"مختلف عن الأخبار المشؤومة"

صحفية أميركية دخلت العراق خائفة وخرجت منبهرة: إنه “شيكاغو”

في مقال للصحفية وكاتبة العمود الأميركية المولودة في شيكاغو رومانا حسين، في صحيفة “شيكاغو سن تايمز”، بعنوان “العراق مثل شيكاغو لديه أكثر مما تقدمه عناوين الأخبار المشؤومة”، تحدثت فيه عن رحلتها إلى العراق وزيارة 7 مدن من بينها بغداد والنجف، برفقة وفد من 33 أميركياً، رغم تحذيرات وتنبيهات عدم السفر.

وتروي الصحفية كيف اكتشفت وجهاً أخر بعيداً عن الصور المطبوعة في المخيلة الأميركية، وكيف تبددت مخاوفها عند المشي على ضفاف دجلة ورؤية “كثرة” من النساء اللواتي خضعن لتكبير الشفاه “الفيلر” وهن يرتدين العباءة، فضلاً عن تلقيها أول مسبحة من بين مجموعات مسابح قدمت لهم عند المراقد الدينية.

وتشير حسين إلى ملاحظتها لعلامات تجدد واضحة مثل مشاريع البناء السكني الحديث، وإصرار الجيل الشاب على المضي قدماً بالحياة وتجاوز المصاعب كالازدحام الشديد، فضلاً عن أجواء المقاهي الشعبية وحياة السكان المحليين، في حين أن ما أثار إعجابها هو جمال المساجد العراقية المتنوعة والتي وصفتها بأنها “أشكال المقاومة الروحية” تبهر الناظرين، ومثلها آثار بابل وتمثال الأسد، كما وصفت زيارة النجف وكربلاء وتحديداً ضريح الإمام علي، بأنها تجربة صعبة من حيث الازدحام الشديد لكنها تستحق وتحقق “إشباعاً روحياً”.

تقرير صحيفة chicago. suntimes، ترجمته شبكة 964:

بدت ابتسامة مهدي علي رحيم عريضة كأقواس المباني المحيطة بالفناء المكشوف حيث كنا نقف داخل جامعة المستنصرية الرملية اللون، التي يعود تاريخها إلى 800 عام، في بغداد. وقد سرّ عندما علم أن بعض الزوار الأمريكيين، بمن فيهم أنا وشقيقتي الصغرى وصديق، كانوا من منطقة شيكاغو، فاستعاد بحماس ذكرياته في المدينة قبل أكثر من 15 عاماً عندما شارك في برنامج تدريبي على ترميم الآثار في متحف فيلد.

قال أمين المتحف الوطني العراقي إنه كان يُحذّر باستمرار من الذهاب إلى الأحياء الجنوبية خلال أوقات فراغه: “لا تذهبوا إلى الجانب الجنوبي”. وأضاف رحيم، الذي ربما لم يسمع قط بمصطلح “شيراك”، لكنه تحدث بمعرفة شخصٍ وُصِفَ أفراد مجتمعه وأماكنهم بصورة نمطية سلبية: “لم أستمع. كنت أذهب كل يوم، وأحببت ذلك”.

مثل رحيم، تجاهلت مجموعتنا المكونة من 33 شخصاً تحذيرات “عدم السفر” من كل حدب وصوب قبل أن نسافر إلى العراق الشهر الماضي في جولة تعليمية نظمتها فريال سالم، الأستاذة المشاركة في الدراسات العربية والإسلامية في الكلية الإسلامية الأمريكية بمنطقة أبتاون.

تبددت أي مخاوف لدينا من السفر إلى بلد عانى من حروب عديدة خلال العقود القليلة الماضية عندما أبحرنا في نهر دجلة الهادئ، واحتسينا مشروبات ساخنة برفقة السكان المحليين الذين يدخنون النرجيلة، وتلقينا أول مسبحة من بين العديد من المسابح التي قُدمت لنا عند أضرحة شخصيات إسلامية بارزة.

رأينا بوادر نهضة في البناء السكني الذي ينتشر في جميع أنحاء وسط العراق، كالمحاصيل التي توفر الغذاء والاستقرار بعد عاصفة رعدية عاتية.

في المنطقة الغنية بالنفط، حيث لاحظتُ وفرة من النساء المرتديات العباءات واللاتي خضعن لحقن الفيلر في شفاههن، واللواتي يستمتعن بعجلات الملاهي، يمضي الشباب قدماً على أمل أن تقتصر متاعبهم اليومية على الازدحام المروري وانقطاع التيار الكهربائي وطلب الكباب الخاطئ.

