كلمة بمنتدى الأمن العالمي

باسم البدري من الدوحة: التحالفات ليست ضمانة مطلقة والعراق يريد التوازن مع الجميع

أكد رئيس جهاز الأمن الوطني باسم البدري، اليوم الثلاثاء (20 تشرين الأول 2026)، أن العراق ماضٍ بفرص سيادته على قراره الأمني عبر حصر وسائل القوة بيد الدولة وترسيخ سلطة القانون، مشيراً خلال كلمته في منتدى الأمن العالمي بالدوحة إلى أن التطورات الراهنة أثبتت أن التحالفات ليست ضمانة مطلقة للأمن، وأوضح البدري أن النهج العراقي يقوم على عدم الانخراط في المحاور المتنافسة وإقامة علاقات متوازنة مع الجميع، داعياً إلى تعزيز التكامل الاقتصادي والتعاون الاستخباري الإقليمي لمنع نشوء الأزمات وتحويل عناصر القوة إلى عوامل استقرار دائم.

وذكر جهاز الأمن الوطني في بيان تلقته شبكة 964 أنه “شارك رئيس جهاز الأمن الوطني العراقي الدكتور باسم البدري في أعمال منتدى الأمن العالمي المنعقد في العاصمة القطرية الدوحة تحت شعار “مستقبل التحالفات”، وبحضور قيادات أمنية ومسؤولين وصنّاع قرار من نحو 100 دولة”.

وأكد البدري، في كلمة ألقاها خلال المنتدى، “أهمية إعادة تقييم التحالفات الدولية في ضوء المتغيرات الراهنة، مشيراً إلى أن التطورات الأخيرة أثبتت أن التحالفات ليست ضمانة مطلقة للأمن، وأن فاعليتها تستند إلى بُعدين أساسيين: أولهما اقتصادي وسياسي يقوم على ترابط المصالح ورفع كلفة الصراع، وثانيهما استراتيجي يرتكز على تنويع الشراكات والتحوّط الاستراتيجي وصون السيادة واستقلال القرار الوطني”.

واستعرض رئيس الجهاز “رؤية العراق القائمة على عدم الانخراط في المحاور المتنافسة، وإقامة علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، إلى جانب حصر وسائل القوة بيد الدولة، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز السيادة الأمنية”.

كما دعا إلى “تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي، وتطوير آليات الإنذار المبكر، والتعاون الأمني والاستخباري، لمنع نشوء الأزمات، وتحويل عناصر القوة إلى عوامل طمأنينة تسهم في تحقيق الأمن والسلام المستدامين”.

نص الكلمة الكاملة في المنتدى لرئيس الجهاز:

يسعدني ان اشارككم هذا الحوار حول مستقبل التحالفات في المنطقة في مرحلة تشهد تحولات استراتيجية عميقة فرضتها الحروب والأزمات المتلاحقة واعادت من خلالها دول المنطقة تقييم خياراتها الأمنية وجدوى تحالفاتها القائمة ومدى قدرتها على توفير الحماية والاستقرار في بيئة دولية وإقليمية تتسم بتزايد عدم اليقين.

لقد أظهرت التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط ان التحالفات على الرغم مما توفره من قدرات وامكانيات إلا انها ليست بالضرورة ضمانة مطلقة للأمن وطرحت هذه التطورات تساؤلات متزايدة بشأن حدود التزامات الشركاء في ظل تباين المصالح ومدى قدرة القوى الكبرى على الاستجابة لمتطلبات أمن شركائها عندما تتعارض الأولويات أو تتغير الحسابات الاستراتيجية.

هذا الواقع يدفعنا إلى طرح سؤال جوهري هل ينبغي ان تقاس فاعلية التحالفات بما توفره من قدرات عسكرية وأمنية فحسب ام بقدرتها أيضاً على تحقيق المصالح الاقتصادية والسياسية وتعزيز القرار وطني ومنع الحروب وبناء السلام.

السيدات والسادة ان تقييم جدوى التحالفات ينبغي ان ينطلق من بعدين متكاملين.

البعد الأول: الجدوى الاقتصادية والسياسية

ان أي تحالف مستدام ينبغي ان يحقق منافع متبادلة وان يسهم في تعزيز التجارة والاستثمار والطاقة والربط الاقتصادي فضلاً عن توفير بيئة سياسية مستقرة تساعد الدول على تحقيق التنمية وحماية مصالح شعوبها وكلما ازدادت المصالح المتبادلة بين الدول أصبحت لديها حوافز أكبر للحفاظ على الاستقرار وارتفعت الكلفة السياسية والاقتصادية للانزلاق نحو الصراع.

ومن هنا فإننا نرى في ترابط المصالح الاقتصادية مدخلاً مهماً لتعزيز الثقة وتقريب المواقف وتوسيع فرص التعاون الإقليمي.

