مراجعة تفصيلية من هشام داود
من بغداد إلى كاراكاس: القوة بدل الشرعية.. فنزويلا واكتمال مسار ما بعد العراق
كتب الدكتور هشام داود، الباحث العراقي في الإنثروبولوجيا السياسية، المركز الوطني الفرنسي للبحوث العلمية:
كتبت هذه المقالة في أعقاب التدخل الأميركي الأخير في فنزويلا يوم 3 كانون الثاني/يناير 2026، والذي انتهى باعتقال – أو اختطاف – رئيس دولة ذات سيادة (حتى وإن كانت سلطته تعسفية، قمعية وفاسدة)، في حدث يعكس تحوّلًا نوعيًا في ممارسة القوة الدولية، حيث تتجاوز المعايير القانونية التقليدية وتعيد تعريف السيادة من نقاش نظري إلى تحدٍ عملي. ينظر إلى العملية ضمن سياق طويل من التدخلات الأميركية في العقود الماضية، من تشيلي وإيران إلى العراق وليبيا، حيث غالبًا ما اتسمت هذه التدخلات بقدرة على قلب أنظمة الحكم بسرعة، من دون أن تضمن إنتاج استقرار سياسي مستدام، ما يعكس نموذجًا جديدًا لممارسة القوة: العنف السيادي المعمم، الذي تتقلص فيه حدود الحرب والسلم وتتعاظم فيه القدرة على توظيف الفوضى وفق مصالح القوى الكبرى.
العراق “كنموذج متقدم”
في هذا الإطار، تبدو الحالة العراقية نموذجًا متقدمًا لفهم طبيعة التدخلات الأميركية المعاصرة: بلد هشّ، تتداخل فيه الفواعل المسلحة المحلية والإقليمية، مع اتفاقيات استراتيجية تجعل من الولايات المتحدة شريكا للأمن، لكن دون قدرة واضحة على فرض مشروع سياسي جامع. ليبيا، بالمقابل، تمثل نموذجًا لإحداث فراغ مؤسساتي عبر اضعاف وتقسيم الدولة، وترك الهويات المحلية والقوى غير الرسمية تتحكم بمساحات السلطة. أما فنزويلا، فهي اختبار حديث لروح افتراسية لدى القوى الكبرى، وإشارة إلى أن التدخل المباشر في الدول ذات السيادة لا يقتصر على تحقيق أهداف قصيرة المدى، بل يعكس انتقال النظام الدولي إلى مرحلة تُدار فيها القوة أحادية الاتجاه، وتصبح الفوضى أداة سياسية استراتيجية بحد ذاتها.
حدث فنزويلا: من الواقعة إلى الدلالة
ما جرى في فنزويلا يوم 3 كانون الثاني/يناير 2026 لا يمكن قراءته بوصفه عملية أمنية استثنائية، ولا كحلقة ظرفية في صراع ثنائي بين واشنطن وكاراكاس، ولا حتى كامتداد تقليدي لتاريخ طويل من التوتر في أميركا اللاتينية. نحن أمام حدث يتجاوز حدود الجغرافيا السياسية الإقليمية، ليطال البنية العميقة للنظام الدولي نفسه. فالتدخل الأميركي المباشر، الذي انتهى باعتقال (اختطاف) رئيس دولة ذات سيادة، جرى خارج أي تفويض أممي، ومن دون غطاء قانوني دولي، وبعيدًا عن أي محاولة جادة لتبريره ضمن قواعد الشرعية الدولية المعروفة. وهو بذلك يشكّل انتهاكًا صريحًا لمبدأ عدم التدخل، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن تحوّل نوعي في نمط استخدام القوة الأميركية في مرحلة ما بعد تآكل النظام الدولي القائم على القواعد.
تكمن خطورة هذا الحدث لا في خرقه للقانون الدولي فحسب، بل في ما هو أعمق من ذلك: تطبيع الفعل ذاته. أي تحويل تغيير الحكم بالقوة، عبر تدخل عسكري مباشر، إلى أداة “مقبولة” ضمن حسابات الأمن القومي، تُستخدم من دون الحاجة إلى إجماع دولي، أو حتى إلى حدّ أدنى من التوافق الأخلاقي والسياسي. فالسؤال الجوهري هنا لم يعد: هل العملية شرعية أم غير شرعية؟ بل: كيف أصبح من الممكن تنفيذها، الإعلان عنها، والدفاع عنها سياسيًا، من دون أن يترتب على ذلك كلفة دولية رادعة؟
يعيد هذا الحدث إلى الواجهة مفهوم السيادة، لا بوصفه مبدأً قانونيًا مجردًا، بل كواقع عملي بات هشًا وقابلًا للتعليق متى ما تعارض مع حسابات القوة. فالدولة، حتى وهي عضو في الأمم المتحدة، وحتى وهي تمتلك اعترافًا دوليًا كاملًا، لم تعد محصّنة من الإطاحة القسرية إذا ما تقاطعت ظروف داخلية هشة مع قرار أحادي صادر عن قوة عظمى. وهو ما يضعنا أمام حقيقة مقلقة: أن ما تبقى من النظام الدولي القائم على القواعد لم يعد قادرًا على ردع الفعل الأحادي حين يصدر عن مركز الهيمنة.
