"قلعة السوداني تتآكل.. انبشوا إرث المالكي"

خطة بأعصاب باردة لجر الزيدي إلى مصير “أبو رغيف” وقلق من التقارب مع الحنانة

خلف بيانات الدعم الرسمية المعتادة، تشتعل في الغرف المغلقة ببغداد حرب كسر عظم صامتة وعنيفة، كشف تقرير موسع لصحيفة “المدى” عن تفاصيل خطتها “السرية” المصممة لإجهاض حملة رئيس الوزراء علي الزيدي ضد الفساد والسلاح المنفلت بـ”أعصاب باردة” ودون استفزاز الشارع. إذ تحاول مراكز النفوذ التقليدية التي أحست بالخطر نصب “فخ صامت” للزيدي، مشابه تماماً للفخ الذي أسقط لجنة “أبو رغيف” الشهيرة في عهد الكاظمي، عبر إغراق حملته بالاعتراضات القانونية ولجان التحقيق البرلمانية، لتحويل القضية من ملاحقة الفاسدين إلى محاكمة القائمين على الحملة بتهم انتهاك حقوق المعتقلين.

الحكاية بدأت تثير الانتباه جلياً عقب “حملة الفجر” في 28 حزيران الماضي، حين نشر الزيدي الدبابات في المنطقة الخضراء لاعتقال نواب ومسؤولين، وهو مشهد وصفته النائبة سمعية غلاب بأنه يشبه “فيلم أكشن هوليوودي” أهان البرلمان، مما دفع رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي للتوجيه فوراً بتشكيل لجان تحقيق لمعاينة طريقة الاعتقالات، بينما اختار حيدر الملا نبرة دبلوماسية للدفاع عن رئيس كتلته المعتقل مثنى السامرائي مؤكداً أنه “لم يعثر على فلس واحد في منزله”.

التقرير يفكك أيضاً خارطة المواقف السياسية المعقدة، فبينما ترفض بعض الفصائل تسليم سلاحها، حلق طيران مسير مجهول فوق الخضراء كرسالة تحذير خشنة للزيدي، وفي المقابل حرك زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الشارع بوقفات جماهرية وحذر علناً من “محاولة اغتيال” قد تطال الزيدي، وسط قلق “الإطار التنسيقي” من تقارب الرجلين. أما داخل البيت الشيعي، فيبدو نوري المالكي وحزبه الأكثر حماسة للحملة مدافعاً حتى عن استخدام الدبابات، والسبب -كما تكشف القراءات السياسية- هو أن ضربات الزيدي تلتهم حليف المالكي وتلميذه المنشق، رئيس الحكومة السابق محمد شياع السوداني، حيث شملت الاعتقالات 9 مسؤولين من ائتلافه وتسببت في انكماش كتلته البرلمانية من 50 نائباً إلى 23 فقط.

لكن فريق السوداني قرر عدم الاستسلام وشن “هجوماً مرتداً”، حيث يطالب نوابه عبر ممثلهم خالد وليد بفتح ملفات الفساد منذ عام 2003 وحتى 2026، في غمز صريح لسنوات حكم المالكي. وفي الوقت الذي يرى فيه المالكي أن خلو الحملة من رجاله دليل نظافة يدهم، يتدخل رئيس المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية غازي فيصل ليعيد التذكير بأرقام مرعبة من إرث الماضي، مستشهداً بتقارير المحافظ الأسبق للبنك المركزي سنان الشبيبي وتصريحات النائب عادل نوري، حول اختفاء وضياع مبالغ تتراوح بين 360 إلى 600 مليار دولار خلال حكومتي المالكي الأولى والثانية نتيجة سوء الإدارة وغسيل الأموال وغياب الحسابات الختامية، معتبراً أن نبش هذا الملف هو الاختبار الحقيقي لمصداقية الزيدي.

نص تقرير صحيفة المدى، تابعته شبكة 964:

تتحرك خطة “سرية” لإفشال إجراءات رئيس الحكومة علي الزيدي، سواء في ما يتعلق بملف حصر السلاح بيد الدولة أو مكافحة الفساد.

الخطة التي، وفق ما تكشفه مصادر سياسية مطلعة، لا تعلن على المنابر وإنما تنفذ تدريجياً وبأعصاب باردة، دون إثارة غبار أو استفزاز الشارع.

وتعمل الخطة عبر لجان تحقيق، واعتراضات قانونية، وتسريبات سياسية، في محاولة لتحويل الحملة من ملف يلاحق المتهمين إلى ملف يلاحق القائمين عليها.

والأرجح أن المعركة الحقيقية بدأت عندما اقتربت الحملة من مراكز نفوذ تقليدية، مما استدعى إطلاق “الإنذار المتأخر”.

أما الأصوات المؤيدة لإجراءات الزيدي حتى اللحظة، فتحركها – بحسب المصادر ذاتها – دوافع “انتقام سياسي”.

الفخ الصامت.. على خطى “أبو رغيف”

في 28 من حزيران الماضي، أحدث الزيدي صدمة سياسية وعسكرية غير مسبوقة حين نشر الدبابات في المنطقة الخضراء لملاحقة مسؤولين ونواب متهمين بالفساد في ما بات يعرف بـ”حملة الفجر”.

وتشير المصادر لـ”المدى” إلى وجود محاولات حثيثة لجر رئيس الحكومة الحالي إلى ذات الفخ الذي هدم لجنة “أبو رغيف” في عهد حكومة مصطفى الكاظمي، والتي طُوقت آنذاك باتهامات تعذيب المعتقلين حتى أُجهضت.

الاستراتيجية البديلة التي تنفذ اليوم ضد الزيدي تعتمد “التشكيك الهادئ” وفتح “التحقيقات المضادة” لتجنب الصدام المباشر مع الرأي العام المؤيد للحملة.

