تاريخ ولاية الفقيه وفقه المدنية
10 نقاط تشرح “السيستانية” في الكتاب الممنوع.. علي المدن: أوسع دفاع عن عميد النجف
10 نقاط من الدكتور علي المدن، حول منع جهاز الأمن الوطني لكتاب “تخوم الوعي الديني”، ومقاصده من شرح “الظاهرة السيستانية”. مقال خاص بشبكة 964:
إثر المنع والمصادرة التي طالت كتابي «تخوم الوعي الديني» في معرض بغداد الدولي للكتاب هذا الأسبوع، قرأت كلامًا نُسب إلى الكتاب أو استنتاجات بُنيت على عناوين فهرسته حول المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني، بدت لي، في أحيان كثيرة، على العكس من مراد الكتاب، بل هي مجرد افتراضات لا تمت إلى الواقع بصلة، وتغمط الجهد التحليلي الذي احتواه حقه، والذي أزعم أنه واحد من أوسع ما كُتب عن مرجع النجف وعميد حوزتها.
لن أدخل هنا في سجال مع أحد، وإنما أضع عشر خلاصات تمثل أهم ما قلته، ومن أراد التفصيل والأدلة والسياقات فله متكرماً أن يعود إلى الكتاب نفسه.
1. السيستانية ظاهرة واتجاه وليست مجرد شخص
لم أتعامل مع السيد السيستاني كفقيه أو مرجع عادي له فتاوى ومواقف في بعض الأحداث الأساسية في بلدنا، وإنما حاولت قراءة مجموع هذه المواقف كـ«مدرسة» لها خصائصها في فهم العلاقة بين الدين والدولة والمجتمع. ومن هنا استخدمت تعبير «السيستانية» كتوصيف مفهومي تحليلي، رأيت فيه (= السيستانية) نمطًا قابلًا للبناء عليه وتطويره باتجاه أفق تنويري أوسع وأكثر معاصرة.
2. السيستانية ليست امتدادًا لولاية الفقيه
تجربة السيستاني في العراق ليست نسخة عراقية من النموذج الإيراني. نحن أمام مسار آخر تنتقل فيه الشرعية السياسية من الفقيه إلى المواطن، ومن الشرعية الثورية والدينية إلى الشرعية الانتخابية والدستورية. فالفقيه لا يمنح الدولة مشروعيتها، وإنما تتأسس هذه المشروعية على إرادة المواطنين.
3. الدولة في خطاب السيستانية دولة مدنية لا دينية
لم أجد في خطاب السيستاني دعوة إلى دولة يحكمها رجال الدين، أو إلى إخضاع الناس قسرًا للأحكام الشرعية. بل حضرت «الدولة المدنية» في خطاب المرجعية، مع الاحتفاظ بموقع دستوري لثوابت الإسلام. وهناك فرق جوهري بين حضور الدين في الدولة وتحويل الدولة إلى سلطة دينية.
4. إدارة السياسة من اختصاص المواطنين
السيستانية لا تتعامل مع الموقف السياسي بوصفه حكمًا شرعيًا يجب على المواطن طاعة الفقيه فيه. إدارة السياسة مهمة المواطنين داخل الدولة، أما المرجعية، فدورها في الأصل النصح والإرشاد والدعوة. وهذا من أهم الفروق بين المرجعية الدينية والسلطة السياسية.
5. لغة السيستاني السياسية دبلوماسية أكثر منها فقهية أو ثورية
توقفت في الكتاب عند قاموس السيستاني السياسي. فهو يختلف عن أدبيات الإسلام السياسي المشبعة بمفردات الغرب الاستعماري والمشروع التغريبي والمواجهة الثورية. لغته أكثر دبلوماسية وقانونية، ويستخدم أفعالًا من قبيل: يتحفظ، يقلق، يراقب، يدين، يشجب، يتألم.
وهذا ليس مجرد اختلاف أسلوبي؛ فالسيستاني لا يتحدث في السياسة دائمًا بوصفه فقيهًا يصدر حكمًا ملزمًا، بل بوصفه مرجعية اجتماعية ووطنية تتعامل مع السياسة بما فيها من تدرج ومصالح وتقدير للظروف.
6. السيستاني يحذَّر من السطحية في فهم النص الديني
هذه نقطة أكثر تخصصًا شرحتها في الفصل المتعلق بإشكالية الفقه في الدولة الوطنية. فالسيستاني حاضر إعلاميًا، لكنه قليل الحضور بحثيًا؛ إذ نادرًا ما تُقرأ أبحاثه الأصولية لفهم منهجه.
وقد بينت أن فهم النص عنده ليس عملية مباشرة تبدأ بالرواية وتنتهي بالحكم. فهو ينبه إلى الظروف اللغوية والاجتماعية والتاريخية للنص، ويميز خصوصًا بين «الأخبار التعليمية» التي تتضمن قواعد عامة، و«الأخبار الفتوائية» المرتبطة بظروف السائل وحالته.
ويرى أن إهمال هذه التنبيهات قد يوقع الفقيه في «التفسير بالرأي والسطحية في فهم النصوص الشرعية». ولذلك فليس كل نص جزئي قابلًا للتحويل مباشرة إلى قاعدة عامة عابرة للزمان والمكان. هذه الفكرة، في تقديري، تُحدث تغييرًا كبيرًا في فهم الفقه لو طُبقت عمليًا.