في هذا السياق، لا يبدو التدخل في فنزويلا حدثًا شاذًا أو استثنائيًا، بل حلقة متقدمة في مسار طويل من تفكيك الضوابط التي حكمت العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. مسار بدأ يتخذ شكله الأكثر وضوحًا مع غزو العراق عام 2003، وتكرّس عبر ليبيا وأوكرانيا وسواها، ويبلغ اليوم مستوى جديدًا من الجرأة والفجاجة. فنحن أمام عالم لم يعد يُدار وفق توازنات مستقرة أو قواعد ملزمة، بل عبر سوابق قسرية تتراكم، وتعيد تعريف ما هو “ممكن” في السياسة الدولية، بغضّ النظر عن مشروعيته.
من هنا، تنطلق هذه المقالة من فرضية أساسية مفادها أن التدخل الأميركي في فنزويلا لا يعبّر فقط عن قرار سياسي ظرفي، بل عن تحوّل بنيوي في منطق القوة، وعن دخول النظام الدولي مرحلة يمكن توصيفها بمرحلة العنف السيادي المُعمَّم، حيث تُستخدم السيادة كذريعة حين تخدم الفاعل القوي، وتُعلَّق حين تصبح عائقًا أمامه. وفي هذا الإطار، يصبح فهم ما جرى في كاراكاس مدخلًا ضروريًا لفهم ما قد يجري لاحقًا في مناطق أخرى هشّة، من الشرق الأوسط إلى العراق، حيث تتقاطع الدولة الضعيفة مع الفواعل المسلحة، وتتآكل الحدود بين الداخل والخارج، وبين السيادة والتدخل.
مبدأ مونرو.. بين الاستدعاء والانهيار
يثير التدخل الأميركي في فنزويلا (بين أشياء عدّة) سؤالًا كلاسيكيًا في حقل العلاقات الدولية، يتجاوز الحدث ذاته ليطال أحد أقدم المبادئ المؤسسة للسياسة الخارجية الأميركية: هل نحن أمام إعادة إحياء لمبدأ مونرو، أم أمام لحظة انهياره الرمزي والعملي؟
تاريخيًا، شكّل مبدأ مونرو، الذي أُعلن عام 1823، التعبير الأوضح عن تصوّر الولايات المتحدة للقارة الأميركية بوصفها مجالًا حيويًا مغلقًا، مرتبطًا مباشرة بأمنها القومي، ومحصّنًا ـ نظريًا ـ من التدخلات الأوروبية. وقد استُخدم هذا المبدأ، عبر قرنين تقريبًا، ليس فقط كإطار دفاعي، بل كأداة تنظيم للهيمنة الإقليمية، تبرّر تدخلات سياسية، اقتصادية، وعسكرية متفاوتة الشدة، تحت ذريعة حماية الاستقلال ومنع “الاختراق الخارجي”. ومن هذا المنظور، يمكن القول إن فنزويلا لا تزال، في الذهنية الاستراتيجية الأميركية، جزءًا من هذا المجال الحيوي الذي لم يفقد مركزيته الرمزية.
غير أنّ المسافة التاريخية والفكرية بين مبدأ مونرو في سياقه التأسيسي، وواقع النظام الدولي في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، تكشف عن بون شاسع يصعب ردمه. فالمبدأ وُلد في عالم إمبراطوري تعددي، لم تكن فيه السيادة الوطنية قد ترسّخت بصيغتها الحديثة، ولا كانت فيه دول أميركا اللاتينية فواعل مكتملة الاستقلال المؤسسي ولا حتى الولايات المتحدة على هذه الدرجة من القوة. أمّا اليوم، فنحن أمام دول ذات سيادة مكتملة قانونيًا، مندمجة ـ ولو بدرجات متفاوتة ـ في النظام الدولي، وتطالب بالشرعية، وتداول السلطة، واحترام القواعد، حتى حين تفشل في تحقيقها داخليًا. في المقابل، تتصرّف القوى العظمى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، وفق منطق مختلف تمامًا، يتسم بنزعة افتراسية متزايدة، حيث تُستدعى المبادئ القديمة انتقائيًا لتبرير أفعال لا تنسجم مع شروط العالم المعاصر.