اما البعد الثاني فهو الجدوى الاستراتيجية للتحالفات ويتعلق بمدى اسهامها في تعزيز الأمن الوطني وحماية السيادة وتقوية القدرات الدفاعية وتوفير ضمانات موثوقة للتعامل مع التهديدات والأزمات حيث كشفت التحولات الأخيرة ان الدول باتت أكثر اهتماماً باعادة تقييم علاقاتها الاستراتيجية وتنويع شراكاتها وتوسيع هامش استقلال قرارها بدلاً من الركون إلى افتراضات ثالثة بشأن طبيعة التزامات الحلفاء وقدرتهم على توفير الحماية في جميع الظروف، وفي هذا السياق يمكن ملاحظة توجه متزايد لدى دول الخليج العربي نحو تنويع علاقاتها الدولية وإعادة موازنة شراكاتها مع القوى الكبرى بما فيها الولايات المتحدة وروسيا في اطار ما يمكن وصفه بالتحوط الاستراتيجي وهو توجه يعكس السعي إلى الانتقال من الاعتماد الأمني المفرط على طرف واحد إلى خيارات متعددة أوسع وتحقيق قدراً أكبر من الاستقلال في تقدير المصالح واتخاذ القرار وهذا لا يعني بالضرورة التخلي عن التحالفات القائمة بل إعادة تعريفها على أساس المصالح المتبادلة ووضوح الالتزامات والقدرة على التعامل مع المتغيرات دون ان تتحول الشراكة إلى مصدر إضافي لعدم اليقين.

أصحاب المعالي والسيادة.

نحن في العراق ننطلق من رؤية تقوم على تعزيز الثقة وإقامة أفضل العلاقات مع دول المنطقة والعالم على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وتحقيق المصالح المشتركة، ان نهج العراق يقوم على عدم الانخراط في محاور متنافسة والوقوف على مسافة واحدة من الجميع مع الانفتاح على التعاون والشراكات التي تعزز أمنه الوطني وتدعم استقرار المنطقة ونحن نؤمن بان العلاقات الدولية الناجحة لا تتطلب تطابق المواقف في جميع القضايا بقدر ما تتطلب القدرة على إدارة الاختلافات وبناء الثقة وتحديد المصالح المشتركة وفي هذا الاطار يمضي العراق بثبات وعزم نحو حصر وسائل القوى بيد الدولة وترسيخ سلطة القانون وتعزيز سيادته على قراره الأمني ونحن ننظر إلى هذا المسار باعتباره أساسا لبناء دولة مستقرة وقادرة وعنصراً مهماً في تعزيز ثقة المجتمع الدولي بالعراق وتطوير علاقاته مع شركائه الإقليميين والدوليين، فالدولة التي تحتكر قرار استخدام القوى وتمتلك مؤسسات أمنية فاعلة وتحدد أولوياتها الوطنية الاستقلالية تكون أكثر قدرة على بناء شراكات متوازنة وأكثر استعداداً للمساهمة في تحقيق الأمن الجماعي دون التفريط بسيادتها أو الانجرار إلى صراعات لا تخدم مصالحها ومن هنا فإننا نشجع وندعم الشراكات التي تربط الأمن بالمصالح الاقتصادية وتجعل الاستقرار مسؤولية مشتركة لا مجرد التزام امني بين اطراف محددة.

ان منطقتنا بحاجة إلى توسيع مجالات التعاون في الطاقة والتجارة والنقل والاستثمار وتعزيز الترابط بين اقتصاداتها وتطوير آليات الحوار والتشاور الأمني بما يقلل دوافع الصراع ويجعل الحفاظ على السلام مصلحة ملموسة للجميع، كما ان التحالفات المستقبلية ينبغي ان لا تقتصر على مواجهة التهديدات بعد وقوعها بل ان تسهم في منع نشوءها من خلال الإنذار المبكر والتعاون في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وإدارة الازمات واحتواء التصعيد واحترام سيادة الدول فالتحدي الحقيقي لا يتمثل في بناء ترتيبات أمنية أكثر قوة فحسب بل في بناء بيئة إقليمية تجعل استخدام القوة خياراً مكلفاً وتجعل التعاون والتكامل الاقتصادي أكثر جدوى لجميع الأطراف.

ختاماً.. ان ما تشهده المنطقة اليوم ليس مجرد مراجعة لبعض التحالفات بل هو اختبار أوسع لمفهوم الأمن ذاته، هل يقوم الأمن على الاعتماد على المظلات الخارجية وحدها ام على بناء قدرات أمنية راسخة وشراكات متوازنة ومصالح متبادلة وثقة قادرة على الصمود في أوقات الازمات ونحن نؤمن بان مستقبل المنطقة لا ينبغي ان يبنى على صراع المحاور بل على تلاقي المصالح وان نجاح التحالفات لا يقاس فقط بقدرتها على مواجهة الخصوم وانما بقدرتها على منع الحروب وتعزيز التنمية وصناعة سلام مستدام فالتحالف الأكثر جدوى استراتيجياً ليس بالضرورة الأكثر اعتماداً على القوة بل الأكثر قدرة على تحويل القوة إلى طمأنينة والمصالح إلى شراكات والثقة إلى سلام دائم.