"راسخون" بصفة غير رسمية
صورة أوضح عن المعقب: أشباح تختم ورق الدولة والمحامون خائفون على “الخبزة”
بغداد – ميسون الشاهين
تحاول السلطات العراقية إزالة حلقة المعقبين عن التعاملات الإدارية، عبر “أتمتة” خدمات حكومية مثل الجوازات ومحاكم التنفيذ، لكن جيشاً جراراً من الوسطاء ما يزال يتكدس كـ”الدهون الزائدة” عند المكاتب الحكومية، وفقاً لمسؤولين حكوميين وأعضاء في نقابة المحامين.
ورغم أن الخبراء يرون في نشاط المعقبين “انعكاساً لترهل النظام الإداري واستحكام الروتين”، لكن التنافس بين المحامين وهؤلاء الوسطاء داخل دوائر الدولة يقف وراء أصوات تطالب بإبعادهم عن مكاتب الحكومة.
والمعقب موظف لا يحمل صفة رسمية، يعمل وسيطاً بين المواطنين ودوائر الدولة، وعادة ما تكون مهمته التجول بين المكاتب لجمع التواقيع المطلوبة، بدلاً من صاحب المصلحة، الذي يفضل هذا النوع من الخدمات لتوفير الجهد والوقت.
ويعتقد كثيرون أن وظيفة المعقب، في هذه الحالة، محاولة للتكيف مع روتين الدوائر والحلقات المفرغة من التعاملات الورقية، إلى جانب سلسلة طويلة من التواقيع الرسمية، لهذا تبدو هذه الخدمات مفيدة للمواطنين الذين يدفعون لها مبالغ مالية.
ولا تملك أجهزة الدولة إحصاء دقيقاً لعدد المعقبين الذين ينشطون تقريباً في جميع الوزارات والمؤسسات الحكومية، ويعود ذلك لعمل هؤلاء من دون إطار قانوني، ولا حتى صفة رسمية ضمن الدوائر التي يعقبون معاملاتها.
ووجدت عينة من مراجعي الدوائر، استطلعت شبكة 964 آراءهم، إن “وظيفة المعقب تعفيهم من مراجعة المكاتب الحكومية، وتختصر عليهم الوقت والجهد”، لكن آخرين يعتقدون أن المعقبين جزءً من حلقة الفساد والترهل الإداري.
وقال مراجع، لشبكة 964، إنه “جرّب زيارة دوائر الدولة من أجل معاملة نقل ملكية عقار، كلفته أكثر من 1000 دولار خلال شهر كامل، قبل أن يسلمها لمعقب تقاضى 350 دولار فقط لينجزها في أسبوع واحد”.
وقال المحامي أحمد التميمي، لشبكة 964، إن “المواطن يلجأ إلى المعقب هرباً من روتين المؤسسات الممل، أو بسبب انشغالهم بأعمال أخرى، الأمر الذي يفسح المجال لابتزاز الناس ومساومتهم على إنجاز معاملاتهم بوقت قصير”.
كيف تكون معقباً؟
وقال معقب يعمل في إحدى دوائر المرور، فضّل عدم الكشف عن اسمه، إنه “كان يعمل في مرآب للسيارات في الكاظمية، قبل أن يتفق مع بعض الضباط والمنتسبين على تسهيل أمور المعاملات مقابل مبلغ مالي شهري، ويمارس أعمال التعقيب في دائرتهم”.
وبعد شكاوى نقابة المحامين، اضطر معقب المرور، والعشرات من زملائه لاستصدار وكالة من كاتب العدل قبل إنجاز أي معاملة، بناء على تعليمات من دائرة المرور.
وقال المعقب، لشبكة 964، إن “وكالة كاتب العدل جعلت المعقب بمنزلة الوكيل القانوني لصاحب المصلحة”.
وقد تكون هذه الوكالات لشركات تحتاج إلى معقب ينجز العقود والاتفاقات مع المنظمات أو الدوائر الحكومية، ويجري الأمر على نحو تمنح فيه الشركة المعقب صفة موظف فيها، مع تخويل مسند بوكالة من كاتب العدل.
وأضاف المعقب، أنه “في هذه الحالة، لن يشمل قرار منع دخول الوسطاء والمعقبين أصحاب الوكالات القانونية”.
