The sun sets behind burning gas flares at the Dora (Daura) Oil Refinery Complex in Baghdad on November 24, 2025. (Photo by AHMAD AL-RUBAYE / AFP)
تقرير المونيتور الأميركي
هرمز يشعل معارك بغداد وأربيل.. آخر منفذ نفط مقابل “فك حصار الكمرك الكردي”
بغداد وواشنطن تتوجهان نحو كوردستان العراق لتأمين صادرات النفط مع تضرر الإمدادات بسبب الحرب مع إيران.
أغلقت إيران بوجه العراق وبلدان الخليج، خطوط تصدير النفط التقليدية عبر بحر العرب، وتشتد حاجة بغداد لتصدير كميات إضافية عبر آخر منفذ متاح عبر أربيل نحو تركيا، لكن حكومة إقليم كردستان كما ينقل موقع المونيتور الأميركي المتابع لشؤون السياسة والطاقة في العراق بشكل خاص، حيث تطلب أربيل بالمقابل “تساهل بغداد” مع نظام الكمرك الجديد “أسيكودا” الذي أثار اضطراباً واسعاً في التجارة العراقية جنوب البلاد ووسطها، وهو ما يخلط أوراق التفاوض وسط فوضى تنافسات تشكيل رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، رغم أن هواتف أميركا لا تتوقف عن الرنين في العراق بشأن الوصول إلى تفاهم سريع حول ضخ كميات كبيرة من النفط في أنبوب كردستان الذي يمكنه استيعاب 700 ألف برميل على الأقل يومياً، رغم ظروف الحرب في سماء الشرق الأوسط وفوهة المحيط الهندي.
تقرير موقع المونيتور الأميركي، تابعته شبكة 964:
تتطلع بغداد لاستخدام أنبوب إقليم كوردستان لنقل نحو 200 ألف برميل إضافية يومياً إلى الأسواق العالمية، إلا أن أربيل ترهن هذه الخطوة بإنهاء القيود المفروضة على تدفقات الدولار (نظام الكمارك الجديد)، واستعادة هامش أوسع من الاستقلالية في إدارة ملفها التجاري.
اقترح رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني حكومة إقليم كوردستان للمساعدة تصدير ما يصل إلى 200 ألف برميل (إضافية) يومياً من النفط الخام عبر الأنبوب المتجه لتركيا، وذلك بعد توقف العراق عن كافة مبيعاته الخارجية في الأول من آذار/مارس نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وفقاً لما ورد إلى (المونيتور).
وتعتبر إدارة ترامب أن ضمان وصول الخام العراقي إلى الأسواق العالمية أمر بالغ الأهمية، في وقتٍ قلصت فيه دول الخليج إنتاجها إثر استهدافها بصواريخ طهران، ومع بقاء مضيق هرمز مغلقاً فعلياً. وأدى هذا الشح في الإمدادات إلى قفز أسعار النفط فوق حاجز الـ 100 دولار للبرميل يوم الأحد، قبل أن تتراجع إلى نحو 90 دولاراً عصر الاثنين، وسط توقعات لمحللين بمزيد من الارتفاعات التي قد تنذر بأسوأ أزمة طاقة منذ السبعينيات. “.
ومع ذلك، أكد قادة كورد العراق أن استئناف ضخ النفط مشروط بموافقة بغداد على تسوية النزاع القائم حول مساعي الحكومة الاتحادية لفرض سيطرتها الكاملة على التجارة الخارجية لإقليم كوردستان، وذلك وفق ما أدلى به مسؤولون في حكومة الإقليم لـ «المونيتور». إذ يسود اعتقاد بأن أربيل باتت تملك فرصة في هذه اللحظة، وهي عازمة على استثمار هذا التفوق لصالحها.
وصرح مسؤول رفيع في حكومة الإقليم (طلب عدم كشف هويته) لـ «المونيتور» قائلاً: «نحتاج إلى براغماتية من جانب بغداد؛ فهناك واقع جديد في العراق؛ فمع إغلاق المعابر مع إيران بسبب الحرب، باتت الحكومة الاتحادية تعتمد على حسن نوايا رئيس وزراء الإقليم مسرور بارزاني لتأمين الاستيراد وتصدير النفط عبر تركيا».
