مقال زانكو أحمد - 964 كردي
ماذا حدث في برلمان الإقليم؟ كيف عاد الحزبان إلى مربع المواجهة؟
بعد 702 يوماً من التعطيل، نجح الحزب الديمقراطي الكردستاني في جمع 52 نائباً وانتخاب رئاسة البرلمان من دون الاتحاد الوطني وحلفائه. خطوة كسرت الجمود السياسي، لكنها فتحت الباب أمام مواجهة جديدة قد تنتقل من أربيل إلى المحكمة الاتحادية في بغداد، وتعيد رسم شروط التفاوض على تشكيل حكومة الإقليم.
أعاد الحزب الديمقراطي الكردستاني، الأربعاء 4 تشرين الثاني 2026، تشغيل برلمان إقليم كردستان بعد 702 يوماً من التعطيل، في خطوة باغت بها غريمه الاتحاد الوطني الكردستاني، ونجح من خلالها في قلب معادلة سياسية ظلت تحكم المفاوضات بين الحزبين منذ انتخابات تشرين الأول 2024.
فبعد أشهر من العجز عن جمع الأغلبية اللازمة لانتخاب رئاسة البرلمان، نجح الحزب الديمقراطي، الذي يمتلك 39 مقعداً من أصل 100، في استقطاب 13 نائباً من كتل وأطراف مختلفة، بينهم نواب انتُخبوا على قوائم الاتحاد الوطني وحركة الجيل الجديد، ليؤمّن حضور 52 نائباً، وهو عدد يكفي لتحقيق النصاب القانوني وعقد الجلسة.
ولم يكتف الحزب بعقد الجلسة، بل مضى إلى انتخاب هيئة رئاسة البرلمان، وحصل مرشحوه الثلاثة على 52 صوتاً لكل منهم، في تصويت كشف أن الحاضرين لم يكونوا مجرد نواب وافقوا على إنهاء التعطيل، بل شكلوا كتلة تصويتية متماسكة في هذه الجلسة.
وبذلك، انتُخبت النائبة فالا فريد رئيسة للبرلمان، ورامي نوري، ممثل المكون المسيحي، نائباً للرئيس، ومنى قهوجي، ممثلة المكون التركماني، أمينة للسر.
لكن الجلسة التي أنهت شللاً مؤسسياً استمر قرابة عامين، قد تكون بداية أزمة سياسية وقانونية جديدة، بعدما قاطعها الاتحاد الوطني وحلفاؤه، وسط توقعات باللجوء إلى المحكمة الاتحادية العليا للطعن في إجراءاتها.
برلمان بلا أغلبية وحكومة بلا اتفاق
تعود جذور الأزمة إلى انتخابات 20 تشرين الأول 2024، التي منحت الحزب الديمقراطي 39 مقعداً، مقابل 23 للاتحاد الوطني، و15 لحركة الجيل الجديد، و7 للاتحاد الإسلامي، و4 لحركة الموقف الوطني، و3 لجماعة العدل الكردستانية، ومقعدين لجبهة الشعب، ومقعداً لكل من حركة التغيير وتحالف إقليم كردستان (الاشتراكي)، إضافة إلى خمسة مقاعد لمكونات الأقليات.
هذه النتائج أبقت الحزب الديمقراطي القوة البرلمانية الأولى، لكنها حرمته من الأغلبية اللازمة لإدارة البرلمان منفرداً، ومنحته في الوقت نفسه أفضلية سياسية في مفاوضات تشكيل الحكومة العاشرة.
ومنذ الجلسة الأولى التي عُقدت في 2 كانون الأول 2024، بقي البرلمان عاجزاً عن انتخاب رئاسته، فيما تحولت المفاوضات بين الحزبين الرئيسيين إلى صراع على توزيع المناصب والصلاحيات في الحكومة المقبلة.