المعقب VS المحامي
يواجه المعقبون بيئة عدائية داخل أوساط المحاكم، لأن المحامين يجدون في وظيفة الوسيط تجاوزاً على وظيفتهم كخبراء في القانون، ما دفع نقابة المحامين لتقديم شكوى إلى جهاز الأمن الوطني لملاحقة المعقبين وإلقاء القبض عليهم أثناء مراجعتهم دوائر القضاء.
ووجهت نقابة المحامين العراقيين، كتاباً إلى جهاز الأمن الوطني دعت فيه إلى منع “المعقبين والدلّالين” من ممارسة أعمال المحامين في الدوائر الحكومية.
ونشرت النقابة على موقعها الرسمي، خبراً عن “اعتقال 15 معقباً في دوائر بالديوانية وديالى وواسط والمثنى، ضمن حملة لمكافحة هذه الظاهرة”.
ويعتقد المحامي أحمد التميمي، أن “غياب المعقب يزيد فرص عمل المحامين، ويقلل الرشاوى، إذ أن غالبية المعقبين لا يحملون شهادات، وينافسون المحامي المخول بالدخول إلى كافة الدوائر وممارسة عمله”.
جيش من الأشباح
وقال المتحدث باسم وزارة العدل، كامل أمين، لشبكة 964، أن “بعض الموظفين الذين يختلقون عراقيل لا يحلها إلا المعقب، الذي يلجأ إليه المواطنين مضطرين”.
وتزداد حدة الأمر في المؤسسات التي تعتمد النظام الورقي، حيث تزدهر غالبية عمليات التزوير والابتزاز، وفقاً للمتحدث باسم الوزارة.
ووصف المسؤول الحكومي المعقبين بـ”الأشباح”، نظراً لصعوبة ضبطهم، سيما أنهم اليوم ينجزون الأعمال وينسقون الإجراءات عبر الاتصالات، دون التواجد داخل المؤسسات.
وبيّن أمين، لشبكة 964، أنه “لا يوجد قانون ينظم عمل المعقبين، بعكس قانون الدلّالين الذي يخولهم إبرام العقد بين البائع والمشتري، لكن المعقبين يستغلون فكرة التوكيل، ويحصلون على وكالة من الشخص المعني ويتحركون داخل المؤسسات بناء عليها”.
وبحسب المتحدث الحكومي، فإن عدداً من المعقبين يمتلكون أكثر من 20 وكالة، وهو “أمر غير مقبول“.
وقال الخبير القانوني عباس العقابي، لشبكة 964، إن “مهنة المعقب ابتدعها الفساد في غالبية المؤسسات، وشاعت كأنها إجراء رسمي، رغم أن عدداً من الدوائر ترفض تدخل المعقبين، وتطلب الشخص المعني أو وكالة قانونية لمحامي”.
ومنعت وزارة العدل دخول المعقبين في عدد من الدوائر، بعد تطبيق نظام الأتمتة في الجوازات ومحاكم التنفيذ، وفي حال تعميم التجربة، “فلن تكون هناك حاجة للمعقبين على الإطلاق”، وفقاً لمتحدث باسم وزارة العدل.
ويشرف وزير العدل على دائرة التسجيل العقاري بشكل مباشر، نظراً لتواجد أعداد كبيرة من المعقبين، سيما لمعاملات نقل الملكية وتسجيلها، كما يجري الوزير حملة على الموظفين لضبط عمليات الغش في الدائرة، وفقاً لما ذكره المتحدث باسم الوزارة.
وبحسب الخبير القانوني، فإن افتتاح نافذة الجواز الإلكتروني، أثبت عدم شرعية المعقب وغياب الحاجة الحقيقية له، بينما تفضل الدوائر الحكومية التعامل مع المحامين، لتفادي مشكلات التزوير والأخطاء.
وقال العقابي، إن “السندات المزورة التي يقدمها المعقب لا يمكن معالجتها، لأن هوية الوسيط مجهولة ولا ينتمي لأي نقابة أو دائرة رسمية”.
وخلال الشهور الماضية، اعتقلت السلطات معقبين بـ”الجرم المشهود”، لترويج معاملات رسمية بناء على وكالات مزورة، وانتحال صفة محامين.