تتجلّى أزمة مبدأ مونرو بوضوح في ردود الفعل الإقليمية على ما جرى في فنزويلا. فالمواقف الرافضة لم تصدر فقط عن خصوم واشنطن التقليديين، بل عن دول محورية داخل القارة الأميركية نفسها: المكسيك، البرازيل، كولومبيا، بما في ذلك الحكومة التشيلية الجديدة المحسوبة على اليمين الشعبوي المتطرف. باستثناء الرئيس الأرجنتيني، بدا الإجماع الإقليمي واسعًا في إدانة التدخل، أو في أحسن الأحوال اتخاذ موقف حيادي سلبي. وهذا المعطى يحمل دلالة بنيوية عميقة: مبدأ مونرو لم يعد ينتج شرعية تلقائية، ولم يعد يُنظر إليه كضمانة أمنية، بل كإطار تاريخي متآكل، يعكس فجوة متزايدة بين واشنطن وبيئتها الإقليمية الأقرب.
تكمن خطورة اللحظة الراهنة في أنها تأتي في سياق دولي فقد فيه النظام القائم الكثير من قواعده ومعايره ومن قدرته الردعية. فالمواثيق الدولية تعاني من تآكل في فعاليتها، ومجلس الأمن بات عاجزًا عن إنتاج توافقات ملزمة، بينما تحوّلت الأمم المتحدة إلى ساحة إدارة أزمات لا إلى مؤسسة قادرة على منعها. في هذا الفراغ المعياري، يصبح استدعاء مبدأ يعود إلى قرنين مضيا محاولة لتعويض فقدان الشرعية الدولية، لا لإعادة إنتاجها. وهو ما يضع التدخل في فنزويلا في موقع مزدوج: من جهة، استدعاء رمزي لمبدأ مونرو، ومن جهة أخرى، دليل إضافي على انهياره العملي.
في هذا السياق، لا يبدو أن واشنطن قادرة على إعادة فرض مبدأ مونرو بصيغته الكلاسيكية، ولا حتى بصيغة محدّثة تحظى بقبول إقليمي. فالقارة الأميركية اليوم ليست فضاءً خاضعًا لإرادة قوة واحدة، بل ساحة تنافس بين قوى دولية متعددة، وفضاءً سياسيًا تطالب دوله، مهما كانت هشاشتها، بالاعتراف بسيادتها وبحقها في إدارة أزماتها دون إملاءات خارجية مباشرة. ومن هنا، فإن التدخل في فنزويلا لا يمثّل عودة ناجحة إلى منطق مونرو، بل يكشف عن مأزقه النهائي: مبدأ يُستدعى حين تتآكل القواعد، لكنه يعجز عن توفير الشرعية في عالم لم يعد يقبل بالهيمنة الأحادية.
النفط والطاقة – تفكيك فرضية الدافع الاقتصادي
يُطرح النفط، تقليديًا، بوصفه التفسير الأكثر شيوعًا لأي تدخل أميركي في دولة تمتلك احتياطيات طاقة كبرى، ولا سيما في السياقات التي تتقاطع فيها الجغرافيا السياسية مع الموارد الطبيعية. غير أن إسقاط هذا التفسير على الحالة الفنزويلية، عند إخضاعه لفحص تحليلي دقيق، يكشف عن محدوديته، بل وعن طابعه الاختزالي. فعلى الرغم من امتلاك فنزويلا أحد أكبر الاحتياطيات النفطية المؤكدة في العالم، فإن وزنها الفعلي في سوق الطاقة الدولية تراجع بشكل ملحوظ خلال العقد الأخير. فالإنتاج الحالي أقل من مليون برميل يوميًا، في سياق عالمي يتسم بفائض نسبي في العرض، وتنوّع متزايد في مصادر الطاقة، وتحوّلات هيكلية في الطلب، ما يقلّل من القيمة الاستراتيجية المباشرة لهذا المورد في الحسابات الأميركية الراهنة.
يُضاف إلى ذلك أن النفط الفنزويلي يُصنّف ضمن فئة النفوط الثقيلة والعالية الكلفة (بين 20 إلى 30 دولار للبرميل الواحد مقابل كلفة استخراج النفط في البصرة الذي لا يتجاوز الـ 4 دولارات)، ويتطلب بنى تكرير متخصصة غير متوفرة بسهولة، فضلًا عن استثمارات ضخمة لإعادة تأهيل قطاع طاقة يعاني من تدهور بنيوي عميق نتيجة العقوبات وسوء الإدارة. وعليه، يصعب القول إن السيطرة على النفط، بمعناه الاقتصادي المباشر، تمثّل حافزًا كافيًا لتفسير تدخل عسكري خارجي بهذا الحجم والمخاطر.