وفي سياق متصل، كشف المسؤول ذاته عن اتصالات تجريها واشنطن مع كل من بغداد وأربيل لحل الخلاف أملاً في تخفيف الضغط على الأسواق. حيث أجرى القائم بأعمال مساعد وزير الخارجية للشؤون الدولية، تومي جويس، اتصالاً بممثلة حكومة الإقليم في واشنطن، تريفة عزيز، يوم الجمعة، لطلب محاور نقاش للمباحثات المرتقبة مع بغداد. وأكد مسؤول في الإدارة الأمريكية رغبة واشنطن في إعادة تشغيل خط الأنابيب، فيما أشار مصدر مطلع في واشنطن إلى أن أعضاء بارزين في إدارة ترامب يركزون على هذا الملف منذ خمسة أيام على الأقل، بينما لم تعلق وزارة الطاقة على أسئلة «المونيتور».
وكانت وزارة النفط العراقية قد أبلغت حكومة الإقليم في الأول من آذار/مارس ببدء تصدير 100 ألف برميل يومياً من حقول كركوك عبر الأنبوب المرتبط بشبكة الإقليم الممتدة إلى الموانئ التركية، إلا أن أربيل رفضت السماح بمرور الشحنات. ومع تزايد المأزق الذي تواجهه بغداد، عادت يوم الاثنين لمناشدة الإقليم للسماح بمضاعفة الكمية لتصل إلى 200 ألف برميل، بينما وضعت حكومة الإقليم عدة شروط تصر على تلبيتها قبل السماح بتدفق النفط. “.
الأكراد وسياسة “النفس الطويل”
يتمحور المأزق الراهن حول رفض بغداد، منذ مطلع كانون الثاني/يناير، السماح لحكومة إقليم كوردستان والتجار المحليين باستخدام الدولار في تمويل استيراداتهم (إن لم يدخلوا في نظام الضرائب الجديد). فمنذ عام 2023، حين بدأت بغداد تحصيل كافة عائدات نفط الإقليم المصدر عبر تركيا، اضطرت أربيل للاعتماد بشكل كلي على البنك المركزي العراقي لتأمين العملة الصعبة.
وقد أدى ذلك إلى انهيار التبادل التجاري مع تركيا، الشريك التجاري الأكبر للإقليم؛ إذ تشير بيانات حكومة الإقليم إلى انخفاض حاد في حركة الشاحنات عبر الحدود، من 3000 شاحنة يومياً إلى نحو 300 شاحنة فقط.
وتعزو المصادر فرض بغداد لهذه القيود على الدولار إلى اعتراضات أربيل المستمرة على منح الحكومة المركزية سيطرة كاملة على إدارة المنافذ البرية والمطارات في الإقليم، وذلك ضمن مشروع “أسيكودا” (ASYCUDA) الذي وضعته الأمم المتحدة وأطلقته بغداد في عموم العراق لتوحيد التعرفة الجمركية وتشديد الرقابة لضمان الشفافية ومكافحة الفساد.
في المقابل، تصر حكومة الإقليم على ضرورة موائمة بنود هذا النظام مع الوضع الاتحادي للإقليم المكفول دستورياً. وفي السادس من آذار/مارس، وجه بارزاني رسالة خطية للسوداني يؤكد فيها استعداد الإقليم لتبني نظام “أسيكودا” ولكن وفقاً لشروطه الخاصة، وهي الرسالة التي لم يتلقَّ عليها رداً بعد.
وبينما كانت واشنطن تنظر إلى هذا الخلاف كونه مجرد “مناوشة” اعتيادية بين بغداد وأربيل، لم يصدر أي تعليق من مسؤولي قطاع الطاقة العراقيين حول الموضوع.
واختتم المسؤول الكوردي الرفيع حديثه بالقول: “موقفنا واضح؛ رفع قيود الدولار أولاً، ثم استئناف تصدير النفط”. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت واشنطن ستستخدم نفوذها للضغط على السوداني لإنهاء أزمة الدولار، أم أنها ستمارس ضغوطاً على أربيل لتقديم تنازلات بشأن ضخ النفط.
العراق في أتون الصراع
في هذه الأثناء، استهدفت إيران وحلفاؤها من الفصائل العراقية إقليم كوردستان منذ اندلاع الحرب، وتصاعدت حدة الهجمات وسط تقارير عن جهد سري لتسليح وتدريب مقاتلين كورد إيرانيين داخل الإقليم للإطاحة بالنظام في طهران، وهو ما صرح الرئيس دونالد ترامب يوم السبت بأنه لا يدعمه.
وقد أعلنت “المقاومة الإسلامية في العراق” مسؤوليتها عن هجوم بطائرات مسيرة استهدف مطار أربيل يوم الاثنين، بينما تعرض حقل “سرسنك” النفطي — الذي تديره شركة “إتش كي إن إنرجي” الأمريكية — لضربة بمسيرة في 5 آذار/مارس أدت لاندلاع حريق وتوقف الإنتاج.
