بعد اعتقال السعدي
تحذيرات “حمراء” لقيادات الفصائل من اصطياد منفرد على طريقة مادورو – المدى
كشفت صحيفة المدى البغدادية، من مصادرها، اليوم الاثنين (18 أيار 2026)، عن تلقي قيادات في الفصائل تحذيرات أمنية عالية الخطورة “حمراء” تحمل مؤشرات على دخول واشنطن مرحلة “الاصطياد المنفرد” ضد شخصيات مرتبطة بالفصائل، على غرار سيناريو اعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو، بدلاً من المواجهة المفتوحة أو الضربات التقليدية، وذلك بعد عملية القبض على العراقي “محمد السعدي” في تركيا بتهم الانتماء إلى “كتائب حزب الله”.
وبينت المصادر أن هذه التحذيرات دفعت عدداً من قيادات الفصائل إلى اتخاذ إجراءات احترازية مشددة، شملت تقليل استخدام الهواتف الذكية إلى حد تشديد الرقابة على الاتصالات العائلية، إلى جانب تقليص التعاملات المصرفية خشية الاختراق أو التعقب.
وتواجه السلطات القضائية في الولايات المتحدة مواطناً عراقياً (محمد باقر السعدي) بتهم تتعلق بالانتماء إلى “كتائب حزب الله” وارتباطات مزعومة بالحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى كونه مقرباً من القائد السابق قاسم سليماني، وذلك على خلفية اتهامات تتعلق بالتخطيط وتنفيذ هجمات إرهابية في عدد من الدول، إذ نشر موقع “Abc news” الأميركي محضراً جنائياً بتفاصيل العمليات.
نص تقرير صحيفة المدى، تابعته شبكة 964:
تلقت قيادات في الفصائل تحذيرات أمنية “حمراء” – وهي درجة الخطر الأعلى – حملت مؤشرات على دخول واشنطن مرحلة “الاصطياد المنفرد”، مستلهمة نموذج ملاحقة واعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو مطلع 2026.
وجاء الاستنفار غير المعلن عقب إعلان مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي اعتقال محمد باقر داوود السعدي، المتهم بتدبير نحو 20 هجوماً في أوروبا، إضافة إلى توجيه تهديدات علنية للرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وتشير كواليس القضية إلى عملية استدراج استخبارية معقدة جرت عبر الأراضي التركية، قبل نقل السعدي إلى الولايات المتحدة، في خطوة أثارت قلقاً واسعاً داخل أوساط ما يُعرف بـ”محور المقاومة”.
وقوبلت الحادثة بصمت رسمي لافت من الحكومة العراقية الجديدة، التي لم تصدر أي تعليق حتى الآن، فيما فضلت الفصائل المسلحة خفض مستوى الظهور والتواصل، عبر تقنين الاتصالات، والابتعاد عن الهواتف الذكية، وتقليص التعاملات المصرفية، خشية الوقوع تحت المراقبة أو التعقب.
وبعد هدنة قصيرة التقطت خلالها قيادات ما يُعرف بـ”محور المقاومة” أنفاسها عقب حرب الأربعين يوماً، عادت التحذيرات الأمنية إلى الواجهة، لكن هذه المرة بصيغة مختلفة وأكثر تعقيداً، بحسب ما كشفته مصادر خاصة لـ”المدى”.
وكان سياسي شيعي قد توقع، في حديث سابق لـ”المدى” خلال نيسان الماضي، تزامناً مع تصاعد الحديث عن وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، أن تنتقل الولايات المتحدة إلى ما سماه “حملات الاصطياد المنفردة” ضد شخصيات مرتبطة بالفصائل المسلحة، بدلاً من المواجهات المفتوحة أو الضربات التقليدية.
ومنذ ذلك الوقت، بدأت جماعات مسلحة في العراق باتخاذ إجراءات احترازية غير مسبوقة، شملت تقليل استخدام الهواتف الذكية، وتجنب التعامل المباشر مع المصارف والمؤسسات المالية، وحتى تشديد الرقابة على الاتصالات العائلية والشخصية، خشية الاختراق أو التتبع.
وتعتقد أوساط مقربة من الفصائل أن محمد باقر السعدي، الذي يُعتقد بارتباطه بـ”كتائب حزب الله”، تعرض إلى عملية استدراج عبر قنوات اتصال ومتابعة إلكترونية، قبل أن يُستدرج إلى تركيا، حيث جرى توقيفه ونقله لاحقاً إلى الولايات المتحدة.
وأثار ظهور السعدي معتقلاً في أميركا حالة إنذار قصوى داخل تلك الجماعات، خصوصاً مع تزايد المؤشرات الأميركية إلى احتمال عودة المواجهة مع إيران، لكن عبر استراتيجية مختلفة تقوم على “قطع الأذرع الإقليمية” لطهران بشكل أكثر قسوة، قبل أي عودة محتملة إلى التهدئة أو استئناف المفاوضات.
“نشوة الولادة”.. ومذبح التدويل
وفي قراءة لأبعاد هذا التطور، اعتبر السياسي المستقل والنائب السابق مثال الآلوسي، في تصريحات خاصة لـ (المدى)، أن اعتقال مواطن عراقي يحمل الجنسية العراقية، فضلاً عن حيازته جواز سفر “خدمة” – المخصص عادة لتسهيل حركة الوجوه البارزة في الدولة – بتهم تتعلق بالإرهاب الدولي، يمثّل تحذيراً أمنياً وسياسياً كان الأجدر أن تُعلن على إثره حالة الاستنفار والإنذار القصوى في سائر مؤسسات بغداد، من رئاسة الحكومة إلى الوزارات والأجهزة الدبلوماسية والأمنية.