انطلاقًا من ذلك، يرجّح هذا التحليل أن النفط لا يشكّل الدافع المركزي الوحيد للتدخل، بل يؤدي أكثر وظيفة خطابية – تبريرية ضمن سردية أوسع. فاستدعاء الطاقة في خطاب الإدارة الأميركية يخدم هدفين متلازمين: داخليًا، من خلال مخاطبة الرأي العام الأميركي القريب من الماغا بلغة أمن الطاقة والوظائف والاستقرار الاقتصادي؛ وخارجيًا، عبر ربط فنزويلا بسياق المنافسة الجيوسياسية مع الصين، التي عززت حضورها المالي والاستثماري في أميركا اللاتينية خلال السنوات الأخيرة. غير أن هذه الاعتبارات، رغم أهميتها، تبقى ثانوية مقارنة بالمنطق السياسي–الأمني الأشمل الذي يحكم العملية.
في هذا الإطار، يندرج التدخل في فنزويلا ضمن مسعى لإعادة تأكيد القدرة الأميركية على تغيير الأنظمة بالقوة، ليس بوصفه استثناءً ظرفيًا، بل كأداة مشروعة ضمن حسابات الأمن القومي. فالقضية لا تتعلق بفنزويلا وحدها، بل بإرسال رسالة ردعية متعددة الاتجاهات: إلى خصوم إقليميين ودوليين، وإلى حلفاء مترددين، وإلى فواعل ما دون الدولة في مناطق هشّة أخرى. وهنا تتحوّل الطاقة من سبب إلى ذريعة، ومن محرّك إلى عنصر ثانوي يُستدعى لتغليف قرار سياسي – أمني اتُّخذ مسبقًا.
من حرب العراق إلى فنزويلا – تفكيك النظام الدولي
ينطلق هذا المقال أيضا من مقاربة نظرية ترى أن ما يشهده النظام الدولي منذ مطلع الألفية الثالثة لا يمكن اختزاله في سلسلة أزمات متفرقة أو انحرافات ظرفية، بل يشير إلى تحول بنيوي وعميق في طبيعة النظام الدولي نفسه، من نظام كان يقوم – ولو شكليًا – على قواعد واضحة، ومؤسسات، وشرعية قانونية دولية، إلى نظام يزداد تدريجيًا انصياعًا لمنطق القوة، والاستثناء، وفرض الأمر الواقع دون الحاجة إلى أي غطاء مؤسسي شامل. في هذا السياق، يظل كتاب غسان سلامة “إغواءات آذار” مساهمة نظرية مركزية لفهم هذا التحول، ليس باعتباره انهيارًا مفاجئًا، بل كعملية تراكمية وبطيئة لتفكيك البنى الدولية الراسخة، حيث يسلّط الضوء على غزو العراق عام 2003 باعتباره اللحظة المفصلية التي تعرّض فيها النظام الدولي لما بعد الحرب العالمية الثانية لصدع لا رجعة فيه، ليس فقط على مستوى خرق القانون الدولي أو تجاوز مجلس الأمن، بل على مستوى إعادة تعريف ما هو مقبول وممكن في ممارسة القوة في العلاقات الدولية.
وفق منظور سلامة، لم تُلغَ السيادة رسميًا كما صاغتها المنظومة الوستفالية، لكنها أُفرغت من مضمونها العملي. وما يميز مرحلة ما بعد 2003 هو أن هذا النفاق لم يعد استثناءً، بل أصبح قاعدة تحكم تفاعلات القوى الكبرى، بحيث يتحول التدخل الأحادي إلى أداة نظامية، ويتم ترسيخه تدريجيًا عبر تدرّج شرعنة القوة، من مرحلة البحث عن غطاء مؤسسي أو شرعي إلى مرحلة ممارسة القوة بلا أي غطاء، بما في ذلك في إطار عمليات تغيير النظام المباشر، كما يظهر جليًا في الحالة الفنزويلية الأخيرة.
ضمن هذا الإطار، يُفهم التدخل الأميركي في فنزويلا يوم 3 كانون الثاني/يناير 2026 بوصفه تجليًا متقدمًا لمسار التفكك الدولي، وليس كحادث منفصل أو ظرفي. العملية، التي انتهت باعتقال أو اختطاف رئيس دولة ذات سيادة، لم تُسوَّغ عبر الذرائع الإنسانية الكبرى، ولم تُمرَّر عبر قنوات أممية، ولم تُرفَق بمحاولة بناء توافق دولي، بل جاءت كفعل سيادي مباشر يمارس القوة بذاته، ويطالب الأطراف الأخرى بالتكيّف معه، في انتهاك صريح لكل قواعد السيادة التقليدية، وهو ما يسميه سلامة “تدرّج شرعنة القوة العارية”.