وأدى مقتل ضابط أمن كوردي في هجوم استهدف مطار أربيل يوم 7 آذار/مارس إلى تعميق الاستياء في أربيل تجاه السوداني بسبب فشله في كبح الهجمات التي تشنها جماعات تمولها وتسلحها الحكومة المركزية. وفي غضون ذلك، تعرضت السفارة الأمريكية في بغداد لهجوم صاروخي مجهول المصدر خلال عطلة نهاية الأسبوع، بينما يسود اعتقاد واسع بأن واشنطن تدعم ترشيح السوداني لولاية ثانية في ظل إخفاق القوى المنافسة في التوافق على رئيس وزراء جديد عقب انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر.
تقويض الحكم الذاتي الكردي
منذ عام 2017، تعمل بغداد بشكل حثيث على استعادة السلطة المركزية في إقليم كوردستان، في مسعى يصفه المسؤولون الكورد بأنه محاولة لمحو حكمهم الذاتي بالكامل. وكان الاستفتاء على الاستقلال الذي أجراه الإقليم في ذلك العام، وحظي بتأييد أغلبية ساحقة، قد دفع بالعلاقات مع الحكومة الاتحادية إلى نفق مظلم.
لطالما ساد التوتر العلاقة بين أربيل وبغداد بسبب نزاعات تقاسم الإيرادات، لا سيما النفطية منها؛ إذ تلجأ بغداد دورياً لاستخدام الموازنة كأداة ضغط ضد الكورد عبر تجميد صرف المستحقات المالية المخصصة لرواتب الموظفين في الإقليم.
وفي هذا الصدد، صرح رمزي مارديني، مؤسس مختبرات “جيوبول” للاستشارات، لـ «المونيتور» قائلاً: “الإكراه الاقتصادي بات رافعة قوية لفرض سطوة بغداد على أربيل. هناك نمط منهجي من الإجراءات الحكومية لإجبار تدفقات الإيرادات على المرور عبر المركز، مما يمنح العراقيين نفوذاً غير مسبوق سيُوظف حتماً لأغراض سياسية، وحتى لتقييد النمو والتنمية في الإقليم”. وأضاف مارديني: “هذا التوجه ليس دافعه بناء الدولة أو الشفافية المالية، بل هي حملة مركزية طويلة الأمد تهدف لتجريد الإقليم من استقلاليته، ويبدو أن واشنطن باتت منحازة لبغداد بدلاً من أن تلعب دور الوسيط النزيه”.
وفي نكسة إضافية لحكومة الإقليم وأنقرة، قضت محكمة تحكيم دولية في عام 2023 بأن تركيا انتهكت اتفاقية قائمة مع الحكومة العراقية ببيعها نفط الإقليم منذ عام 2014 عبر أنبوب مخصص لهذا الغرض. وتسعى بغداد الآن لاستخدام هذا الأنبوب المتوقف منذ 28 شباط/فبراير، بعد أن أوقفت الشركات العالمية إنتاجها وسط استمرار الهجمات المدعومة من إيران على القواعد الأمريكية وحقول النفط والغاز في الإقليم.
تبلغ الطاقة الاستيعابية للأنبوب نحو 700 ألف برميل يومياً، وكان ينقل 250 ألف برميل من خام الإقليم قبل إغلاقه. وبالمقارنة، كان العراق يصدر نحو 3 ملايين برميل يومياً عبر مضيق هرمز قبل اندلاع النزاع الإيراني، بينما كان نفط حقول كركوك — الذي تسعى بغداد لتحويله نحو تركيا الآن — يُخصص للاستهلاك المحلي.
سابقاً، كانت حقول كركوك متصلة بمرافئ التصدير عبر أنبوب مزدوج يمتد مباشرة إلى تركيا، إلا أن أنقرة أصدرت مرسوماً في تموز/يوليو الماضي ينهي اتفاقية عمرها 52 عاماً لتصدير النفط، بعد إلزام محكمة التحكيم الدولية لأنقرة بدفع 1.5 مليار دولار لبغداد كتعويضات عن مبيعات النفط الكردي غير المصرح بها. وتضغط بغداد حالياً للحصول على تعويضات إضافية في قضية تحكيم منفصلة. وتبلغ القدرة المشتركة لهذه الخطوط 1.5 مليون برميل يومياً، وفي حال وافقت بغداد على التنازل عن القضية والغرامة السابقة، فقد يستأنف الأنبوب عمله، ولو جزئياً، وسط ترجيحات بوجود ضغوط أمريكية لإبرام صفقة بين بغداد وأنقرة.