الفنادق ضد الحرفيين أكثر من الصين
سياحة النجف تطرد العباءة الأشهر ونقوش الفضة.. الأسطة خسر بركة “المشراق”
المدينة القديمة (النجف) 964
ليست منتجات الصين ولا التسارع في الإنتاج الاستهلاكي من يهدد لوحده المهن التراثية في مدينة النجف القديمة حالياً، بل دخل عامل آخر، هو انتشار الفنادق السياحية والمطاعم الكبرى، في الأحياء التاريخية مثل محلة المشراق، القريبة من الحضرة العلوية، حيث اضطر حرفيون ينقشون على الحديد والفضة والحجر، ونساجو العباءة النجفية الشهيرة وهي الأغلى والأكثر جمالاً وإتقاناً في الشرق الأوسط، إلى الخروج من السوق التقليدي ونقل ورشهم إلى دروب بعيدة عن طرق الزبائن المعتادة، وأحياناً إلى أحياء سكنية بعيدة عن الأماكن التي اعتاد أن يقصدها السواح المحليون والأجانب، لكنهم رغم ذلك يقولون إن الزبائن الحريصين على هذه المنتجات يبذلون جهداً في العثور عليهم، حتى لو أبعدتهم التوسعة عن “المشهد العلوي” الذي آمنوا ببركاته طوال قرون، ومثل هؤلاء صانعو شباك الصيد ومصلحو الأجهزة القديمة والأنتيك.
وأدى التوسع التجاري والعمراني التي غيّرت ملامح المنطقة في السنوات الأخيرة، حيث أدى انتشار المطاعم والمقاهي والأسواق الحديثة إلى قفزات كبيرة في أسعار إيجارات الشوارع الرئيسية، مما دفع بالحرفيين إلى الانكفاء داخل المحاور السكنية المكتظة.
وفي أزقة محلة المشراق، يربط الحرفي حيدر نجاح، المتخصص في النقش على النحاس وتجديد التحف، تاريخ مهنته بالحقبة السومرية، موضحاً لشبكة 964 أنه “تعلم أسرار الصنعة من والده”، لافتاً إلى أن “الارتفاع الجنوني للإيجارات والتمدد العمراني عوامل تجبر الحرفيين على الانكفاء داخل الأزقة والابتعاد عن الخطوط التجارية الأولى”.
أما في “السوق الكبير”، وتحديداً داخل “سوق العبي”، يواصل حسام العنتاكي صياغة الهوية النجفية عبر حياكة العباءات اليدوية، مشيراً في حديث لشبكة 964 إلى أن “إنجاز العباءة الفاخرة الواحدة يستغرق شهراً كاملاً من العمل الدؤوب”، مبيناً أن “الأسعار تبدأ من 100 ألف دينار وتتصاعد بحسب جودة الخيوط والمواد”.
وتكشف اللوحة التحريرية للمدينة القديمة عن أثر مزدوج، فبينما يمثل ارتفاع الإيجارات تهديداً حقيقياً، فإنه تحول إلى دافع غير مباشر لتحصن هذه المهن داخل الأحياء السكنية للاستفادة من الروابط الاجتماعية الطردية مع السكان الذين يقصدونهم رغم وعورة الوصول، ولمواجهة شبح الاندثار، بدأ جيل الحرفيين الرواد بالاعتماد على أبنائهم من خريجي الجامعات والموظفين في مسعى لإبقاء هذه الحرف حية وسط سوق عالمي لا يرحم الصناعات التقليدية.
ووفقاً لجولة ميدانية أجرتها شبكة 964 في منطقة المشراق والأحياء القريبة من شارع زين العابدين، فإن ورشاً صغيرة ما زالت تنشط داخل هذه الأزقة الضيقة، وتتنوع حرفها بين تصليح الأجهزة، صناعة السلال اليدوية وشباك الصيد، النقش على النحاس، وخياطة العباءة النجفية، وتعتمد هذه الورش بشكل رئيسي على العمل اليدوي، فيما تفرض جغرافيا المكان المعقدة وضيق الطرقات وعجز المركبات الكبيرة عن الدخول، الاستعانة بـ”عربات صغيرة” لنقل البضائع والمواد الأولية، وهو ما يحفظ للمدينة طابعها التراثي القديم.
وفي سوق المشراق أيضاً، يتحدث هادي عبيد، وهو صاحب محل تصليح، لشبكة 964 عن المتغيرات الاقتصادية، مبيناً أن “مهنة التصليح تراجعت مقارنة بالسابق جراء انخفاض جودة الأجهزة الحديثة وارتفاع كلفة صيانتها”، مما يضطر المستهلك لشراء بديل جديد، مستدركاً بالقول إنه “مستمر في عمله مستنداً إلى شبكة زبائن دائمين من أهالي المحلة”.
وعلى مقربة منه، يستعرض أحمد جاحم، المتخصص في بيع شباك الصيد وصناعة “السلية”، ملامح الركود قائلاً لشبكة 964 إن “الإنتاج اليدوي تراجع تحت وطأة البضائع المستوردة والجاهزة”، مؤكداً في الوقت ذاته أن “النجف ما زالت تمثل مركزاً رئيسياً لصناعة السلال وتصديرها إلى بقية المحافظات”.