ومن منظور تاريخي، يظهر أن الحدث الفنزويلي ليس معزولًا، بل يشكّل استمرارًا لمسار متجدد بدأ مع العراق عام 2003، حيث شكل الغزو بداية تآكل منظومة القواعد الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، وتسريعًا لانتقال النظام الدولي من منطق الضبط والالتزام بالقواعد إلى منطق الانكشاف والفوضى المنظمة. هنا، يكتسب الانكشاف البنيوي للدول ضعيفة الناظم – مثل العراق وفنزويلا – أهميته النظرية والسياسية، إذ تتحول الدولة، حتى لو كانت مؤسساتها موجودة، إلى ساحة اختبار لممارسات القوة، حيث تصبح هشاشة الدولة أحد أدوات التحكم ضمن منظومة القوة الكبرى، والفوضى السياسية ممارسة استراتيجية بحد ذاتها، بينما يفقد القانون الدولي الكثير من قدرته على ضبط هذه الممارسات.
يتيح هذا الإطار أيضًا قراءة العلاقة بين قوى دولية مختلفة، ليس بوصفها صراعًا صفريًا أو تحالفًا واضحًا، بل كنمط من التواطؤ الضمني، حيث تُمنح كل قوة هامش حركة واسع في مجالها الحيوي مقابل الامتناع عن كسر قواعد غير مكتوبة في مناطق النفوذ الخاصة بالآخر، وهو ما يفسّر سياقات التدخل المباشر وغير المباشر في فنزويلا والشرق الأوسط على حد سواء. وعليه، يتضح أن العمليات الأميركية الأخيرة ليست مجرد اختلال مؤقت في السياسة الخارجية، بل تجليات لتوجه منهجي أوسع يقوم على إعادة تشكيل النظام الدولي وفق مقاييس القوة والسيطرة، سواء على المستوى السياسي أو الأمني أو الاستراتيجي.
السياسة الداخلية الأميركية وخطاب ترامب: من مناهضة التدخل إلى تطبيع القوة
لا يمكن فهم التدخل الأميركي في فنزويلا بمعزل عن السياق الداخلي الذي تتحرك فيه إدارة دونالد ترامب، ولا عن التحولات العميقة التي أصابت الخطاب السياسي الأميركي خلال العقد الأخير. فالمفارقة الأساسية التي تفرض نفسها هنا هي أن هذا التدخل جاء على يد رئيس صعد إلى السلطة بخطاب يندد صراحةً بالتدخلات الخارجية، وبـ”حروب تغيير الأنظمة”، وبالكلفة البشرية والمالية التي تكبدتها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان. غير أن ما جرى في فنزويلا يكشف أن هذا الخطاب لم يكن رفضًا مبدئيًا لاستخدام القوة، بل اعتراضًا انتقائيًا على أشكال معيّنة منها، في سياقات محددة.
يُظهر هذا التحول أن الترامبية، بوصفها ظاهرة سياسية، لا تمثل قطيعة مع السياسات الأميركية السابقة بقدر ما تشكّل إعادة صياغة شعبوية لها. فهي تحتفظ بجوهر المقاربة الواقعية – القسرية في السياسة الخارجية، لكنها تنزع عنها اللغة الليبرالية والمؤسساتية، وتستبدلها بخطاب مباشر، قوماني، وأحيانًا افتراسي، يربط القوة بالمصلحة القومية كما يراها الرئيس ودائرته الضيقة (سيما وزير خارجيته ومستشار الأمن القومي، ماركو روبيو، احد اشد انصار التدخل العسكري المباشر لإسقاط أنظمة يراها معادية في أمريكا اللاتينية). في هذا الإطار، لا يُنظر إلى القانون الدولي أو المؤسسات متعددة الأطراف كقيود شرعية، بل كعوائق إجرائية يمكن تجاوزها حين لا تخدم الهدف السياسي.
يتجلّى هذا المنطق بوضوح في الخطاب المتعدد والمتناقض الذي قدّمه ترامب لتبرير التدخل في فنزويلا. فمن جهة، صوّر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بوصفه مسؤولًا عن مقتل آلاف الأميركيين عبر تسهيل شبكات تهريب المخدرات، والهجرة غير النظامية، والجريمة العابرة للحدود. ومن جهة ثانية، عاد ترامب للحديث عن النفط والطاقة، وعن ضرورة منع التمدد الصيني في أميركا اللاتينية، مستدعيًا مبدأ مونرو بصيغة أمنية هجومية. ومن جهة ثالثة، لجأ إلى خطاب حقوقي–أخلاقي، يندد بالطبيعة الاستبدادية للنظام الفنزويلي، وكأن الإدارة الأميركية تحوّلت فجأة إلى حاملٍ لمشروع ديمقراطي عالمي.
