مقال جديد من مايكل روبن
أمريكا تتذكر عبد المهدي ليلة 25 – 10 وتسأل عن الزيدي
حذر الباحث الأمريكي مايكل روبين من تكرار رئيس الوزراء علي الزيدي، لمصير حكومة عادل عبد المهدي، وقال إن تنصل حكومة بغداد من وعود نزع سلاح الفصائل وفتح الباب أمام النفوذ الإيراني وارتهانها لنوري المالكي، يضع البلاد على حافة انفجار حراك شعبي جديد يهدد بانهيار المنظومة السياسية برمتها، حسب تعبيره في تقرير نشر في ملتقى الشرق الأوسط، وتابعته شبكة 964.
التقرير كاملاً ترجمته 964:
هل يكرر رئيس وزراء العراق علي الزيدي أخطاء عادل عبد المهدي؟
تعد الانتخابات في العراق حقيقية وتنافسية، وربما يمثل البلد العربي الوحيد الذي لا يملك فيه أحد، سواء من السياسيين أو عامة المواطنين، أدنى فكرة عن هوية رئيس الوزراء المقبل عند التوجه إلى صناديق الاقتراع. غير أن اختيار رأس السلطة التنفيذية يظل مساراً معقداً يستغرق شهوراً طويلة من المفاوضات بين القوى السياسية العراقية وزعمائها المتنفذين غير المنتخبين في كثير من الأحيان.
مضت قرابة ستة أشهر منذ أعلن الإطار التنسيقي، وهو التحالف السياسي الشيعي وصاحب الكتلة البرلمانية الكبرى، تسمية علي الزيدي “مرشح تسوية وتوافق” عقب وصول الفصائل الداعمة للمرشحين التقليديين الأكثر شهرة إلى طريق مسدود. وكلفه رئيس الجمهورية نزار آميدي في مساء ذلك اليوم، قُبيل انقضاء المهلة الدستورية المحددة مباشرة.
كان الزيدي في السادسة عشرة من عمره فقط حين شنت القوات الأمريكية حملة “الصدمة والترويع” على بغداد وأنهت حكم صدام حسين الذي امتد لربع قرن. وُلد نحو 52 في المئة من العراقيين بعد سقوط نظام صدام، في حين ترعرع كثيرون غيرهم، مثل الزيدي، ونضجوا في كنف النظام السياسي الجديد. اتسم الزيدي بالدهاء السياسي، ونسج شبكة علاقات واسعة، وأجاد المناورة وتوظيف منظومة المحسوبيات والزبائنية، فالبلاد لا تزال تصنف ضمن قائمة الدول الأكثر فساداً حول العالم رغم التحسينات المسجلة مؤخراً.
ومثلما اغتنى رجال أعمال من العرب السنّة في عهد صدام، ومثلما يدين العديد من رجال الأعمال الكورد بثرواتهم وعقودهم لنفوذ ودعم زعيم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مسعود بارزاني، بزغ نجم الزيدي بوصفه أحد أبرز وجوه “الأثرياء الجدد” من المكون الشيعي.
امتلك الزيدي وترأس “مجموعة العويس”، وهي تكتل يضم 15 شركة، وكان المقاول الرئيس لبرامج تزويد نظام البطاقة التموينية الحكومية وتأمين الإعاشة والخدمات الغذائية للجيش العراقي. ووجه العديد من أعضاء البرلمان اتهامات بالفساد لتلك المجموعة ولمصرف “الجنوب الإسلامي” الذي أسسه عام 2016. وشغل الزيدي أيضاً منصب رئيس مجلس إدارة شركة “الوطنية القابضة” التي تأسست عام 2017 وتنشط في مجالات الزراعة والعقارات والمصارف وتكنولوجيا المعلومات والإعلام والخدمات اللوجستية والطاقة الشمسية، إلى جانب امتلاكه حصصاً في متاجر “التعاون” وقطاع الخدمات النفطية، ورئاسته لمجلسي إدارة جامعة الشعب ومعهد عشتار للعلوم الطبية.
قامت الفكرة النظرية وراء تكليف الزيدي على قدرته على تقديم وجه جديد ونهج أكثر واقعية وعملية في إدارة المشهد السياسي العراقي. وحظي بدعم البيت الأبيض لسببين رئيسين: أولهما أنه لم يكن نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق المتهم بالفساد والطائفية والذي فرط مراراً بالسيادة العراقية لمصلحة طهران بغية تحقيق مكاسب شخصية. والسبب الثاني تمثل في تعهد الزيدي بالتعامل بجدية وحزم مع مسألة نزع سلاح الفصائل المدعومة من إيران. وجدد الزيدي هذا الالتزام خلال مؤتمره الصحفي المشترك في البيت الأبيض مع الرئيس دونالد ترامب حين صرح: «لا حاجة لوجود أي فصيل مسلح… ونحن نرفض بالمطلق حمل أي جهة للسلاح خارج نطاق سلطة الدولة».
لكن تلك التطلعات لم تتعد كونها أوهاماً ورغبات غير واقعية، فرغم أن الزيدي طُرح مرشحاً لرئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني داخل أروقة الإطار التنسيقي، فإنه يدين بصعوده السياسي وتنامي ثروته لنوري المالكي. وسار الزيدي على نهج أسلافه، مردداً على مسامع الرئيس الأمريكي ما يرغب في سماعه ثم متصرفاً بعكسه تماماً. كما أسهمت مذكرة التفاهم التي أبرمها ترامب مع إيران في تخفيف وطأة الضغوط عن كاهل الزيدي، وأقنعت المالكي وقادة الفصائل الحليفة لطهران، مثل هادي العامري وقيس الخزعلي وقباد طالباني، بقدرتهم على الصمود واحتواء الضغوط الأمريكية حتى زوالها.
