الخبير الألماني منهمك بالتنقيب
انتظروا مفاجأة بين عظام الآشوريين.. مئذنة النبي يونس صعدت من جديد
مع إكمال إعمار جامع النبي يونس وطوي الصفحة الأليمة، تتجه الأنظار نحو المنقبين الألمان وما يفعلونه تحت التل الغامض.
النبي يونس (الموصل) 964
بافتتاح جامع النبي يونس شرق الموصل، تطوي المدينة صفحة قاسية وتزيل من ذاكرتها مشاهد مؤلمة للحظة تفجير الجامع الأثري، وبدل ذلك.. يظهر الجامع بحلته الجديدة وبالطراز القديم بعد أن أشرف على ترميمه أمهر الخبراء، وذلك بدعم من المتبرعين وجمعية فعل الخيرات، إذ تولى المهندس أحمد العمري الإشراف على البناء والتوسعة، وقد ارتفعت المئذنة من جديد على نحو 40 متراً.
لكن تحت التلة التي يتربع فوقها الجامع، نفائس تثير شهية المنقبين الأوروبيين الذين لا يغادرون المكان بحثاً عن صحون تناول فيها الآشوريون آخر وجباتهم قبل سقوط نينوى على يد التحالف البابلي الميدي 612 قبل الميلاد، ويقول شتيفان ماول، رئيس بعثة التنقيب الألمانية لشبكة 964، إن اكتشاف قصر عسكري آشوري أسفل التلة يضم منصتين للعرش كان أمراً محيراً، فليس من المعتاد أن تضم القصور منصتين للعرش، كما أن القطع الأثرية تضم حتى هياكل عظمية من آخر أيام نينوى، أما المفاجآت التي يبشر بها ماول فهو احتمالية العثور على سجلات ووثائق تبين طبيعة التعامل الاقتصادي في تلك الفترة و”الجزية” التي فرضها الآشوريون على المناطق التي سيطروا عليها.
ولم يثبت وجود رفات للنبي يونس، أو قبر في الجامع كما يقول الباحث في مفتشية آثار نينوى الدكتور فالح الشمري، لكن ما نعرفه عن نفائس هذه التلة أقل مما لا نعرفه.
بالعودة إلى جامع النبي يونس، يقول العمري لشبكة 964 إن النسخة السابقة لم تكن مصممة كجامع وإنما كانت بناء تراكمياً عبر الحقب، ولذا فإن محراب الصلاة لم يكن متوجهاً للقبلة تماماً، وكان المصلون طيلة تلك الفترة يصححون القبلة عبر وضع السجاد بالاتجاه الصحيح، لكن مع إعادة الإعمار تم تصحيح اتجاه القبلة التي كانت منحرفة بنحو 30 درجة.
وشملت إعادة الإعمار إضافة مدرسة للقرآن بطابقين، والمصلى اليومي وهو أصغر من المصلى الرئيسي ومكانه في وسط الجامع ليكون قريباً على ذوي الاحتياجات الخاصة ووضع لهم طريق خاص للصعود، كذلك تمت توسعة مصلى النساء وإضافة محلات وضوء خاصة للسيدات، وإعادة المئذنة بارتفاع 40 متراً، مع قبتين دائرية وثالثة مخروطية، وساحة كبيرة خلف الجامع لوقوف السيارات ما تزال مغلقة بسبب وجود أعمال تنقيب تحتها.
العمري راعى في البناء العمارة الموصلية من حجر الفرش والأقواس والعقود، وأضاف فكرة التسبيح لكل عمود في الجامع “لأن النبي يونس كان من المسبحين”، مع كتابة سورة يونس كاملة على الجدران بخط النسخ والثلث.
ووضعت أرضية زجاجية للأرضية المكتشفة لقصر أسرحدون مع دعامات للأنفاق، وبالجهة الشرقية أضيف جدار مصمم على شكل بوابة آشورية مطل على آثار القصر.
ونُصبت 5 جداريات في الفناء، الجدارية الأولى رسم عليها خريطة القصر الآشوري، والثانية قصيدة للشاعر وليد الصراف عن تأريخ الجامع، وثالثة لقصة النبي يونس، ورابعة عن قصة الصحابي عداس ابن نينوى الذي استقبل النبي محمد في الطائف.
أما المقام أو الضريح فبقي مثل سابق عهده، وأعيدت زخارف القبة كما كانت.
الباحث في مفتشية آثار نينوى الدكتور فالح الشمري أكد أن داعش حفر أنفاقاً تحت الجامع وسرق منها ألواحاً تعود لقصر أسرحدون، ولم يتمكن عناصر التنظيم من نقل الثيران المجنحة والآثار الثقيلة فبقيت.
أما شتيفان ماول، رئيس البعثة الألمانية، لشبكة 964، فيشير إلى أن أعمال التنقيب في موقع النبي يونس مستمرة منذ 2018، وأسفرت عن اكتشاف قصر عسكري آشوري يضم منصتين للعرش، وهو أمر غير معتاد. وتشير القطع الأثرية إلى الأيام الأخيرة للإمبراطورية الآشورية، مثل هياكل عظمية تعود لسقوط نينوى عام 612 قبل الميلاد، إضافة إلى دعامات خشبية وأوانٍ مستخدمة آنذاك.
تعود أولى أعمال التنقيب في القصر الآشوري إلى عام 1954، حيث اكتشف باحثون عراقيون مدخل القصر الممتد من منطقة دورة الحمام حتى تقاطع شارع النبي يونس، ويشير ماول إلى أن التنقيبات الحالية ما تزال تحمل مفاجآت، مع توقع العثور على أرشيف يوثق الغنائم والجزية التي كانت تجمعها الدولة الآشورية من المناطق الخاضعة لسيطرتها، ما يعزز فهم التاريخ الاقتصادي والسياسي لتلك الحقبة.
ولفت ماول إلى أن البعثة واجهت تحديات كبيرة بسبب الأنقاض والعبوات غير المنفلقة، ورغم ذلك، تم إنقاذ لوح حجري كبير، واكتشاف ثيران مجنحة ستبقى في موقعها كمتحف مفتوح مستقبلاً، في خطوة لتحويل الدمار إلى صرح أثري يوظف القطع المكتشفة بأسلوب متحفي حديث.