منطق التدخل وحدود إعادة إنتاج الدولة: فنزويلا، ليبيا، العراق
لا تستمد المقارنة بين فنزويلا وليبيا والعراق مشروعيتها من تشابه الأنظمة أو السياقات الظرفية (جميعها كانت أنظمة قمعية فاسدة)، بل من كونها تمثّل ثلاث لحظات متعاقبة في تطور نمط التدخل الخارجي بوصفه أداة لإعادة تشكيل السلطة دون إعادة تأسيس الدولة. فالجامع بينها ليس طبيعة الحكم الذي جرى استهدافه، بل الافتراض الذي حكم التدخلات الثلاث: إمكان الفصل بين إسقاط رأس النظام وبين بقاء الدولة (فنزويلا) أو إعادة إنتاجها لاحقًا (العراق وليبيا).
هذا الافتراض – الذي هيمن على التدخلات الكبرى منذ مطلع القرن الحادي والعشرين – أثبت محدوديته البنيوية. إذ كشفت التجربة أن الدولة ليست جهازًا إداريًا قابلًا لإعادة التركيب التقني بعد “تحقيق الهدف السياسي”، بل هي منظومة شرعية، وناظم جامع للصراع الاجتماعي، وإطار لإدارة التعددية. وعندما يُكسر هذا الإطار، أو يُترك معلقًا، لا يتحول التدخل إلى أداة تغيير، بل إلى عملية تفكيك ممتدة تنتج فراغات سيادية يصعب احتواؤها.
في هذا السياق، تمثل الحالات الثلاث تدرجًا لا في النجاح أو الفشل، بل في مستويات تآكل الدولة:
في العراق، لم يكن الفشل مقتصرًا على إسقاط النظام، بل تجسّد في تفكيك الدولة بوصفها بنية جامعة، ما أطلق عملية إعادة تنظيم للمجتمع على أسس ما دون وطنية: مذهبية، إثنية، مناطقية وعشائرية. ومع هذا التفكيك، صعدت فواعل سياسية ومسلحة حلّت محل الدولة في إنتاج العنف، وإدارة المجال العام، وضبط التوازنات، دون أن تمتلك القدرة أو الرغبة في التحول إلى سلطة دولة.
في ليبيا، جرى إسقاط النظام دون أي تصور نظري للدولة ذاتها. وقد نُفذت العملية عسكريًا من قبل بريطانيا وفرنسا، ضمن إطار «القيادة من الخلف» الأميركية التي نظّر لها باراك أوباما، لكن النتيجة كانت واحدة: تدمير مركز الدولة، وفتح المجال أمام تسييس الهويات المحلية، وإعادة عسكرة البنى القبلية والمناطقية، وتحويلها إلى مصادر مشرعنة لإنتاج سلطة محلية عاجزة عن الاندماج في أي تصور للدولة الحديثة، حتى في صيغها الفيدرالية، إلا بوصفها آلية لتقاسم المغانم وساحة صراع إقليمي ودولي.
أما فنزويلا، فهي لا تزال في المراحل الأولى من هذا المسار. العملية لم تكتمل بعد، وما يزال الشكل النهائي للتدخل غير محسوم. لكن ما ترشح حتى اللحظة – انطلاقًا من التجارب السابقة – يوحي بأننا أمام وضع غير مكتمل: تدخل عسكري مباشر من الجو يستهدف رأس السلطة دون وضوح في مشروع الدولة، ما ينذر بإعادة إنتاج منطق الأزمة بدل حلّها.
من هذا المنظور، لا يعود فشل التدخل الخارجي مسألة أخطاء تنفيذية أو سوء تقدير سياسي، بل تعبيرًا عن قصور نظري عميق في فهم العلاقة بين السلطة والدولة والشرعية.
العراق: استقرار وظيفي غير قابل للاستدامة
يمثل العراق الحالة الأكثر دلالة في هذا السياق، لا لأنه أكثر تعقيدًا من غيره، بل لأنه يكشف حدود “الاستقرار الوظيفي” حين يُفصل عن مشروع دولة وطنية جامعة. فمن الناحية النظرية، يُفترض أن العراق يشكّل نموذجًا لشراكة استراتيجية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة. غير أن ما تبلور فعليًا هو وضع هجين: تحالف أمني مع واشنطن، يوازيه نفوذ إيراني على الفضاء السياسي والأمني، مع عجز داخلي مزمن عن إنتاج دولة جامعة للتعددية.
هذا الوضع ليس توازنًا مستقرًا، بل تناقضًا بنيويًا. فلا يمكن لدولة أن تستمر طويلًا وهي:
جزء من منظومة أمنية أوسع في المنطقة تقودها الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه مندمجة في فلك نفوذ إقليمي منافس، وتفتقر داخليًا إلى مؤسسات قادرة على تنظيم التعددية، وضبط السلاح، وإدارة تداول السلطة.
