، في ظل وجود مليون عراقي مسجل لدى الحكومة كباحث عن عمل، مقابل أجانب يقطعون آلاف الكيلومترات لشغل وظائف في العراق، وهي مفارقة دفعت الحكومة إلى بناء قاعدة موحدة تزيد التنسيق بين مؤسسات العمل والاقامة والمنافذ، في محاولة لرسم “أطلس جديد” لسوق الوظائف.
الوزارة تعترف: إنهم 45 ألفاً لكن الرقم أكبر!
وتقول وزارة العمل إن المسجلين لديها من العمال الأجانب يتجاوزون 45 الفا، لكنها تقر بعدم امتلاك رقم نهائي بسبب وجود عمال دخلوا بسمات مختلفة أو لا يظهرون في قاعدة بياناتها.
ولا تعني هذه الخريطة أن البنغال والباكستانيين والمصريين يمثلون أكبر ثلاث جنسيات عاملة في العراق، إذ تضم المشاريع النفطية والاستثمارية أعداداً كبيرة من العمال الصينيين والهنود وجنسيات أخرى، لكن تتبع شبكة 964 لهذه الموجات الثلاث يكشف نمطا مختلفا، وهو توسع جنسيات محددة مقابل انكماش أخرى مع تغير الطلب، وشبكات تشغيل أخذت تتمركز داخل مهن وقطاعات محددة.
خريطة جنسيات ومهن.. من يحتكر ماذا؟
وكشف مصدر حكومي مطلع لشبكة 964 ان “المشروع الذي تعمل عليه الجهات الحكومية يتجاوز فكرة احصاء العمالة الاجنبية أو الربط التقليدي بين المؤسسات، ويتجه إلى بناء ملف رقمي موحد للعامل الأجنبي منذ لحظة دخوله العراق وحتى مغادرته، يجمع بيانات سمة الدخول والإقامة وإجازة العمل والمهنة وجهة التشغيل وموقع العمل”.
وأوضح المصدر أن “المرحلة الأهم ستكون تحويل البيانات إلى خريطة لسوق العمل الأجنبي، تظهر توزيع العمال بحسب الجنسيات والمهن والمحافظات والشركات، وتكشف القطاعات التي تعتمد بدرجات مرتفعة على جنسيات أو فئات عمالية محددة”.
وبحسب المصدر، يدرس المسار الجديد أيضاً تقييم جهات التشغيل عبر سجل يظهر حجم العمالة الأجنبية لدى كل شركة والتزامها بنسب تشغيل العراقيين وإجازات العمل، “بما يسمح بتشديد التدقيق على الجهات التي تتكرر لديها المخالفات قبل منحها موافقات استقدام جديدة”.
البنغال.. الموجة الأولى
بدأ الحضور البنغالي الكبير بالتشكل خلال السنوات التي اعقبت 2003، وتحول العراق إلى وجهة مهمة للعمال القادمين من بنغلاديش، اذ تظهر بيانات مكتب القوى العاملة والتوظيف والتدريب البنغلاديشي أن أكثر من 76 ألف بنغالي توجهوا للعمل في العراق بين 2004 وشباط 2025.
وفي 2013، كانت السلطات البنغالية تقدر وجود نحو 63 ألفا من مواطنيها يعملون في العراق، لكن هذه الموجة انكمشت لاحقا، وتظهر البيانات أن تدفق العمال تراجع بصورة حادة بعد 2019 حيث أغلقت التأشيرات إلى حد كبير.
الباكستانيون وصلوا بعد داعش
ومع انتهاء الحرب على داعش وعودة المشاريع، بدأت حركة العمالة الباكستانية نحو العراق تأخذ منحى تصاعدياً، وتظهر بيانات مكتب الهجرة والتوظيف الخارجي الباكستاني ارتفاع عدد المسجلين للعمل في العراق من 2733 شخص خلال الأعوام 2011–2015 إلى 5381 شخصاً في أعوام 2016–2020، قبل أن يقفز إلى 16,411 شخص بعد 2021 وحتى الآن، ما يكشف تسارعاً واضحاً في تدفق العمالة الباكستانية نحو العراق خلال السنوات الأخيرة.
وميدانيا، يظهر الباكستانيون في المطاعم والمطابخ والمخابز وأعمال التنظيف والخدمات وبعض المهن اليدوية، وصولا إلى مزارع تربية الحيوانات والأعمال المساعدة فيها.
مهارات العراقيين ومهارات الأجانب
ويرى الخبير الاقتصادي علي دعدوش، في حديث لشبكة 964، أن “تمركز جنسيات بعينها في مهن محددة يمكن تفسيره اقتصاديا بعمل شبكات الهجرة والتوظيف والمقاولين، فصاحب العمل لا يقارن دائما بين عراقي وأجنبي كعاملين منفردين، بل قد يكون العامل الأجنبي جزءاً من شبكة جاهزة لديها خبرة سابقة وتستطيع توفير مجموعة من العمال بسرعة”.
ويضيف أن “الاحلال لا يمكن أن يتحقق بقرار إداري فقط، لأن العملية ستصطدم بالكلفة والإنتاجية والتفاوت في الأجر المقبول”، واصفاً المشكلة بأنها ليست مجرد “أجانب ياخذون وظائف العراقيين، بل اقتصاد لم ينجح في تحويل العاطلين إلى قوة عمل تتطابق مهاراتها مع الطلب الحقيقي للقطاع الخاص”.
المصريون.. موجة مستثمري البناء
ومع اتساع مشاريع الإسكان والاستثمار والبنية التحتية، بعد العام 2019 أصبح الحضور المصري أكثر وضوحا في قطاع البناء والانشاءات، مع دخول شركات ومقاولين مصريين إلى السوق العراقية.
وفي 2022 قالت وزيرة الهجرة المصرية إن المسجل لدى بلادها نحو 25 ألف مصري في العراق، قبل أن ترتفع التقديرات العراقية في 2024 إلى حدود 40 ألف مصري، وهو أعلى مستوى منذ 2003، يعملون في قطاعات بينها الإنشاءات والهندسة والطب وتربية الدواجن والرعاية الصحية، فيما تعزز حركة الأموال مؤشر اتساع النشاط المصري، بعدما قفزت تحويلات المصريين العاملين في العراق من 100 مليون دولار عام 2022 إلى أكثر من 200 مليون دولار عام 2024.
سوق العمل لا يعترف بالشهادة بل المهارة والأجور
ويقول الخبير الاقتصادي ضرغام محمد لشبكة 964 إن “أرباب العمل ينظرون إلى الكلفة والانتاجية وطبيعة المهنة، إذ توجد أعمال يقبل عليها الأجانب أكثر من العراقيين، فضلاً عن اختلاف ساعات العمل والمرونة وشروط التشغيل، وهي عوامل تمنح العامل الوافد ميزة لدى بعض أصحاب الأعمال”.
وهنا تظهر العقدة الأكبر، فوجود مليون عراقي مسجل كباحث عن عمل لا يعني، وجود مليون عامل يستطيعون الانتقال مباشرة إلى الوظائف التي يشغلها الأجانب، لان سوق العمل “لا يشتري الشهادة فقط، بل يشتري المهارة والإنتاجية والالتزام وساعات العمل والمرونة”.
وبالتوازي، انخفضت إجازات العمل الممنوحة للأجانب من 19 ألف إجازة عام 2023 إلى 8 آلاف إجازة خلال 2026.