حوار مع مونت كارلو
السوداني خسر الإطار ولم يربح ترامب.. هشام داود: انتخابات العراق أغلى من فرنسا
قال هشام داود وهو من أبرز الباحثين العراقيين في حقل الأنثروبولوجيا السياسية، إن الولايات المتحدة لا زالت تبحث إلى اليوم في سؤال “ماذا يعني العراق بالنسبة لها” وبصيغة أخرى ماذا تعني أمريكا بالنسبة للعراقيين، هل هو حليف أو صديق أو “أجد المعارف”، مبيناً أنه لا جواب على ذلك وهذا بالضبط ما يزعج الأمريكيين، كما أن رئيس الوزراء محمد السوداني وأثناء محاولته بناء سياسة جديدة، اضطر لخلق تصادم مع قوى الإطار، كما لم ينجح في الوقت نفسه بإثبات الاستقلالية عن إيران أمام واشنطن أو دول المنطقة.
الدكتور هشام داود، خلال حوار مع الإعلامية إيمان الحمود، على مونت كارلو الدولية، تابعته شبكة 964:
الجميع يعرف وبات بديهياً القول ان إدارة ترامب ذات طبيعة براغماتية، تفكر أولا بمصلحة الولايات
المتحدة، ولا تولي أهمية للقضايا التي تراها ذات طبيعة أيديولوجية، كحقوق الإنسان وحرية التعبير مثلاً.
إعادة ترتيب الأولويات السياسية من قبل إدارة ترامب خلق شيئاً من التناقض والارتباك لدى العديدين:
مثلا، يتلقى جزء من الطبقة السياسية العراقية الحاكمة هذه التراتبية القيمية لإدارة ترامب كرسائل
مطمئنة، نظرا لسجلها السلبي في مجال حقوق الإنسان. في المقابل علاقة العراق بإيران و”بمحور
المقاومة”، هو موضوع اهتمام أمريكي، واقليمي.
أحيانا يُظهر القادة العراقيون شيئاً من السطحية المفزعة عند النظر للمعادلات الجيو- إستراتيجية
ولمصالح الولايات المتحدة في العراق والمنطقة، إن كانت اقتصادية أو أمنية أو سياسية، وهم عاجزون
حتى اليوم للجواب عن السؤال التالي: ماذا يعني العراق لأمريكا وماذا تعني أمريكا للعراق؟
جاءت أمريكا مستنفرة إلى العراق قبل 22 عاماً، عقب الهجوم الذي استهدفها في عقر دارها في 11
أيلول / سبتمبر، معتقدة أن حلفاءها التاريخيين (افراداً كانوا او جماعات) قد ساهموا وخططوا لضربها.
حصل ذلك سنوات بعد انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفيتي، في وقت اعتقد الكثيرون بأن
العالم بات احادي القطب، وان الصراعات الدولية قد تلاشت والتاريخ قد شارف على نهاياته (حسب
أطروحة فوكوياما الشهيرة). الصدمة كانت مؤلمة للفريق الأيديولوجي الراديكالي الذي وصل للتو للبيت
الأبيض (المحافظين الجدد). ولم يكن مهما لإدارة بوش الابن ان يتقاسم العالم الوجهة الامريكية بأن
العراق الذي كان خارج المعادلة الدولية في فترة صدام حسين هو السبب والمشجع على ظهور حركات
جهادية راديكالية.
رغم جامعاتها الكبيرة ومراكز ابحاثها المهمة ومؤسسات انتاج الفكر الا ان المقاربة الطاغية في أمريكا للمجتمع العراقي بقيت ثقافوية (بمعنى ذات نزعة اجتماعية – ثقافية) باعتبارهم مكونات وليس مجتمعاً، أي سنة وشيعة وكرد، واقليات اثنو – دينية. وبما أن الشيعة كانوا مبعدين ومقموعين، والأكراد
مضطهدين، بالتالي رأت واشنطن أنه من الممكن إعطاء السلطة لهذين الطرفين وتحويل العراق من
خلالهما إلى حليف حقيقي وثابت في المنطقة.مضى اكثر من 20 عاما وأمريكا تبحث وتقلب ذات السؤال: ماذا يعني العراق بالنسبة لها أو بالأحرى
ماذا تعني أمريكا بالنسبة للعراقيين؟ هل هو حليف؟ ام صديق؟ أم هو بالمعنى العراقي عرف (من
معارفنا)، لا جواب! ربما هذا اكثر ما يغيظ الأمريكان الذين جاءوا بحلم / او وهم تحويل العراق إلى
قاعدة لتغيير كامل المنطقة، وضحوا بـ 4200 عسكري وقرابة الـ 30 الف جريح ومعاق واكثر من
ترليون و 500 مليار دولار. بدلا من ان يكون حليفا او حتى صديقا، تحول العراق إلى قاعدة تزعج
وتتصدى للأمريكان في المنطقة !