من منظور نظري، لا تُقاس استدامة الدول بقدرتها على تفادي الانفجار الآني، بل بامتلاكها آليات مؤسسية لإدارة الصراع. والعراق، في صيغته الراهنة، يفتقر إلى هذه الآليات. فالفواعل السياسية والمسلحة التي تشغل الفضاء العام ليست فقط ما دون الدولة، بل هي أيضًا غير قادرة بنيويًا على التحول إلى بديل دولتي. فهي عاجزة عن إنتاج شرعية جامعة، أو تصور وطني لتداول السلطة، أو فضاء عام يُدار بالقانون لا بالقوة.
هنا يتقاطع العراق مجددًا مع ليبيا، لا من حيث الفوضى المفتوحة، بل من حيث تسييس الهويات، وعسكرة البنى التقليدية المحدثة سياسيًا، وتحويل المناطقية إلى مصدر شرعية لإنتاج سلطة محلية منفصلة عن مفهوم الدولة الحديثة. وفي الحالتين، لم يؤدِّ التدخل إلى إعادة بناء الدولة، بل إلى إعادة تعريف السياسة بوصفها صراعًا على الموارد والنفوذ، لا على الشرعية والمؤسسات.
ما بعد التعايش: حتمية الكسر البنيوي
الخطورة النظرية لا تكمن في تعقيد الساحة العراقية، بل في الاعتقاد بإمكانية دوام هذا الوضع وكأنها عملية شراء وقت كما هو شائع اليوم بين العديد من الاوساط السياسية والفصائل المسلحة في العراق. فالتعايش الأميركي الطويل مع فواعل ما دون الدولة لا يؤسس لاستقرار، بل يؤجل لحظة الصدام. وهذه الفواعل ليست متجانسة: بعضها قد يصل إلى درجة من التكيف مع الشروط الأميركية، وبعضها الآخر سيتجاوزها، سواء بدافع أيديولوجي أو صراعي أو إقليمي.
عند هذه النقطة، لا يعود التدخل خيارًا طارئًا، بل نتيجة شبه حتمية لمنطق سابق. وهنا يظهر الخيط الناظم بين الحالات الثلاث: حين يُدار البلد كساحة لا كدولة، يصبح التدخل الخارجي جزءًا من آلية الضبط لا من مشروع البناء، ويتحول “الاستقرار” إلى مرحلة مؤقتة تسبق الانفجار.
العراق، بهذا المعنى، ليس استثناءً ناجيًا، بل حالة مؤجلة. وليبيا ليست فوضى طارئة، بل نتيجة منطقية. وفنزويلا قد تكون – إن استمر المسار نفسه – حلقة جديدة في سلسلة واحدة: سلسلة التدخل دون دولة، والقوة دون شرعية، وإدارة الأزمات بدل بناء النظام السياسي.
أنماط التدخل الأميركي في القرن الحادي والعشرين: من الاستراتيجية إلى إدارة العنف.
إذا ما نُظر إلى التدخل الأميركي في الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة، لا بوصفه سلسلة قرارات ظرفية، بل كنمط متكرر من الممارسة، يتضح أننا أمام منظومة تدخل متعددة الأدوات، لا ترتكز على استراتيجية شاملة لإعادة بناء الدول، بل على إدارة التهديدات وتحييد الخصوم بأدوات متفاوتة الشدة. هذه المنظومة لا تنتج نظامًا سياسيًا مستقرًا، بل تخلق توازنات مؤقتة داخل بيئات هشّة.
يمكن، من منظور تحليلي، تمييز أربعة أنماط رئيسية لهذا التدخل، لا تعمل بالضرورة بشكل منفصل، بل غالبًا ما تتداخل وتتكامل:
أولًا، التدخل غير المباشر عبر وكلاء إقليميين، وفي مقدمتهم إسرائيل. في هذا النمط، تُفوَّض القوة العسكرية إلى حليف قادر على استخدام العنف بكلفة سياسية أقل على واشنطن، مع توفير دعم استخباراتي ولوجستي وتقني واسع. هذا الشكل لا يستهدف إعادة تشكيل الدولة بقدر ما يهدف إلى إضعاف الخصوم، وضرب البنى العسكرية، وإعادة رسم خطوط الردع. غير أن نتائجه – كما في غزة ولبنان – تُظهر أن العنف غير المباشر لا يقل أثرًا عن التدخل المباشر، بل قد يكون أكثر تدميرًا للنسيج الاجتماعي والدولتي.
ثانيًا، الضغط والعقوبات بوصفها أداة إضعاف بنيوي دون إسقاط النظام. هنا لا تُستخدم القوة لإحداث قطيعة سياسية، بل لإبقاء الدولة في حالة إنهاك دائم: اقتصاد منهك، مؤسسات ضعيفة، مجتمع مأزوم. هذا النمط—الذي طُبّق على العراق سابقًا، وعلى إيران وسوريا وفنزويلا لاحقًا—لا ينتج انتقالًا سياسيًا، بل يُطيل أمد الأزمة ويعيد إنتاجها، مع آثار عميقة على الشرعية الاجتماعية للدولة.