ولم يكن الخلاف محصوراً في الحقائب الوزارية، بل امتد إلى موقعي رئاسة الإقليم ورئاسة الحكومة، وإلى الوزارات السيادية، وفي مقدمتها الداخلية التي بقيت تحت سيطرة الحزب الديمقراطي خلال السنوات الـ21 الماضية.
تحالف الاتحاد الوطني والجيل الجديد
في تموز 2026، بدا أن الاتحاد الوطني نجح في تغيير موازين التفاوض عندما أعلن اتفاقاً مع حركة الجيل الجديد، رفع مجموع مقاعد الطرفين إلى 38 مقعداً، أي أقل بمقعد واحد فقط من الحزب الديمقراطي.
منح هذا التقارب الاتحاد الوطني ورقة تفاوضية جديدة، إذ لم يعد يتحدث بصفته الحزب الثاني الذي يمتلك 23 مقعداً، بل الطرف الذي يقود تحالفاً يقترب حجمه من الحزب الفائز بالمرتبة الأولى.
وفتح الاتفاق الباب أمام مطالب أكبر في توزيع المناصب، بما فيها أحد موقعي رئاسة الإقليم أو رئاسة الحكومة، فضلاً عن حقائب وزارية رئيسية.
لكن الحزب الديمقراطي لم يتعامل مع الاتفاق باعتباره تحولاً نهائياً في موازين القوى، وأطلق عليه وصف “اتفاق السجن”، في إشارة إلى توقيعه بعد أيام من خروج رئيس الجيل الجديد شاسوار عبد الواحد، من السجن في السليمانية.
ومع استمرار الانسداد، بدا أن التحالف الجديد عزز قدرة الاتحاد الوطني على تعطيل التفاهمات، لكنه لم يمنحه أغلبية برلمانية مستقلة تسمح له بفرض تسوية بديلة.
كيف جمع الديمقراطي 52 نائباً؟
جاء التحرك الحاسم مساء الثلاثاء، عندما نشر الموقع الرسمي لبرلمان كردستان إشعاراً باسم رئاسة ديوان البرلمان، يدعو النواب إلى حضور جلسة الأربعاء عند الحادية عشرة صباحاً.
لم تكن الدعوة وحدها كافية لضمان انعقاد الجلسة، لأن الحزب الديمقراطي وحلفاءه التقليديين لم يكونوا يمتلكون العدد المطلوب.
وسارع الاتحاد الوطني إلى إعلان المقاطعة، ودعا القوى التي وصفها بالحريصة على كيان إقليم كردستان، إلى عدم المشاركة.
لكن مع دخول النواب إلى القاعة صباح الأربعاء، اتضح أن الحزب الديمقراطي كان قد أعد ترتيباته مسبقاً، ونجح في استقطاب نواب من كتل متعددة، بعضهم بات يقدم نفسه بصفة مستقل بعد خروجه من صفوف حزبه.
وتوزعت الأصوات الـ52 على النحو التالي:
الحزب الديمقراطي الكردستاني 39
3 كانوا في قائمة الاتحاد الوطني
3 كانوا في قائمة الجيل الجديد
2 كانوا في قائمة الموقف الوطني
1 من جبهة الشعب
1 من تحالف إقليم كردستان (الاشتراكي)
3 من ممثلي المسيحيين والتركمان
المجموع 52
في المقابل، غابت عن جلسة الأربعاء، الكتل الرسمية للاتحاد الوطني والجيل الجديد والاتحاد الإسلامي والموقف الوطني والتغيير، إلى جانب ممثل بابليون والنائب التركماني عن السليمانية، فيما تواصل جماعة العدل مقاطعتها للدورة البرلمانية.
وبسبب غياب النائب الأكبر سناً الذي ترأس الجلسة الأولى، اختار الحاضرون رئيساً مؤقتاً لإدارة الإجراءات، قبل الانتقال إلى التصويت على المرشحين المسجلين سابقاً لرئاسة البرلمان.
