بغداد تنتظر زارع الماريوانا سافايا
الحشيشة أنقذت ترامب في أميركا وربما تساعده في العراق! تعليق سليم سوزة
أثار قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتعيين رجل الأعمال مارك سافايا، وهو أميركي من أصول عراقية، مبعوثاً خاصاً إلى العراق، جدلاً في الأوساط السياسية داخل الولايات المتحدة والعراق على حد سواء. سافايا يدير متاجر مرخّصة لبيع حشيشة الماريوانا في ولاية ميشيغان، ما جعل كثيرين يتساءلون عن طبيعة هذا التعيين ودلالاته السياسية.
في مقال خص به شبكة 964، يتناول سليم سوزة، أستاذ دراسات العدالة الاجتماعية في جامعة ولاية أريزونا، العلاقة بين البزنس والسياسة في إدارة ترامب، معتبرًا أن اختيار سافايا يعبّر عن “مَرْوَنة” جديدة (نسبة لاسم نبتة الماريجوانا) في التعامل الأميركي مع العراق، بعد فشل القوة والسياسة في إعادة ضبط الشراكة بين البلدين، خصوصاً وأن هذا النوع من التجار سبق وأن قاموا بتمويل حملة الرئيس الأميركي وساهموا في فوزه، فهل تنقذ الحشيشة خيارات ترامب في العراق بعد أن ساعدته في الولايات المتحدة؟
“الماغا العراقيين” و”مَرْوَنَة” الشراكة العراقية الأمريكية
سليم سوزة
عُرِفَ الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب بأنه رجل بيزنس معادٍ للمؤسسة وينظر إلى السياسة من نافذة التجارة فحسب. انعكست معاداته للمؤسسة في قراراته وتعييناته للوزراء والمسؤولين والسفراء، وانسجمت معه في هذه الرؤية شريحة أمريكية واسعة مثّلت قاعدته الجماهيرية، تلك التي باتت تُعرف بالماغا MAGA اختصاراً لشعار ترامب الانتخابي: لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى.
تعرّضَ ترامب إلى انتقادات حادّة في الأوساط السياسية الأمريكية حين اعتمد على رجال أعمال، بدلاً من سياسيين ودبلوماسيين تقليديين، في ملف السياسات الخارجية المعقّدة، سيما في الملفين السوري واللبناني ومفاوضات إنهاء حرب غزة. وبعد ستيف ويتكوف وتوم برّاك، وهما رجلا أعمال أرسلهما ترامب مبعوثين خاصّين إلى الشرق الأوسط، ها هو ذا يعيّن بيزنيس مان مبتدئاً كمبعوث خاص إلى العراق وهو مارك سافايا، المنحدر من أصول عراقية كلدانية، ويقيم في ولاية ميشيغان ويُعتبر واحداً من “الماغا الشرق أوسطيين” الذين لعبوا دوراً في حملة ترامب الانتخابية عبر إقناع العرب والمسلمين والعراقيين بالتصويت له.
لم تأتِ المفارقة في هذا التعيين بسبب عدم خبرة سافايا في السياسة وعدم تسنّمه أي منصب فيدرالي أو محلّي فحسب، بل بوصفه أيضاً رجلاً يدير متاجر بيع القنب (الماريجوانا) في ولاية ميشيغان الأمريكية، وهو نوع من الأعشاب المخدِّرة التي جرَّمَ حيازته وبيعه وتناوله القانون الفيدرالي الأمريكي رسمياً منذ العام 1930. كيف لتاجر مخدّرات أن يكون مبعوثاً خاصاً إلى العراق؟
مؤخراً حصل تحوّل في المزاج العام أمام هذه التجارة لكنه لم يكن كافياً لشرعنة حيازة الماريوانا وبيعها وتعاطيها بنسب محدّدة، حتى دخل الاقتصاد السياسي على الخط وصار ثمّة تخادم بين أصحاب البيزنيس وأصحاب القرار التشريعي في الولايات الأمريكية المختلفة. موَّلَ الكثير من رجال الأعمال ومؤسسات المجتمع المدني وكبار المشتغلين في صناعة الماريوانا الحملات الانتخابية لسياسيين يرغبون في شرعنة هذه الصناعة، فأوصلوهم إلى المؤسسات التشريعية في ولاياتهم، ليضعوا فقرة شرعنة الماريوانا في ورقة الاقتراع أثناء الانتخابات العامة حتى يتسنّى للناس التصويت عليها بالقبول أو الرفض، تلك الفقرة التي لم يقبل المشرّعون القدامى وضعها في ورقة الاقتراع أبداً. وعبر المال والدعاية والتثقيف المستمر، استطاع تخادم السياسة والاقتصاد هذا في بعض الولايات التأثير في المجتمع وكسب تأييد الناس للتصويت على الفقرة ليمر القانون وتصبح حيازة الماريوانا وبيعها وتعاطيها بكمّيات معينة مباحة فيما بعد. كانت ولاية كولورادو وولاية واشنطن أولى الولايات التي صوَّتَت مجالسها التشريعية على إباحة تعاطي الماريوانا بنسب معيّنة، وكان ذلك في العام 2012. ثمّ سارت على خطى هاتين الولايتين إثنتان وعشرون ولاية أمريكية أخرى في الأعوام اللاحقة، ليصبح مجموع الولايات الأمريكية التي تشرعن تعاطي الماريوانا أربعة وعشرين ولاية حتى لحظة كتابة هذه المقالة.
أما المفارقة الأخرى فتكمن في ترمب نفسه، فهذا الرئيس المحسوب بالنهاية على الحزب الجمهوري الذي لديه موقف حاد من شرعنة الماريوانا، يستعين “بتاجر ماريوانا” غير معروف في الأوساط السياسية مبعوثاً خاصّاً لتقوية العلاقات الأمريكية العراقية. مارك سافايا، الذي استفاد من قرار ولاية ميشيغان في شرعنة الماريوانا في العام 2016 وأنشأ بعد ذلك مجموعة شركات لزراعة هذه العشبة والتجارة بها، يصبح هو ثقة ترمب في التفاوض على شكل العلاقة بين أمريكا والعراق. اختيار سافايا يُثبت مرةً أخرى أن ترمب رجل غير مؤدلج، يمكنه أن يتعامل مع آخرين لا يتفّق مع أعمالهم التجارية. فقد تحالفَ في السابق مع الملياردير إيلون ماسك رغم معارضته الشديدة للسيارات الكهربائية، وها هو يعيّن اليوم “تاجر مخدّرات رسمي” مبعوثاً إلى العراق رغم خلافه الشديد مع الديمقراطيين في شرعنة الماريوانا. مَن يدري! ربما يريد ترمب أن “يُمَرْوِن” الشراكة العراقية الأمريكية وفق حسابات تجارية مستقبلية، بعد أن فشلتْ القوّة والسياسة حتى الآن في ذلك.