7. بعد 2003: الأمم المتحدة والانتخابات والدستور، لا الاحتلال ولا السلاح
لم يشرعن السيستاني قوات الاحتلال، كما لم يصدر فتوى بالجهاد ضدها. اختار مسارًا ثالثًا: التعامل مع الأمم المتحدة بوصفها منفذًا دوليًا، ثم الدفع نحو الانتخابات والجمعية الوطنية وكتابة الدستور والاستفتاء عليه.
ولهذا رأيت أن المرجعية نقلت مسألة الشرعية من قوة الاحتلال أو السلاح إلى الشرعية الدولية مؤقتًا، ثم إلى الشرعية الوطنية القائمة على إرادة العراقيين.
8. السيستانية أسهمت في بناء الوطنية العراقية داخل المجال الشيعي.
ناقشت انتقال الخطاب الشيعي من الجماعة المذهبية إلى الدولة الوطنية. وفي هذا السياق برزت عند السيستانية مفردات السيادة العراقية، واستقلال القرار، ورفض التدخلات الخارجية، وحصر السلاح بيد الدولة، واحترام الدستور والقانون. ومع الوقت ابتعد خطاب المرجعية أكثر عن لغة المكونات واتجه إلى خطاب وطني جامع.
9. ما أيدته المرجعية في البداية كان توازنًا انتخابيًا أكثر منه محاصصة
لم أنكر أن السيستاني دعم في الانتخابات الأولى توحيد المشاركة الشيعية وقائمة الائتلاف، ولكن بدل أن أفسّر ذلك طائفيًا، قارنت بين نصوص المرجعية نفسها. فهي بررت ذلك بأن العراقيين كانوا أمام أول تجربة انتخابية حرة، وبأن نظام الدائرة الواحدة استدعى توحيد المشاركة «رعايةً للتوازن بين مكونات الشعب العراقي». ومن هنا قلت إن ما كانت تريده في تلك المرحلة أقرب إلى التوازن الناتج عن صناديق الاقتراع منه إلى المحاصصة الثابتة.
والأهم أن المرجعية لم تصرح بالموافقة على المحاصصة، ثم أصبحت صريحة منذ عام 2009 بأن العراق لا يُحكم بأغلبية طائفية أو قومية، وإنما بأغلبية سياسية من مختلف المكونات تتشكل عبر الانتخابات.
10. من أهم مكاسب السيستانية: الفقه يدخل الدولة عبر الدستور لا عبر سلطة الفقيه
قلت إن الدستور هو مركز التفكير السياسي عند السيستاني: حتى الدين يأخذ موقعه في الحياة العامة من خلال الدولة ودستورها. فقد دعم وجود النص الذي يمنع سن قانون يتعارض مع ثوابت الإسلام، كما نص الدستور على «خبراء في الفقه الإسلامي» داخل المحكمة الاتحادية. والدلالة هنا مهمة: الفقه يدخل إلى الدولة من خلال خبرة مؤسساتية دستورية، لا من خلال سلطة فقيه فوق الدولة، وحتى حضور الشريعة في الدستور ليس منحة يمنحها الفقيه للأمة، وإنما اختيار دستوري للأمة نفسها.
ولهذا فالمعادلة التي رأيتها في السيستانية ليست:
الفقيه ← الشريعة ← الدولة
بل:
الأمة ← الدستور ← مؤسسات الدولة
وفي داخل هذا البناء تأخذ القيم الدينية موقعها الذي اختاره المجتمع لنفسه.
هذه، بإيجاز، صورة السيستاني والسيستانية في «تخوم الوعي الديني»:
ليست صورة فقيه معصوم من النقد، ولا رجل دين يسعى للاستيلاء على الدولة، وإنما تجربة مثلت، في قراءتي، انتقالًا مهمًا من شرعية الفقيه إلى شرعية الشعب، ومن الدولة الدينية إلى أفق الدولة المدنية، ومن الجماعة الطائفية إلى الدولة الوطنية، ومن لغة الثورة والحكم الشرعي إلى لغة السياسة والدستور والمؤسسات، ومن القراءة المباشرة للنص إلى وعي أكثر تعقيدًا بشروط فهمه.
السيستاني خارج العراق: اندمجوا في مجتمعاتكم المحلية
أما حضور السيستاني خارج العراق، فقلت إنه يمثل المرجعية الأكثر وعيًا بالشروط المحلية للشيعة، لذا دعاهم إلى الاندماج في مجتمعاتهم المحلية، والتصالح مع دولهم الوطنية. وبذلك أصبح السيستاني في نظرهم «فقيهًا حقوقيًا ديمقراطيًا» أكثر منه صاحب سلطة كهنوتية.
يمكن الاختلاف مع هذه الآراء، بل ويمكن نقدها وتقويضها، لكن على من يريد أن يفعل ذلك، وبالتالي يحاكم الكتاب، أن يستند إلى ما كتبته فيه، لا إلى ما يكتبه الآخرون عنه، ناهيكم عن الترويج للأكاذيب والمغالطات الخالية من المروءة، والمناقضة لما كتبت وحللت في مئات الصفحات.
هذا، ومن أراد زيادة في التفاصيل والنصوص والسياقات التي بنيت عليها هذه القراءة، فليعد إلى كتاب «تخوم الوعي الديني».