بين 4 حلول بديلة لتركمانستان

الغاز العربي ينقذ العراق بعد فشل الالتفاف على عقوبات إيران.. أنبوب قصير من الأردن

قبل يومين كشفت وكالة رويترز عن فشل العراق باستيراد الغاز من تركمانستان عبر الجارة إيران، تحت وطأة ضغوط من الولايات المتحدة، ما ترك بغداد أمام أزمة إيجاد بدائل لضمان استمرار الكهرباء، ونشررت منصة “الطاقة” تقريراً شديد اللهجة ينتقد حكومة العراق على “تضييع الوقت ومخالفة بديهيات واضحة” مثل أن صفقة غاز تركمانستان لم تكن لتنجح بأي طريقة، إلى جانب إهمال صفقة الغاز المسال مع قطر التي وقعها الوزير السابق عادل كريم، والذي يشغل الآن منصب مستشار رئيس الوزراء.

وتقترح المنصة -ومقرها واشنطن- 4 حلول ممكنة، وهي أولاً استيراد الغاز المسال كخيار سريع والذي بدأت به الحكومة لكن التجهيزات لم تكتمل بعد، وثانياً؛ الاعتماد أكثر على محطات النفط/الديزل، بالاستفادة من الإنتاج النفطي الكبير للعراق، واستثمار ذلك في المحطات الحالية أو بناء محطات ديزل جديدة، أما ثالثاً فالأجدى التوسع في محطات الدورة المركبة التي تستثمر الغاز والحرارة المهدرة.

ويشير الحل الرابع إلى انضمام العراق لخط الغاز العربي الذي يجمع مصر والأردن وسوريا ولبنان، بعد أن كان جزءاً منه ووقع اتفاقاً في 2004 من أجل تصدير الغاز إلى أوروبا حينها، واليوم في ظل حاجة العراق إلى استيراد الغاز، يقترح التقرير إحياء الاتفاق لاستيراد الغاز من مصر أو الأردن، أو الاستيراد من تركيا أيضاً، وتطرح منصة الطاقة عدة خيارات متاحة منها مد أنبوب من حمص السورية إلى أقرب نقطة في العراق، أو استيراد الغاز التركي عبر خط كلس – حلب، في حين أن الحل الأجدى هو ربط غرب العراق بحقل الريشة الأردني قرب الحدود العراقية.

تقرير منصة الطاقة الأميركية، تابعته شبكة 964:

قبل أيام، فشلت بشكل شبه رسمي صفقة الغاز التركمانستاني إلى العراق، بعد رفض الولايات المتحدة الأميركية استيراد بغداد للوقود من خلال إيران، أو استفادتها من أيّ أموال سيدفعها العراق نظير الصفقة.

هذا الفشل ليس مفاجأة على الإطلاق، بل كان متوقعًا، وحذّرنا منه مرارًا وتكرارًا سواء عبر مقالات رأي أو تقارير قائمة على معلومات خاصة، لكن الطرف الوحيد الذي تفاجأ من أمر بديهي هو العراق نفسه، الذي أصرّ على المخاطرة وتوقيع صفقة محكوم عليها بالفشل.

كان العراق يطمح لاستيراد 20 مليون متر مكعب يوميًا من الغاز التركمانستاني عبر إيران، من خلال آلية ضخ الغاز التركمانستاني إلى الشمال الإيراني، ثم تحصل بغداد على الكمية نفسها من غاز إيران عبر الجنوب (نظرًا لعدم وجود خط أنابيب مباشر يمتد من تركمانستان إلى جنوب إيران).

هذه الصفقة التي تعود إلى 3 سنوات مضت، كان مقررًا لها بدء الضخ هذا الصيف، لكن مع إلغاء الإعفاء الأميركي الممنوح للعراق بالنسبة لاستيراد الطاقة عبر إيران، فقد رفضت وزارة الخزانة الأميركية أيّ تمديد جديد، وبناءً عليه، تستمر الأزمة كما هي.

ففي الوقت الحالي، تعتمد بغداد على الغاز الإيراني فقط، وهي كمية لا تتجاوز الآن 20 مليون متر مكعب يوميًا، لكنها هي الأخرى “في خطر”، وقد تتوقف في أيّ لحظة بناءً على قرار أميركي متوقع.. فماذا سيفعل العراق حينها، وهل هو جاهز لهذه الخطوة؟

الحقيقة أن العراق لم يفكر في هذه الخطوة بجدّية، أو ربما “بتعمُّد”، إذ تخلّى عن أمور بديهية في ضرورة تنويع مصادر إمدادات الطاقة، رافضًا التخلي عن الحليف الإستراتيجي “إيران” التي لم تقدّم شيئًا لصديقها سوى توريطه في أزمة غاز مستمرة.

حلول أزمة الغاز في العراق

تتوقف حلول أزمة الغاز في العراق على وجود إرادة حقيقية من قادة الدولة لما يلي: أولًا، التخلي عن واردات الطاقة الإيرانية، ثانيًا، البحث الفوري عن مصادر بديلة ومستدامة.

ومن وجهة نظرنا، فهذه 4 حلول لأزمة نقص الغاز أو الكهرباء في العراق، مع مراعاة الترتيب، وأن بعضها يستغرق تنفيذه عدّة سنوات، لكن يمثّل حلًا استراتيجياً على المدى الطويل:

  • استيراد الغاز المسال.
  • زيادة الاعتماد على محطات الديزل.
  • التوسع في محطات كهرباء الدورة المركبة.
  • خط الغاز العربي.

