مثل النهايات النفطية من قاسم إلى الشهرستاني
براك لم يسمع نداءات المالكي الجريئة.. أخذ نفط الروس من السوداني وطار
بينما كان المالكي مشغولاً بشرح موقفه للصحافة الفرنسية وإطلاق تصريحات عن "جيش واحد وحكومة بلا فصائل".. طار مبعوث ترامب إلى أربيل بعقود نفط البصرة ودون لقاء بالمالكي.
بصرف النظر عن انشغال بغداد ليل الأحد بأسباب فشل اللقاء بين نوري المالكي وتوم براك مبعوث ترامب، فإن صباح الاثنين “حسم الأمر” إلى حد كبير. نام المبعوث في العاصمة ولم يغادرها نحو أربيل قبل أن يتسلم “تركة عملاق النفط الروسي”.. رئيس الوزراء محمد السوداني الموصوف حالياً بأنه “لتصريف الأعمال فقط”، قام بتصريف أكبر حقل نفطي عراقي (غرب القرنة) من “طابو” القيصرية الروسية إلى حسابات خزائن الولايات المتحدة الأميركية، ما أوقظ ذاكرة طويلة في مشوار النفط العراقي لعلها تبدأ بعهد الزعيم قاسم والطرد الأول للأجانب حتى عهد البعث والتأميم، ثم عودة الغرب إلى امتيازاته النفطية القديمة بتواقيع جولات المالكي وحسين الشهرستاني.
قبل شهور عاقبت الولايات المتحدة “لوك أويل” الروسية التي أقامت 17 عاماً في حقل غرب القرنة عند ملتقى دجلة والفرات، وحينها.. قرر الروس حزم أمتعتهم والمغادرة بهدوء دون مقاومة، واليوم سلّم السوداني عملاق النفط الأميركي “شيفرون” وثيقة “حق التفاوض الحصري” مسنوداً بعملاق أميركي آخر هو أكسون موبيل، بينما يقف براك في صورة تاريخية ويراقب التوقيع بالأحرف الأولى العربية واللاتينية، مكرراً في نهاية شباط ما حصل مطلع الشهر في دمشق مع “نفط أحمد الشرع” وبحضور شيفرون نفسها.
نقاط جغرافيا، وأسماء شركات، وتوقيتات، ولا أحد يعلم هل رفض المالكي لقاء توم براك، أم رفض توم براك لقاء المالكي كما يتردد في قصور المنطقة الخضراء.. عناصر لكل منها حكاية تعيد ربط القصر الجمهوري العراقي بألف صفقة وصفقة من ليالي النفط البغدادية.
كان السوداني يوقع عقد التفاوض الحصري للأميركان بينما ينسحب الروس من قصر الملك فيصل السياحي الصغير المبني على جرف القرنة، مغادرين عبر مطار البصرة، وفي صبيحة اليوم نفسه جلس نوري المالكي يحدث صحافة فرنسا عن حرصه على العلاقة مع أميركا عارضاً ضبط الفصائل في جيش واحد، وظل يتحدث كأنه يريد لصوته أن يتردد سريعاً داخل الاجتماع النفطي: لن أنسحب يا توم براك.. ولعل رائحة شيفرون وأكسون موبيل الفائحة صباح الاثنين جعلت المالكي يتذكر كثيراً ويعيد السؤال.. كيف أنسحب وأنا أول من أعاد عمالقة البترول الغربيين بعد أن طردهم عبد الكريم قاسم بقرار رقم 80 الشهير مخاطباً مجلس السيادة “تعالوا نوقع على إعدامنا”، ثم طردهم أحمد حسن البكر في تأميم عام 1972.. وبعد أن عبث بمفاوضاتهم صدام حسين قبل اجتياح الكويت وبعده.. لا يصدق المالكي ما يحصل.. “لقد أعاد المالكي النفط للغرب.. واليوم يطلب منه ترامب أن يغادر مع شركات فلاديمير بوتين”.
ارتبط برميل النفط العراقي بكرسي القصر الجمهوري، منذ مقتل الملك في قصر النهاية، وفي كل مرحلة تتابعت النهايات.
لم تتوقف مدافع حرب العراق وإيران إلا بتصاعد “حرب الناقلات النفطية في الخليج” نهاية الثمانينات.
لم تهدأ مصارع ومصائر النفط حتى بغزو الكويت.
لم يتمكن الغرب من العودة إلى حقول العراق إلا بصفقات نوري المالكي وحسين الشهرستاني عام 2009، فيما وصف بأنه أكبر اتفاق خلال نصف قرن.
لكن توم براك العائد مع شيفرون هذه المرة يحمل رسالة ترامب: لن تحصلوا على المساعدة الأميركية إذا لم ينسحب المالكي من الترشح.
حين بدأ الروس يجمعون بقايا معداتهم من حقل القرنة، أخذ توم براك يتصرف وكأن المالكي انسحب أيضاً من لعبة العروش. أمسك المبعوث بيد السوداني ودخلا قصراً آخر وأبرما “احتكار حق التفاوض” على مليارات البراميل النائمة منذ قرون في عنق شط العرب.
لم يكن النفط كل شيء فالعراق ليس نفطاً، لكن منصات التحميل ظلت تختم فصول المجازر والحرائق وانهدام الممالك وقيام جمهورية تلو أخرى. السائل الأسود اللزج كان هو دائماً مَن يتولى “لصق” النهايات منذ نوري السعيد حتى نوري المالكي.
شيفرون في بلاط السوداني اليوم، تخبر الشرق الأوسط بأن نزاعات البر والبحر والسماء والإطار، مع العراق وعليه، أمر معتبر وداخل في كل حساب، ولكن النهاية الخاطفة والحاسمة تُكتب دائماً بتوقيع أحد العمالقة السبعة.