حفل عراقي فرنسي في النمرود
هرب أهل تكريت من هولاكو فنقشوا كنائس الموصل بخط عباسي.. جدارية سارة وبهنام عادت
النمرود (سهل نينوى) 964
في القرن الثالث عشر الميلادي اجتاح المغول بغداد في حملة هولاكو، فنزح نحاتو تكريت إلى سهل نينوى، ومن نتائج ذلك ولدت جداريتان تعدان من أضخم وأقدم الشواهد الفنية في الشرق الأوسط، وفيها امتزجت خطوط الفن السرياني (المتأصل مع بابل القديمة) وزخارف الأرابيسك العباسية، وهما عمل فني يروي قصة مار بهنام وأخته سارة وهما من أبرز القديسين عند مسيحيي المشرق.
لكن هذا الإرث لم يسلم من تخريب تنظيم “داعش”، الذي اجتاح المنطقة بين عامي 2014 و2015، ودمرت الجداريتان بنسبة 80%. واليوم، وبعد سنوات من الخراب، تعود الألوان والنقوش لتظهر من جديد في دير مار بهنام بمنطقة الحضر في نينوى، بعد الانتهاء من ترميمهما بجهود عراقية وفرنسية.
احتفال العودة والتبريك
وهكذا شهد دير مار بهنام في ناحية النمرود التابعة لقضاء الحمدانية، الأحد (31 أيار 2026)، احتفالية افتتاح وتبريك جداريتي مار بهنام وأخته ساره بعد ترميمهما، وأُنجزت الأعمال النحتية بأيادي الفنان العراقي ثابت بتق وابنه نينوس ثابت والفنان الشاب فادي مازن عاشة، وحضر الاحتفالية رئيس أساقفة الموصل وتوابعها للسريان الكاثوليك مار بندكتوس يونان حنو، والقنصل الفرنسي في الموصل فابريس ديبلاشن، إلى جانب ممثلي مؤسسة “ميزوبوتاميا” الفرنسية، ودائرة آثار نينوى، وجمع غفير من رجال الدين والزوار.
ماذا نعرف عن الجداريتين؟
تعد الجداريتان من اللوحات المنحوتة النادرة المتبقية في العراق من العصر الأتابكي (حلفاء صلاح الدين)، ويقول الأب مازن متوكا، رئيس دير مار بهنام، لشبكة 964، إن “جدارية مار بهنام هي الأفخم والأضخم، إذ يبلغ طولها 3 أمتار و70 سنتيمتراً، وعرضها مترين و10 سنتيمترات، بينما يبلغ طول جدارية سارة مترين وعرضها متراً وعشرة سنتيمترات”.
ويضيف الأب متوكا أن “الجداريتين تتميزان باستخدام ألوان زاهية (الأزرق، الأحمر، والأخضر)، وهو ما يُعد تطوراً لافتاً للفنان السرياني في ذلك الوقت”، كما يبين أن “الجداريتين تحملان لغة بصرية صامتة تتحدث عن استشهاد مار بهنام وانتصار القيامة على الموت، بينما تظهر ساره مرتدية الزي الآشوري القديم المزين برموز رائعة”.
كما يلفت الأب متوكا، إلى أن “النقوش على الجداريتين تضم مزيجاً فريداً من اللغة السريانية والخط العربي، ما يعكس التأثر العميق بالفنون الإسلامية، ولا سيما فن الأرابيسك الذي كان منتشراً في سامراء وبغداد”.
من جانبه يقول النحات ثابت، إن “إنجاز الجداريتين يعود إلى فترة هجرة أبناء تكريت إلى مناطق سهل نينوى، وأن الفنانين الذين نفذوهما كانوا متأثرين بالفنون والزخارف العربية والإسلامية المنتشرة آنذاك في سامراء وبغداد، ولا سيما فن الأرابيسك الذي انعكس بوضوح على تفاصيل النقوش والزخارف”.
تحدي الترميم بعد دمار “داعش”
الفنان والنحات ثابت ميخائيل، أوضح في حديث لشبكة 964 أن الجداريتين “تعرضتا لأضرار كبيرة على يد عصابات داعش، إذ ارتفعت نسبة الدمار من نحو 30% قبل الأحداث إلى ما يقارب 80% بعد عمليات التخريب المتعمدة”.
بدوره، بين الأب متوكا أن التفكير بالترميم بدأ فور تحرير الدير عام 2017، لافتاً إلى أن “العمل انطلق كخلية نحل بمشاركة ثلاثة نحاتين: الأستاذ نينوس، والأستاذ ثابت، والفنان الشاب فادي مازن عاشة، إلى جانب خبراء فرنسيين قدموا أفكاراً في مزج الألوان وتكوين العجينة الخاصة”.
وأكد فريق الترميم اعتماده الكامل على الأرشيف التاريخي والصور القديمة المتوفرة داخل العراق وخارجه لضمان الدقة العلمية، مع استخدام المواد الأصلية نفسها كـ “النورة” والجبس المحليين، بعد إجراء تحاليل دقيقة لعينات من الجدارية،
شراكة عراقية – فرنسية
من جانبه، أشار إبراهيم شابا للو، مدير موقع العمل، خلال حديث لشبكة 964، إلى أن أعمال الترميم استغرقت 45 يوماً من العمل الدؤوب، بدعم مباشر من مؤسسة “ميزوبوتاميا” الفرنسية المتخصصة بالآثار والتراث.
وأكد إبراهيم أن “أهميتهما لا تقتصر على دير مار بهنام فحسب، بل تمتد لتشمل التراث العراقي بشكل عام، إذ يعد الدير واحداً من أبرز المواقع التاريخية التي تستقبل آلاف الزائرين والحجاج سنوياً، وإعادة هذه الشواهد هي خطوة محورية في حفظ إرثنا الحضاري”.