توعد بالتصدي للتشريعات "الجنونية"

الكونغرس يخرج من أيدي ترامب.. عامان من الصراعات تنتظره و”الفيتو” سلاحه الأخير

فاز الديمقراطيون بالكونغرس الأميركي بمجلسيه، على حساب الجمهوريين (حزب الرئيس الأميركي دونالد ترامب)، بعد منافسة شرسة، إذ خاضت الولايات المتحدة الأميركية انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، في اقتراع كان يُنظر إليه باعتباره اختباراً سياسياً مهماً للرئيس ترامب وحزبه الجمهوري، وسط معركة على موازين السلطة في واشنطن، ومع إقرار ترامب أن الحرب ضد إيران قد لعبت دوراً في هذه الخسارة، يستعد البيت الأبيض لمرحلة صعبة من الصراعات السياسية خلال العامين المتبقيين من ولايته، توعد فيها ترامب بالتصدي لأي تشريعات “جنونية” قد يرسلها خصومه عبر استخدام حق النقض (الفيتو).

وتنافس المرشحون على مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعداً، و35 مقعداً من أصل 100 في مجلس الشيوخ، إضافة إلى مناصب حكام 36 ولاية.

وحسب النتائج الأولية للانتخابات فقد فاز الديمقراطيون بأغلبية 218 مقعداً مقابل 126 للجمهوريين في مجلس النوّاب مع استمرار فرز الأصوات، فيما حقق الديمقراطيون أغلبية في مجلس الشيوخ بعد فوزهم بـ 53 مقعداً من أصل 100، كما حققوا 24 مقعداً مقابل 13 للجمهوريين في انتخابات حكام الولايات حتى الآن.

وأقر الرئيس ​الأمريكي دونالد ترامب ‌بأن الحرب ضد إيران ​كان لها ​دور في خسارة الجمهوريين ⁠في انتخابات ​التجديد النصفي التي ​جرت أمس الثلاثاء، في وقت يتجه ​فيه الديمقراطيون ​للسيطرة على مجلسي النواب ‌والشيوخ، ⁠ما سيشكل تحدياً لأجندته التشريعية.

وفي مقابلة مع ​قناة ​فوكس ⁠نيوز، قال ترامب ​إن الديمقراطيين ​سيرسلون ⁠إليه تشريعات وصفها بأنها “جنونية”، مضيفاً ⁠أنه ​سيستخدم ​حق النقض ضدها.

ومع تقدم الديمقراطيين تتزايد احتمالات أن يقضي ترامب العامين المتبقيين من ولايته في صراعات مع خصومه السياسيين، بدلاً من استكمال برنامجه التشريعي الذي راهن على تمريره بدعم الأغلبية الجمهورية.

كونغرس يتحول من حليف إلى خصم

أول التحديات يتمثل في احتمال فقدان الجمهوريين السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، أو أحدهما على الأقل، وهو تحول من شأنه تقليص قدرة ترامب على تمرير أولوياته التشريعية، فسيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب تمنحهم سلطة التحكم في جدول أعماله ولجانه، وتتيح لهم تعطيل مشروعات القوانين التي تتطلب موافقته، فضلاً عن توسيع الرقابة على الإدارة، أما خسارة الجمهوريين مجلس الشيوخ، فستكون أشد تأثيراً، نظراً إلى صلاحياته المتعلقة بالمصادقة على التعيينات الحكومية والقضائية، بما فيها قضاة المحكمة العليا، وسيجد ترامب نفسه أمام معادلة سياسية جديدة، يصبح فيها التفاوض مع خصومه ضرورياً لتمرير التشريعات والميزانيات.

تحقيقات تطال الإدارة ومحيط الرئيس

يفتح صعود الديمقراطيين الباب أمام موجة محتملة من التحقيقات البرلمانية في سياسات الإدارة الأميركية، وتشمل الملفات التي قد تخضع للتدقيق التعاملات التجارية المرتبطة بعائلة ترامب، والقرارات المتعلقة بالحرب مع إيران، والعمليات العسكرية الخارجية، إلى جانب قضايا الهجرة واستخدام الصلاحيات الرئاسية، وتمنح رئاسة لجان مجلس النواب الديمقراطيين القدرة على استدعاء مسؤولين وطلب وثائق وعقد جلسات استماع علنية، وقد يتطور الصدام إلى محاولات جديدة لعزل الرئيس، رغم أن إدانته وعزله فعلياً يتطلبان موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ، وهو حاجز دستوري مرتفع.