منذ سنوات لم يعد للعراق تلك المكانة التي كان يشغلها في الولايات المتحدة مثلما كان عليه الحال في السنوات العشرة الأولى التي أعقبت الغزو. أهمية العراق اليوم تكمن في الملفات الأمنية المتداخلة مع واقع المنطقة المتفجر، وفي علاقاته بالصين وبدرجة اقل بروسيا، وبعلاقته بإيران وأذرعها. ربما من المفيد التذكير بأن كبريات الشركات النفطية الامريكية كأكسون موبيل قد انسحبت من العراق في زمن رئيس الوزراء
الحالي السيد السوداني (مثلما انسحبت شركة شيفرون من المفاوضات، وقبلها بسنوات انسحبت شركة ميتسوبيتشي اليابانية من الصناعات الغازية، كذلك انسحبت قبل سنوات شركة شل من حقل مجنون، الخ).
مقابل انحسار الشركات والتقنية الغربية، نسبة الاستثمارات الصينية في العراق اليوم تتجاوز الـ 75 بالمئة! وليس مستغربا حينما زار ترامب السعودية، دعا كافة بلدان الخليج للقاء به ولم يدعُ العراق الذي ذكره
لمرة احدة باعتباره التجربة الفاشلة التي لا يجب الاقتداء بها، إلى جانب أفغانستان. في الحقيقة، العديد في الغرب، وفي الولايات المتحدة، لا يعتقدون بأن العراق قد نجح ببناء دولة عصرية حقيقية، واغلب هؤلاء
يشعرون بالحرج عند الطلب منهم بوصف الدولة العراقية: هل هي دولة كليبتوقراطية؟ ام هي ميليشياوية الطابع ؟ او دولة زبائنية يسمح لها الريع النفطي بالعمل والبقاء، وهي بالتالي مجموعة هياكل سلطوية يسيرها الموروث البيروقراطي ويغذيها الريع النفطي؟
سياسيا، العراق على موعد مع استحقاقات انتخابية برلمانية (11 تشرين الثاني / نوفمبر)، وهي المناسبة
التي يحاول فيها كل رئيس وزراء التحلي بخطاب جامع، في مجتمع يعاني من التشظي العميق. لم يكتف
السيد السوداني بذلك، بل نراه يكثر من اجتماعاته حول الطرق والجسور، والتوظيف الانتخابي لحاجات
المواطن للخدمات. وبما ان السخرية هي احدى الأسلحة السياسية المتاحة امام العراقيين، لذا نراهم
يتندرون في جلساتهم الخاصة والعامة من كلمات مثل جسر ومجسرات وتجسير.
رغم محاولات السيد السوداني الظهور بمنجز خدمي عابر للكتل السياسية – المذهبية (لا احد ينكر ما
تحقق في هذا المجال، خاصة في العاصمة بغداد) يبقى هو احد اطراف الاطار التنسيقي الشيعي الحاكم، وكان مرشحهم الوحيد لرئاسة الحكومة الحالية. ولولا انسحاب التيار الصدري، ودعم الاطار له لما كان ممكنا على الاطلاق لكتلته المكوّنة من نائب واحد ترأس حكومة في نظام برلماني، سيما وان تجربته السياسية ما بعد 2003 محدودة للغاية، حيث لم تحتفظ منظمات المجتمع المدني ولا جمعيات حقوق
الانسان ولا المنظمات الدولية باي منجز ديمقراطي وحقوقي يذكر يوم كان السوداني وزيرا لها. ولم تشهد
الصناعة الوطنية العراقية تلك القفزة التقنية حينما كان السوداني وزيرا للصناعة. في الحقيقة ورث السيد
السوداني خزينة مليئة بالاحتياطي النقدي، وعلاقات إقليمية ودولية متفهمة لتطلع العراق بالابتعاد عن
المحاور المتصارعة في المنطقة، وعرف العراق عشية اختياره لرئاسة الحكومة قبل ثلاث سنوات نموا
اقتصاديا ملحوظا وذلك بشهادة اغلب المنظمات المهنية الدولية، وشهدنا بداية اقبال دولي على الاستثمار
في العراق (اذكر منها عقد شركة توتال العملاقة بقدر 30 مليار دولار). للأسف، بدل البناء على ما تحقق