ثالثًا، التلويح بالقوة والتعايش القسري مع الفواعل ما دون الدولة. وهو النمط الأبرز في العراق ولبنان. هنا لا تسعى الولايات المتحدة إلى تفكيك هذه الفواعل أو دمجها في دولة قوية، بل إلى احتوائها وضبط سلوكها ضمن خطوط حمراء مرنة. هذا النمط ينتج ما يمكن تسميته بـ “الاستقرار القابل للانفجار”: لا حرب شاملة، ولا دولة مكتملة، بل مجال سياسي مشلول تُدار فيه التوازنات بالقوة لا بالمؤسسات.
رابعًا، التركيز على إيران بوصفها مركز الصراع، انطلاقًا من فرضية أن إضعاف “المركز” يؤدي إلى تآكل “الأذرع”، أو العكس: ضرب الأذرع لإجهاد المركز. غير أن هذا المنطق، كما أظهرت التجربة، لا يُضعف المنظومة الإقليمية بقدر ما يعيد تشكيلها، ويحوّل الدول الضعيفة – كالعراق ولبنان واليمن – إلى ساحات صراع مفتوحة، بدل أن تكون دولًا قابلة للحياة.
ما يجمع هذه الأنماط ليس فعاليتها، بل غياب أفق الدولة عنها جميعًا. فهي أدوات لإدارة الفوضى، لا لإنتاج نظام سياسي مستقر. وهي تعبّر، في جوهرها، عن تحوّل في التفكير الاستراتيجي الأميركي: من بناء الأنظمة إلى إدارة المخاطر، ومن الشرعية إلى الردع، ومن الدولة إلى الساحة.
الدولة، والسيادة في القرن الحادي والعشرين
ما يكشفه التدخل الأميركي في القرن الحادي والعشرين ليس مجرد إخفاقات تكتيكية أو تفاوتًا في النتائج، بل قيدًا منهجيًا على إمكانية إنتاج الدولة كمنظومة شرعية جامعة. القوة، مهما كانت مطلقة، لا تُنتج دولة؛ على العكس، قد تعمّق هشاشتها إذا انفصلت عن مشروع سياسي قادر على تنظيم الاختلاف وضبط العنف وإعادة توزيع السلطة بطريقة شرعية ومستدامة.
في هذا الإطار، العراق يقدّم نموذجًا حيًا لتناقض مزدوج: الولايات المتحدة تبحث عن استقرار وظيفي، أي عراق لا يهدد مصالحها أو مصالح حلفائها، في حين الدولة العراقية نفسها غير قادرة على تحقيق هذا الاستقرار داخليًا، لأنها لا تزال عاجزة عن بناء مؤسسات جامعة للتعددية، وتغيب عنها القدرة على إدارة الصراعات الداخلية والمناطقية بشكل مستقل. هذا الفراغ البنيوي يجعل أي تدخل أميركي محتمل محفوفًا بالارتدادات العكسية، لكنه في الوقت نفسه يؤكد أن الحلول المؤقتة القائمة على القوة وحدها لا يمكن أن تستمر طويلًا.
فنزويلا، من جهتها، تشير إلى نمط جديد من العنف السيادي المعمّم، حيث تتقاطع القدرة العسكرية مع غياب تصور مؤسسي لإعادة إنتاج الدولة، ويصبح الصراع حول السلطة، وليس حول بناء الدولة، المقياس الحاسم للتوازنات الإقليمية والدولية. هذا التحوّل يُظهر أن النظام الدولي لم يعد قادرًا على ضبط القوة الأحادية، وأن السيادة أصبحت متغيرة وفق مصالح القوى الكبرى، لا وفق المبادئ القانونية أو التوافق الدولي.
الدرس المركزي إذن ليس مجرد مقارنة حالات أو سرد أحداث، بل تأمل في طبيعة القوة نفسها وحدودها: القوة التي تُستخدم لإدارة الفوضى، وليس لبناء دولة، تولّد دورة لا تنتهي من هشاشة الدولة والفشل السياسي، مع تحوّل الساحة إلى مسرح للتقاطع بين مصالح محلية وإقليمية ودولية. في هذه القراءة، كل تدخل أميركي – سواء في العراق، فنزويلا، أو أي ساحة لاحقة – يتحرك ضمن قيود بنيوية تحكم علاقة القوة بالدولة، ويعيد طرح السؤال النظري والسياسي ذاته: هل يمكن للسياسة الخارجية أن تنتج دولة قوية ومستقرة، أم أن القوة وحدها ستظل أداة لإدارة هشاشة مستمرة؟