وكانت النتيجة لافتة: 52 صوتاً لكل من فالا فريد ورامي نوري ومنى قهوجي، مقابل صفر للمرشحين الغائبين.
وبعد انتخاب هيئة الرئاسة، أخذ أعضاؤها مواقعهم وأعلنوا انتهاء الجلسة.
انتصار برلماني أم بداية مواجهة جديدة؟
حقق الحزب الديمقراطي من خلال هذه الخطوة ثلاثة مكاسب سياسية.
أولها: إنهاء حالة التعطيل التي أبقت البرلمان خارج العمل الفعلي منذ انتخابات 2024.
وثانيها: إثبات قدرته على جمع أغلبية من خارج تحالفاته التقليدية.
وثالثها: إضعاف القيمة التفاوضية لتحالف الاتحاد الوطني والجيل الجديد.
فالاتفاق الذي منح هذين الطرفين 38 مقعداً على الورق، لم يمنع ستة نواب انتُخبوا على قائمتيهما من المشاركة في جلسة قادها الحزب الديمقراطي.
ومع ذلك، لا تعني أغلبية الـ52 بالضرورة وجود تحالف سياسي مستقر يمكن الاعتماد عليه لتشكيل الحكومة. فالنواب الذين اتفقوا على انتخاب رئاسة البرلمان قد لا يتفقون بالضرورة على توزيع الحقائب أو التصويت على حكومة جديدة.
وهنا يكمن الاختبار الحقيقي للحزب الديمقراطي: هل يستطيع تحويل أغلبية الجلسة إلى أغلبية حكم، أم أن ما حدث كان مناورة محدودة لإعادة الاتحاد الوطني إلى طاولة المفاوضات بشروط مختلفة؟
المحكمة الاتحادية تدخل الحسابات
لم يعلن الاتحاد الوطني حتى مساء الأربعاء موقفه النهائي من نتائج الجلسة، لكن الاحتمال الأبرز يتمثل في نقل المواجهة إلى بغداد، عبر الطعن أمام المحكمة الاتحادية العليا.
وسبق للمحكمة أن نظرت في دعاوى تتعلق بشرعية استمرار البرلمان وحكومة الإقليم. وفي 26 تشرين الأول الماضي، ردت دعاوى طالبت بحل الدورة البرلمانية الحالية، فيما أرجأت النظر في دعوى تتعلق بحكومة الإقليم إلى 14 كانون الأول 2026.
وقد يفتح ذلك مساراً قضائياً موازياً للمفاوضات السياسية، خصوصاً إذا قرر الاتحاد الوطني الطعن في قانونية استئناف الجلسة المفتوحة أو إجراءات انتخاب هيئة الرئاسة.
غير أن اللجوء إلى المحكمة لا يعني بالضرورة إبطال الجلسة؛ فذلك يتوقف على الأسس القانونية للطعون وما تقرره المحكمة.
وأمام الحزبين الآن مساران محتملان: تصعيد قانوني وسياسي قد يعيد المؤسسات إلى حالة الشلل، أو استئناف التفاوض على تشكيل الحكومة، وربما إعادة توزيع بعض مواقع رئاسة البرلمان ضمن تسوية أوسع.
نجح الحزب الديمقراطي في كسر احتكار التعطيل، لكنه لم يكسر بعد أزمة تشكيل الحكومة.
أما الاتحاد الوطني، الذي استخدم تحالفه مع الجيل الجديد لتحسين شروط التفاوض، فقد وجد نفسه أمام معادلة جديدة: البرلمان انعقد وانتخب رئاسته من دونه.
وبين أغلبية برلمانية جمعها الحزب الديمقراطي، وتحالف سياسي يتمسك به الاتحاد الوطني، ومحكمة اتحادية قد تصبح ساحة المواجهة التالية، يبقى السؤال الأهم: هل كانت جلسة الأربعاء بداية عودة المؤسسات إلى العمل، أم افتتاح جولة جديدة من الصراع على السلطة في إقليم كردستان؟