ولم يكتف الزيدي بالتنصل من وعوده المتعلقة بكبح جماح منظمة بدر وكتائب حزب الله وعصائب أهل الحق، بل تحول مكتبه بصورة متزايدة إلى أداة لتسهيل توغل إيراني جديد داخل مفاصل الدولة.
وعلى سبيل المثال، تحرك يوسف خلف يوسف، رئيس هيئة المستشارين وممثل الزيدي في منتدى إدارة الإنترنت في العراق، لإلغاء العقود الممنوحة لتحالف شركات “سوبرسيل” و”إنكيدو” و”تيليكور”، وهي الشركات التي تتولى مجتمعة تشييد شبكة الاتصالات العراقية الوحيدة الخالية من المكونات التقنية الصينية أو الوكلاء التجاريين لإيران مثل شركتي “سكوب سكاي” و”إيرثلنك للاتصالات” (التي لا تمت بصلة للشركة الأمريكية المسماة إيرثلنك).
ولا ينحصر الخطر الداهم في عجز الزيدي أو خداعه المتعمد، ولا في تمدد النفوذ الإيراني داخل العاصمة بغداد فحسب، بل يمتد إلى ارتهان الزيدي للمالكي، وهو مسار يضع العراق بأكمله أمام مخاطر جسيمة.
ففي صيف عام 2018، اندلعت احتجاجات عارمة في محافظة البصرة إثر كارثة تلوث مياه الشرب التي أدت إلى نقل 100 ألف شخص إلى المستشفيات وإصابة الآلاف بالتسمم. وبينما يختزل أمريكيون كثر المكون الشيعي في خانة الموالين لطهران، يكنّ قطاع واسع من شيعة العراق العداء للسياسات الإيرانية، وتوجت تلك التظاهرات بإحراق مبنى القنصلية الإيرانية هناك.
وفي تشرين الأول/أكتوبر 2018، صعد عادل عبد المهدي إلى رئاسة الوزراء بعد خمسة أشهر من إجراء الانتخابات. وكان عبد المهدي وجهاً مألوفاً للنظام السياسي، فبلغ السادسة والسبعين من عمره وتولى سابقاً وزارتي النفط والمالية ومنصب نائب رئيس الجمهورية. وبسبب كونه جزءاً أصيلاً من المنظومة السياسية القديمة، لم يمنحه الشارع العراقي أي فترة سماح.
يتمتع العراق بمجتمع متعلم، غير أن جامعاته تخرج أعداداً تفوق قدرة القطاعين الحكومي والخاص على استيعابها وتوفير فرص عمل حقيقية. وفي أيلول/سبتمبر 2019، نظم الخريجون العاطلون عن العمل اعتصامات قوبلت بخراطيم المياه من قبل الأجهزة الأمنية، ليعقبها قرار عبد المهدي بإقالة الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي، القائد البارز في معارك دحر تنظيم داعش والذي كان يحظى بشعبية واسعة. وبلغ الاحتقان الشعبي ذروته في الأول من تشرين الأول/أكتوبر بخروج مسيرات شبابية في بغداد والمحافظات الجنوبية تحت شعار «نريد وطن»، معلنة رفضها للأحزاب الدينية الحاكمة واتهامها بالفساد وتجريد المواطنين من حقوقهم عبر تقاسم المكاسب بين قادة الكتل على حساب الإرادة الشعبية، لتُعرف تلك الحركة باسم “تشرين”.
وجاء رد السلطة دموياً وبطاشاً؛ إذ فتحت قوات أمنية موآلية لطهران الرصاص الحي على الحشود، وقطع عبد المهدي خدمة الإنترنت، وشنت الفصائل المسلحة حملات اختطاف ضد الناشطين. وتحدثت التقارير عن توجه قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني إلى بغداد للإشراف ميدانياً على إدارة عمليات القمع. وهاجم المحتجون القنصليات الإيرانية في كربلاء والنجف، بينما أطلقت قوات الأمن نيرانها في 28 تشرين الثاني/نوفمبر موقعة عشرات القتلى في الناصرية. وفي اليوم التالي، حثت المرجعية الدينية العليا برئاسة آية الله العظمى السيد علي السيستاني عبر خطبة الجمعة مجلس النواب على إعادة النظر في خياراته الداعمة للحكومة، ليعلن عبد المهدي استقالته، وبقي في موقع تصريف الأعمال حتى أيار/مايو 2020، حين تسلم رئيس جهاز المخابرات والناشط المدني السابق مصطفى الكاظمي مهام رئاسة الوزراء.
لكن الكاظمي خيب آمال الناشطين، إذ افتقر للكاريزما، وتورط مكتبه في ملفات فساد، ومنح طهران نفوذاً واسعاً لقاء شراء التهدئة السياسية، ولم ينجز أي إصلاح ملموس. واليوم، يعيد الزيدي تكرار خيبة الأمل ذاتها بتقديمه مصالح المالكي على تطلعات الجماهير الشعبية. ويكمن الخطر في أن المحتجين العراقيين، بعدما صدقوا وعود الإصلاح الزائفة في السابق، لن ينخدعوا مجدداً. وإذا تفجرت حركة تشرينية جديدة، فإنها ستستهدف المنظومة السياسية برمتها، مهددة بانهيار الدولة العراقية وفتح الباب أمام تدخلات القوى الإقليمية المجاورة.
سيمثل المشهد في محصلته عاصفة مدمرة من النيران. ويبقى السؤال المطروح حالياً: هل سيقف ترامب متفرجاً بينما يمارس الزيدي الكذب بحقه ويجني الأرباح من بيع الوقود لمن يشعلون الحرائق؟