قائمة تكبر ضد الحكومة

محاكمة السوداني بدأها كبار الأساتذة: لا تدفن تشرين في المطعم التركي ومئات التواقيع

مئات المثقفين العراقيين وقعوا على هذا.. “لذاكرة لا تُدفن.. إنها تعود دائماً، بأسماء الوقائع، والشهداء، بصورهم، بصدى أصواتهم في الساحات”. هذه بداية بيان “غير عادي وفخم” يستمر التوقيع عليه في سوشيال العراق من كبار المفكرين وعموم المثقفين وأنصار حراك تشرين المنادي بالإصلاح، وشغل الناس طوال اليومين الماضيين، حسب تعبير شخصيات بارزة في الحياة الفكرية والسياسية، تتساءل عن السر في تحويل بناية المطعم التركي، التي كانت رمزاً لـ”شهداء الاعتراض”، أمام نصب الحرية وساحة التحرير إلى “مستشفى إيطالي غامض” وياتي هذا بعد أن نظمت الحكومة فعالية كبيرة ظهر خلالها رئيس الوزراء محمد السوداني في بث مباشر مع شركة إيطالية تفيد بظهور مشروع جديد، الأمر الذي تلقاه كبار المفكرين العراقيين وأوساط المثقفين بوصفه “لعبة انتخابية تريد دفن حراك تشرين”، وإذ قررت الأحزاب “دفن ذاكرة تشرين” فإن أسماء كبيرة تصوغ الفكر العراقي الراهن وضعت اعتراضها وجمعت تواقيع ضد قرار السوداني، تتساءل عن كيفية فهمه لاحتجاج الشباب عام 2019، وعدم اتخاذه قراراً بتحديد من قتلهم، كما استذكرت هذه الساحة الوطنية التي أراد حزب البعث نفسه، بعد 1963 ومجازر الحرس القومي، تدميرها ومحو اسم “ساحة التحرير”، وسرى بيان المثقفين منذ يوم السبت، كالنار في الهشيم حين بدأه الأديب العراقي المخضرم زهير الجزائري والكاتبة الكبيرة سلوى زكو مع أسماء معروفة مثل الأستاذ الكاتب سهيل سامي نادر والأديب الرائد محمد خضير وناشطين من أجيال مختلفة، ومعهم أسماء كثيرة ممن يصوغون خلال هذه المرحلة خطاب المجتمع المدني، كما يبدو من رصد الصحافة والسوشيال ميديا العراقية.

نص بيان كبار المفكرين والمثقفين العراقيين ضد قرار السوداني بـ”دفن ذاكرة تشرين”، تلقته شبكة 964:

لذاكرة لا تُدفن.. إنها تعود دائمًا، بأسماء الوقائع، والشهداء، بصورهم، بصدى أصواتهم في الساحات.

ما زالت انتفاضة تشرين، بعد مرور ست سنوات، تُقلق، وتُربك من يخاف الناس حين ينتفضون، وتُرعب من يعرف أن الذاكرة الحية أخطر من السلاح. واليوم، تعود المحاولة من جديد، ولكن بصيغة مختلفة: “مشروع استثماري” أُعلن عنه في 31 تموز 2025، يقضي بتحويل مبنى ما بات يعرف بـ”المطعم التركي”، إلى مستشفى. في الظاهر يبدو “المشروع” عملا خدميا، أما في الباطن، فهي محاولة ممنهجة لطمس أحد أبرز معالم الذاكرة الكفاحية الحديثة للعراقيين.

لقد شكل مبنى “المطعم التركي”، المطلّ على ساحة التحرير بجدارية جواد سليم من جهة، ومن الجهة الأخرى على دجلة وجسر الجمهورية، منصة للمقاومة المدنية السلمية، وفضاء للحرية، وبُرجًا رمزيًا لأحلام جيل! لا يمكن فصل هذا المبنى عن مشهد تشرين التحرري، تمامًا كما لا يمكن سلخ ساحة التحرير عن مسيرة النضال الوطني العراقي الحديث. فالمبنى، الذي سكنته أنفاس المتظاهرين وسهر فيه الشجعان على حُلمٍ بحياةٍ عادلة واسترداد وطن، ليس مجرد هيكل من الإسمنت المُتعب. إنه شاهدٌ، ومرآةُ وطنٍ حي وقف فيه شبابه ليطالبوا بما هو حق: “نريد وطن” !

وهنا علينا التذكير بالمشروع المتكامل الذي تم إعداده تحت إشراف المعماري سامان كمال، استجابة ووفاء لانتفاضة تشرين، بهدف تحويل المبنى إلى متحف خاص بذاكرة تشرين، وفتح أبوابه على الساحة ليكون جزءًا من الفضاء والذاكرة العامة. لم يكن المشروع استذكارًا للماضي فقط، بل توظيفا للذاكرة من أجل بناء وعي مدني جديد، يحترم الكرامة والحرية والعدالة.

بلدان كثيرة تحتفي بمواقع نضالها، وتحوّلها إلى معالم تربية وأمل. أما هنا، فيُراد لنا أن ننسى. ويُراد للذاكرة أن تُهدم، لا أن تُذكّر وتُطالب، ذاكرة لا تُشعل وجدانًا من جديد، فالذاكرة الجماعية ليست مجالًا للمساومات السياسية، إنها ملك الشعب، ودم الضحايا، وحق الأجيال القادمة.

ما يحدث في ساحة التحرير ليس تبديل اسم مبنى بآخر، بل محاولة خنق ساحات حرية التعبير والاحتجاج: من المطعم التركي إلى ساحة التحرير، من ساحة الحبوبي إلى ساحة ثورة العشرين، في استهداف للفضاء الوطني العراقي الجامع للكفاح والابداع! يريدون محو كل ذلك بخطوة انتقامية باردة. كأن السلطة تفضّل مجددًا إعادة صبغ الجدران بدل الإصغاء لما نقشته دماء الشباب عليها، كأن الوطن يمكن أن يُشفى بنسيان الجرح، لا بتكريمه.

المثقفون والفنانون والنقابات وقوى المجتمع المدني الحية، وجميع أحرار العراق مطالبون بالوقوف بوجه هذه الهجمة، التي تُخفي خلف نواياها “التعميرية”، رغبة انتقامية دفينة بمحو كل أثر لتشرين من الوجدان العراقي.

ندعو كل الاطراف المسؤولة ومن ضمنها السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية والهيئات المستقلة ومن ضمنها هيئة الاستثمار إلى التحرك الفوري لمنع هذا الإجراء ودعوة الجهات المعنية إلى الاستثمار والبناء الحقيقي في المؤسسات الصحية الموجودة والمستقبلية وضمن التصميم الأساسي لبغداد، والذي يشمل عشرات المستشفيات غير المنجزة وعدم السماح للعشوائية بتصدر المشهد.

في ساحة التحرير، حيث تلتقي جدارية فائق حسن بجدارية جواد سليم، وبينهما تمثال الأمومة لخالد الرحال، وعلى مقربة منها متحف الفن الحديث (قاعة كولبكيان).. هنا اجتمع الابداع بالوثبات، واختلطت دماء العراقيين، وذابت الهويات المذهبية والمناطقية في اسم واحد: العراق! هنا وُلدت ذاكرة تشرين. وهنا ستبقى!

ذاكرة تشرين.. لا تُهدَم، بل تُروى، وتُصان، وتُعلّم.