بفضل تضحيات العراقيين في سنوات الكورونا وانهيار أسعار النفط، فتحت الحكومة الباب (بدافع زبائني
بحت) لتوظيف مليون شخص إضافي في دوائر الدولة، وقسم منهم في الحشد الشعبي. في اغلب الدورات
الماضية كانت هناك دعوات للحشد الشعبي بتسجيل أسماء مقاتليه على قائمة انتخابات القوات المسلحة
(باعتبارهم قوة عسكرية تحت امرة رئيس الوزراء، وبالتالي من الطبيعي ان يصوتوا مع بقية القوات
العسكرية والأمنية)، لكن قيادتهم رفضت هذا الاجراء القانوني، لأنه بمجرد القبول بالتصويت الخاص عندها سيكون لدى الدولة الرقم الحقيقي للحشد. ولم يتوقف الامر عند هذا الحد، فقد اعلن السيد السوداني
اكثر من مرة بأنه فخور بفتح باب تعيين مليون موظف وشغيل لدى الدولة، بعضهم تابعون للحشد الشعبي،
وبذلك (حسب تصريحات البعض) يكون قوام الحشد الشعبي قد تجاوز الـ 200 الف مقاتل، أي يتجاوز
قليلا عديد الجيش الفرنسي، بأساطيله واسراب طائراته وقواعده العديدة داخل فرنسا وفي العالم (بما
فيها في العراق وسوريا)!
وفي السنوات الثلاثة الأخيرة اعيد تركيب نواة السلطة حول شخص رئيس الوزراء انطلاقا من العلاقات
القرابية الضيقة (اهل الثقة)، لتليها العصبية العشائرية والمناطقية ثم شريحة الموالين، وفي الأخير تأتي
حلقة اهل الخبرة البيروقراطية. حلقات السلطة الثلاث الاولى هذه ما كان لها العمل لولا التحكم بالجاه
والمال (أعني هنا بالجاه القرار السياسي والوجاهة وإعادة توظيف العلاقات التقليدية لغايات ومصالح
سياسية معاصرة. اما التحكم بالمال فنعني به القدرة على توزيع جزء من الريع على شكل عقود وهبات
تعود على الواهب بالولاء، وهذا ما نسميه في الانثروبوجية الاجتماعية بالهبة والهبة المضادة).
حاول السيد السوداني، من خلال التحكم بهاتين الآليتين خلق قاعدة اجتماعية لسلطة أراد لها ان تكون
عابرة للتشظي المذهبي، مدركا في ذات الوقت حتمية تصادمه مع قادة الإطار التنسيقي الشيعي الذين جاءوا به للحكم وفق مبدأ المحاصصة على أساس مذهبي – اثني – مناطقي – سياسي.تجاذبه بين متطلبات السياسة العصرية (أن يظهر حاكم عراقي)، وانحساره في تحالف مذهبي سياسي ألحق الأذى بصورته داخليا (ضعفه امام الفصائل)، وإقليميا كما رأيناه في القمة العربية، ودوليا حيث بقي بنظر العالم حبيس الاستراتيجية الإيرانية ومتطلباتها في المنطقة والعالم. ولم يكن بمقدور السوداني اللقاء حتى سراً بالرئيس السوري الانتقالي احمد الشرع الا بعد طلب موافقة ايران المسبقة، او عبر وساطة قطر عند طهران للسماح له باللقاء بجار العراق!
الصراعات السياسية الأشد اليوم هي تلك البينية الشيعية – الشيعية (كما نجدها أيضا داخل المجاميع الاثنية والمناطقية والمذهبية الأخرى في العراق). والانتخابات البرلمانية العراقية القادمة ستكون محطة للصراع والتدافع العنيفين، فيها ستنفق عشرات الملايين من الدولارات (ولمعرفة حجم الفساد يمكننا المقارنة فقط بأن الاموال التي تنفق في الانتخابات النيابية العراقية تتجاوز تلك التي تنفق على الانتخابات الفرنسية على سبيل المثال!).لا أحد يعرف مصدر هذا المال السخي سوى انه غير قانوني وعلى الاغلب من جهات واشخاص هامشيين انتزعوها يوما بالسطو والفساد وليس عبر حصولهم على جائزة نوبل بالكمياء والفيزياء.