رغم أن عدداً كبيراً من العراقيين لم يشهدوا حملة الحرب العالمية على الإرهاب الأمريكية بشكل مباشر – إذ يزيد عمر أكثر من نصف السكان عن 25 عاماً – إلا أنهم لا يحتاجون للبحث طويلًا عن آثارها.

خلال رحلاتنا بالحافلة، كانت نظراتي غالباً ما تتجه نحو ساحة الفردوس المُجددة، حيث أُسقط تمثال صدام حسين الشهير عام 2003، والذي استُخدم لاحقاً كرمزٍ للنزعة القومية المتطرفة من قِبل معظم وسائل الإعلام والسياسيين الأمريكيين عقب الغزو الأمريكي للعراق.

رحّب العديد من السكان الأصليين الذين كرهوا حسين، بمن فيهم الأكراد والشيعة الذين تحملوا وطأة نظامه الوحشي، في البداية بالقوات التي أرسلها جورج دبليو بوش. لكنهم سرعان ما اكتشفوا أن “السعادة كانت خطأً”، كما قال ياسر الكوفي، وهو مرشد سياحي عراقي ساعدنا في سالم خلال رحلتنا التي شملت سبع مدن.

قضى الكوفي فترة من طفولته مع والدته في سجن للنساء، حيث كانت السجينات يتناوبن على حمله على أحضانهن. تم تجنيد الرجلين كوكيلين عندما أُجبر والد الكوفي على الفرار إلى الخارج بعد إعدام أكثر من اثني عشر من أصدقائه – وهم معارضون مثله – شنقاً في عهد صدام حسين.

لا يزال اسم حسين يُثير اشمئزاز الكوفي، البالغ من العمر 29 عاماً. كما أنه لا يستطيع مسامحة الحكومة الأمريكية على مزاعمها الكاذبة بشأن أسلحة الدمار الشامل والحرب التي تلتها والتي جعلت البلاد عرضة لمزيد من العنف الطائفي.

تتجسد هذه الحقيقة المُرّة في صور على طول طريق سريع لرجال قُتلوا في قتال تنظيم الدولة الإسلامية قبل نحو عقد من الزمان، وفي صور معلقة في مقهى شابندر الشهير، حيث قُتل أبناء مالكه الأربعة وحفيده بعد انفجار سيارة مفخخة خارج المقهى عام 2007.

جمالٌ آسر

لمواجهة الدمار، تُقدّم مساجد العراق المتنوعة أشكالاً حسيةً للمقاومة، تُبهر الناظرين بجمالها الذي لا يُوصف. وبالمثل، تُعلن آثار بابل، ولا سيما تمثال البازلت الذي يعود تاريخه إلى ما يقارب 3000 عام، والذي يُصوّر أسداً يدوس رجلاً، “لن تستطيعوا كسرنا”.

إنّ الصمود في وجه الشدائد صفةٌ متأصلةٌ في الشيعة الذين يُشكّلون غالبية الحجاج المتجهين إلى النجف وكربلاء لزيارة ضريح علي بن أبي طالب، صهر النبي محمد، وابنيه العباس والحسين، الذين استُشهدوا في معركة كربلاء.

كان اجتياز بحر من البشر ونقاط التفتيش الأمنية داخل أضرحة هؤلاء الأولياء تحدياً، ولكنه كان يستحقّ العناء لما فيه من إشباعٍ روحي. كان التيه بين الحشود تجربةً مميزةً لتقوية الروابط بين أفراد مجموعتنا، والتي ضمت أستاذاً من جامعة فوردهام أتذكر مشاهدته وهو يتنافس مع بيل ماهر على التلفزيون بعد أحداث 11 سبتمبر، وأقارب اثنين من مراسلي صحيفة شيكاغو تريبيون السابقين الذين أعرفهم. وللأسف، توفي أحد رفاقنا في المغامرة، ضياء الرحمن خان، البالغ من العمر 78 عاماً، قبل أقل من أسبوعين، بعد أن توقف هو وزوجته سميرة في موطنهما باكستان.

كان خان هو من أرشد مجموعة من العمات والأعمام، معظمهم من باكستانيين، في رحلة سير على الأقدام لمسافة تزيد عن ميل في النجف، قبل أن يعثروا على مطعم صغير يقدم المأكولات الجنوب آسيوية التي كانوا يتوقون إليها.

تُذكّرنا رحلة الطبيب المتقاعد في عالم الطهي – ورحلتنا بأكملها – بأنه إذا حاولنا، يمكننا أن نجد راحة الألفة أينما ذهبنا.