الخطوة الأولى والسريعة التي لا نعلم لماذا أضاع العراق الوقت في سبيل تنفيذها، هي خطوة استيراد الغاز المسال.

فقبل ثلاث سنوات ونصف السنة، وتحديداً 7 فبراير/شباط من عام 2022، وقّع وزير الكهرباء حينها عادل كريم (يعمل حاليًا مستشارًا لرئيس الوزراء) اتفاقًا مع قطر لاستيراد الغاز المسال بكمية مبدئية تبلغ 1.5 مليون طن سنويًا.

لكن منذ ذلك الحين، لم يأخذ العراق الخطوة على محمل الجد، وتجاهَل المضي قدمًا في تجهيز البنية التحتية اللازمة للاستيراد، إلى أن بدأ التحرك في منتصف هذا العام (2025) من خلال تجهيزات في ميناء خور الزبير بمحافظة البصرة، وكان من المفترض الانتهاء منها واستيراد أول شحنة غاز مسال هذا الصيف.

والنتيجة الآن.. التجهيزات لم تكتمل، والعقود النهائية للاستيراد لم توقَّع.. لكن إذا أراد العراق بصدق حسم هذا الملف، فيمكنه خلال 3 شهور فقط وبحدّ أقصى، استيراد الغاز المسال، مع العلم أن هذه الخطوة لن تنهي الأزمة كاملة، نتيجةَ قلة عدد محطات الكهرباء.

هنا أيضاً نشير إلى نقطة مهمة، وهي أن العراق أعلن سابقاً أنه سيستورد فقط في حدود 400 مليون قدم مكعب يومياً، وهذا لا يكفي سوى توفير 2000 ميغاواط من الكهرباء.

لكن إذا أرادت بغداد الاستغناء الكامل عن واردات الغاز من إيران، فهي بحاجة إلى استيراد 1.5 مليار قدم مكعبة يومياً من الغاز المسال.

الحل الثاني، هو زيادة الاعتماد على المحطات التي تعمل بالنفط/الديزل، فالعراق لديه قدرة إنتاجية ضخمة من النفط (تتجاوز 4 ملايين برميل يوميًا)، والأجدر به أن يستفيد منها سواء في زيادة تشغيل المحطات الحالية، أو بناء محطات جديدة تعمل بالديزل.. وحتى إذا بات هذا الحل مرفوضًا عالميًا في إطار الدعوة لخفض الانبعاثات، فإن توفير الكهرباء هو الأهم لملايين المحرومين منها.

وثالثًا، يأتي التوسع في محطات الدورة المركبة، التي تعمل بالغاز، وأيضًا تقوم على الاستفادة من الحرارة المُهدرة لتوليد المزيد من الكهرباء.

خط الغاز العربي

أرى أن الحل الرابع، وهو خط الغاز العربي، يمثّل فرصة ذهبية وإستراتيجية للعراق على المدى الطويل، وحقيقةً لا أعلم لماذا تجاهلت بغداد هذا الحل على مدار 21 عاماً، وتحديدًا 4 تشرين الأول من عام 2004، عندما وقّعت اتفاقاً للانضمام إلى هذا المشروع.

وحالياً، يجمع خط الغاز العربي دول: مصر، والأردن، وسوريا، ولبنان.

وعندما وقّع العراق هذا الاتفاق، كان يهدف إلى تصدير الغاز لأوروبا عبر خط الغاز العربي مروراً بمصر، لكنه الآن بات في حاجة ماسّة لإعادة إحياء هذا المشروع الحيوي، ليتمكن بموجبه من استيراد الغاز الطبيعي من مصر أو الأردن، مروراً بالأراضي السورية، أو الاستيراد من تركيا أيضاً عبر دمشق.

والأقرب الآن بالنسبة للعراق، هو بناء أنبوب يمتد من مدينة حمص السورية، وحتى أقرب نقطة للشبكة في العراق، أو الحصول على الغاز التركي عبر خط أنابيب يتصل بمدينة حلب السورية، ومنها إلى “كلس” التركية.

وهناك حل آخر نرى أنه الأفضل من حيث التكلفة، ويتمثل في بناء خط أنابيب يربط بين غرب العراق ومرافق الغاز في حقل الريشة الأردني (يقع بمحاذاة الحدود العراقية).

هذا الخط سيتصل بأنبوب الغاز العربي خلال سنوات قليلة، إذ يعمل الأردن حالياً على بناء وصلة من حقل الريشة وحتى أقرب نقطة لخط أنابيب الغاز العربي، وذلك بعد اكتشافه احتياطيات كبيرة بالحقل خلال عام 2024.

وسواء كان استيراد الغاز من مصر أو الأردن أو تركيا، فإنه سيكون عبارة عن “غاز مسال” سيتعاقد عليه العراق، ثم يخضع لإعادة التغويز (تحويله إلى صورته الطبيعية) في المرافق الموجودة حالياً في الدول الثلاث.

وعلى سبيل المثال، فإن سوريا نجحت مؤخراً في استيراد الغاز الأذربيجاني عبر تركيا من خلال خط أنابيب كلس، وقبلها تتبادل مصر والأردن الغاز عبر خط الغاز العربي، وكذلك يخطط لبنان للاستيراد عبر الخط نفسه.

شبكة 964صورة من منصة (شبكة):