ويقول الآلوسي إنه في حال ثبوت هذه الاتهامات الثقيلة، فإن الدولة العراقية ستجد نفسها في مواجهة “مسلسل” طويل من الإدانات التي لن توفر رأس النظام السياسي أو أجهزته الأمنية، عبر دمغها رسمياً بمحاباة طهران.
وأمام هذا المشهد المأزوم، يرى الآلوسي أن الحكومة العراقية التي ما زالت تعيش أجواء “النشوة” بعبور مخاض التشكيل الوزاري، مطالبة اليوم بالخروج من الصمت. ويتوجب عليها – بحكم علاقات الشراكة مع واشنطن – أن تطالب فوراً بإشراك وفد رفيع يضم ممثلين عن الادعاء العام، والخارجية، والأجهزة الاستخبارية (الأمن الوطني والمخابرات)، على أقل تقدير لحضور جلسات التحقيق مع المواطن المعتقل.
هذا التحرك الرسمي، بحسب الآلوسي، يمنح بغداد فرصة استباقية لمعرفة ما إذا كانت شبكة الاتهامات تمتلك ركائز وخيوطاً ممتدة داخل الجسد العراقي، لتبيان هوية أي متورطين محتملين آخرين في كواليس الحكومة أو في أروقة المؤسسات الرسمية.
وعلى الجانب الآخر من الرواية، كشف مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (FBI) عن تهم تتعلق بشبكة السعدي في هندسة وتنسيق 18 هجوماً منذ أوائل آذار الماضي تحت لافتة جماعة “أصحاب اليمين” الإسلامية الموآلية لطهران، والتي تبنت عمليات استهدفت مدارس ومعابد يهودية وجمعيات خيرية في القارة الأوروبية.
وتستند سلطات الادعاء في نيويورك إلى ملفات رقمية تفيد بأن المتهم نشر عبر حساب على تطبيق “تيليغرام” شعار الجماعة مصحوباً بالدعوة إلى “الجهاد”، بالتزامن مع إطلاقه تهديدات علنية طالت الرئيس دونالد ترامب وأفراد عائلته. ويواجه السعدي تهم ارتكاب 6 جرائم إرهابية ثقيلة أمام المحكمة الاتحادية في نيويورك، يقع في صلبها التآمر لتقديم الدعم المادي للفصائل المصنفة أميركياً على لوائح الإرهاب.
استدراج في تركيا: إدانة لمنظومة هشة
البعد الآخر الذي يضعه السياسي مثال الآلوسي في دائرة الضوء، يتعلق بدلالات استدراج السعدي واعتقاله فوق الأراضي التركية، ويتساءل: طالما أن هناك “شراكة استراتيجية” معلنة بين بغداد وواشنطن، فلماذا لم تستعن الدولة الأميركية بتلك الاتفاقيات والأجهزة العراقية لتنفيذ الاعتقال أو الاستجواب على أرض العراق؟
إن إتمام العملية داخل تركيا – بحسب الآلوسي – ليس مجرد تفصيل أمني، بل هو “اتهام كبير وإدانة صريحة للأنظمة الأمنية العراقية الهشة”، اتهام بالتواطؤ والتستر على الفصائل، أو في حده الأدنى، بالعجز الفاضح عن مواجهتها ولجم نفوذها.
كما يتساءل الآلوسي: كيف تمكنت الإدارة الأميركية ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) من حيازة هذا الكم الهائل من المعلومات الاستخبارية الدقيقة، ما لم تكن هناك شبكات أميركية وغربية واسعة الأطراف، تغلغلت في المفاصل العراقية؟
الآلوسي يعيد التأكيد، بنبرة تحذيرية حاسمة، على حتمية الوجود الرسمي للدولة العراقية في غرف التحقيق الأميركية. فالقلق الحقيقي يبدأ مما ستؤول إليه الأوضاع لو خرجت من فم المعتقل اعترافات تطال وزراء، أو مسؤولين، أو كتلاً سياسية نافذة، خصوصاً أن الصور المتداولة للرجل المعتقل – إن صدقت – تكشف عن خيوط وعلاقات وثيقة تربطه بقيادات وازنة داخل العراق وخارجه.
ويرى الآلوسي أن الوقت قد حان لكشف المستور “رغم أنف جميع السياسيين”، إذ يجب معرفة من يقف وراء تصفية “أحرار تشرين”، وخير ما يفعله رئيس الحكومة الجديدة للنأي بنفسه وبكابينته عن شبهة التواطؤ، هو الإيعاز الفوري للادعاء العام بفتح هذه الملفات وتفعيلها.
والبديل عن هذا التحرك، كما يرى الآلوسي، سيكون كارثياً، إذ ستتحول الدولة بكل مؤسساتها إلى متهم برعاية الإرهاب الدولي. ويقول إن اعترافات السعدي المحتملة قد تفجر زلزالاً عنيفاً يطيح بالمنظومة الأمنية برمتها، وهي منظومة باتت بحاجة ماسة إلى مراجعة شاملة لإعادة رسم “عقيدتها العسكرية”.