معارك الميزانية والإنفاق الحكومي

تنتظر الإدارة الأميركية مواجهات صعبة بشأن الإنفاق الفيدرالي والضرائب وتمويل المؤسسات الحكومية، وهي ملفات تحتاج إلى توافق بين البيت الأبيض والكونغرس، وقد يسعى الديمقراطيون إلى استخدام سلطاتهم التشريعية للضغط على ترامب من أجل تعديل أولوياته الاقتصادية، خصوصاً ما يتعلق بالإنفاق العسكري وبرامج الرعاية الصحية والسياسات الضريبية، كما تلوح معارك بشأن سقف الدين وتمويل الحكومة خلال عام 2027، وسط مخاوف من تعثر التوصل إلى اتفاقات بين الطرفين، ويضع ذلك الرئيس أمام خيارين سياسيين مكلفين: تقديم تنازلات لخصومه، أو الدخول في مواجهات قد تؤدي إلى إغلاق مؤسسات حكومية وتعطيل برامج اتحادية.

إيران والسياسة الخارجية تحت المجهر

قد تكون السياسة الخارجية إحدى أبرز ساحات المواجهة المقبلة، خصوصاً مع استمرار تداعيات الحرب مع إيران وارتفاع كلفتها الاقتصادية والعسكرية، وسيحاول الديمقراطيون توسيع الرقابة على القرارات العسكرية والاعتمادات المالية المخصصة للعمليات الخارجية، والمطالبة بمزيد من الشفافية بشأن أهداف الحرب ونتائجها.

ويمتلك الكونغرس أدوات للتأثير في تمويل العمليات العسكرية، كما يستطيع مناقشة قرارات تتعلق بصلاحيات الرئيس في استخدام القوة، غير أن ترامب سيحتفظ بسلطات واسعة في إدارة العلاقات الخارجية وقيادة القوات المسلحة، الأمر الذي يجعل أي تحول جذري في سياسته تجاه إيران أو غيرها من الملفات غير مضمون، وقد تمتد الخلافات إلى العلاقات مع الحلفاء الأوروبيين، والحرب في أوكرانيا، والسياسات الأميركية في الشرق الأوسط.

الاقتصاد.. الاختبار الأصعب لمستقبل ترامب

تضع الانتخابات الاقتصاد مجدداً في مقدمة التحديات التي تواجه الرئيس الأميركي، فقد أظهرت استطلاعات الناخبين أن تكاليف المعيشة وارتفاع الأسعار لعبا دوراً رئيسياً في التصويت، بينما تعرضت سياسات ترامب التجارية، ولا سيما الرسوم الجمركية، لانتقادات متزايدة.

وسيواجه الرئيس ضغوطاً لتحقيق تحسن ملموس في القدرة الشرائية، في وقت قد تصبح فيه خياراته الاقتصادية أكثر تعقيداً بسبب الانقسام السياسي داخل الكونغرس، كما أن استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة وتداعيات المواجهات الخارجية قد يزيد صعوبة استعادة الثقة الاقتصادية قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة.

تصدعات محتملة داخل الحزب الجمهوري

لا تقتصر تداعيات الانتخابات على علاقة ترامب بالديمقراطيين، بل تمتد إلى موقعه داخل الحزب الجمهوري نفسه، فخسارة عدد من المرشحين الذين حظوا بدعمه قد تعيد الجدل بشأن تأثيره في اختيار المرشحين وتحديد الأولويات السياسية للحزب، وقد يجد بعض الجمهوريين، خصوصاً أولئك الذين يستعدون لخوض انتخابات جديدة، مصلحة في إظهار قدر أكبر من الاستقلال عن البيت الأبيض، ومع ذلك، لا تزال قدرة ترامب على التأثير في القاعدة الجمهورية المحافظة عاملاً مهماً، ما يجعل أي محاولة لإعادة رسم علاقة الحزب به عملية سياسية معقدة.

معركة خلافة ترامب تبدأ مبكراً

تفتح نتائج التجديد النصفي الباب أمام مرحلة جديدة داخل الحزب الجمهوري، مع اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2028، فبحكم القيود الدستورية التي تمنع انتخاب الرئيس لأكثر من ولايتين، لن يكون ترامب مؤهلاً للترشح مجدداً، ما يدفع قيادات الحزب إلى الاستعداد لمعركة خلافته، ومن شأن الخسائر الانتخابية أن تزيد النقاش بشأن مستقبل التيار الذي يقوده، وما إذا كان الجمهوريون سيواصلون الاعتماد على برنامجه السياسي، أو يتجهون إلى مراجعة بعض مواقفه لاستعادة الناخبين الذين ابتعدوا عن الحزب، وقد يجد ترامب نفسه أمام منافسة متزايدة على قيادة المرحلة المقبلة، حتى مع احتفاظه بنفوذ واسع داخل الحزب.