ولهذا لم يكن مستغرباً أن تبدأ المطالبات البرلمانية بتشكيل لجان تحقيق في أداء القوة المنفذة لعمليات الدهم والاعتقال.

وأعلنت النائبة سمعية غلاب، المنتمية إلى حزب “تقدم”، أن رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي وجّه بتشكيل لجنة للتحقيق في آلية تنفيذ أوامر القبض على النواب، إلى جانب لجنة أخرى للاطلاع على اعترافات وكيل وزارة النفط عدنان الجميلي، وزيارة النواب المعتقلين.

ووصفت غلاب، في مقابلة تلفزيونية، مشاهد الحملة بأنها تشبه “فيلم أكشن هوليوودي”، معتبرة أن ما جرى شكل “إهانة” لمجلس النواب، وأن أسلوب التنفيذ كان “خاطئاً ومرفوضاً”.

وعلى الضفة الأخرى، التزم حيدر الملا، القيادي في تحالف “عزم”، نبرة أكثر دبلوماسية في الدفاع عن رئيس كتلته المعتقل مثنى السمرائي.

وأكد أن للتحالف ملاحظات على طريقة الاعتقال، مفضلاً طرحها أمام الجهات المعنية بعيداً عن الإعلام، مشدداً على أنه “لم يعثر على فلس واحد في منزل السامرائي”.

وبعد أسبوعين صاخبين من بدء الزيدي حملته المزدوجة لتفكيك سلاح الفصائل وملاحقة حلفائها في شبكات الفساد، تشهد الحملة نوعاً من الفتور مقارنة بالاندفاعة الأولى. فلم تسجل أي عملية تسليم علنية للسلاح من قبل الفصائل الكبرى، باستثناء عناصر “التيار الصدري”.

وقبل أسبوعين، حلقت طائرة مسيرة مجهولة فوق أجواء المنطقة الخضراء، فيما عده محللون أولى رسائل التحذير الخشنة ضد إجراءات الزيدي.

وحتى الساعة، لا تزال الفصائل الأكبر، والتي يعتقد بارتباطها العقائدي واللوجستي بالحرس الثوري الإيراني، ترفض رفضاً قاطعاً مبدأ تسليم السلاح تحت أي ظرف.

ماذا يجري داخل البيت الشيعي؟

حتى الآن، لم يخرج أي طرف داخل “الإطار التنسيقي” ليعلن معارضته الصريحة لإجراءات علي الزيدي. بل على العكس، تكررت بيانات الدعم الرسمية، وكان آخرها الاجتماع الذي عقد في منزل هادي العامري.

غير أن ما يقال في الغرف المغلقة، بحسب مصادر سياسية، يختلف عن البيانات الرسمية.

ويقول الباحث والأكاديمي محمد نعناع لـ (المدى)، إن الإطار التنسيقي “لا يستطيع إعلان رفضه للإجراءات بصورة مباشرة، لأن المزاج الشعبي يقف مع مكافحة الفساد وحصر السلاح”، مضيفًا أن أي اعتراض علني سيفسر على أنه دفاع عن الفاسدين أو عن الجماعات المسلحة، وهو ثمن سياسي لا ترغب أي جهة في دفعه.

لهذا، انتقل النقاش من رفض الحملة إلى مناقشة تفاصيلها: من يعتقل؟ وكيف تنفذ المداهمات؟ وهل يجري اختيار الأهداف وفق معايير قضائية أم وفق اعتبارات سياسية؟

تحذير الصدر

وسط هذا المشهد، بدا موقف زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الأكثر إثارة للانتباه.

ففي وقت التزم معظم قادة الإطار لغة البيانات التقليدية، اختار الصدر لغة التحذير المباشر، حين تحدث عن احتمال تعرض الزيدي لمحاولة اغتيال، ودعا إلى عدم المساس به.

لم تكن الرسالة موجهة إلى الحكومة وحدها، بل إلى القوى السياسية أيضاً. فالرجل أوحى بأن الخطر لم يعد يقتصر على إفشال الإجراءات، وإنما قد يمتد إلى استهداف صاحبها إذا تجاوز خطوطاً حمراء داخل منظومة النفوذ.

ولم يكتف الصدر بالتحذير، بل دفع أنصاره إلى تنظيم وقفات جماهيرية موحدة في بغداد والمحافظات دعماً لما وصفه بـ”جندي الإصلاح” علي الزيدي، مؤكداً ضرورة استمرار حملة المداهمات التي “أرعبت الكثير في الداخل والخارج”، بحسب وصفه.

ويرى سياسيون أن عودة الصدر إلى الواجهة لم تكن وليدة هذه التطورات فقط.

وتؤكد مصادر سياسية أن قنوات التواصل بينه وبين الزيدي بدأت قبل تشكيل الحكومة، وأن هذا التقارب يثير قلقاً داخل أوساط الإطار التنسيقي، التي تخشى أن يتحول إلى تفاهم سياسي يمنح الصدر نفوذًا غير مباشر داخل السلطة، من دون أن يشارك فيها رسميًا.

دبابات المالكي والحكيم!

على الضفة الأخرى، بدا نوري المالكي أكثر حماسة من كثيرين في الدفاع عن “حملة الفجر”.

فالرجل لم يكتفِ بتأييد الإجراءات، بل دافع أيضاً عن أكثر تفاصيلها إثارة للجدل، وفي مقدمتها استخدام الدبابات داخل المنطقة الخضراء، وهو المشهد الذي استحضر لدى زعماء شيعة ذاكرة الانقلابات العسكرية.

وفي مقابلة تلفزيونية، قال المالكي إن تحريك الدبابات “لم يكن استعداداً لمعركة، بل رسالة جدية واستعداد، وهذا هو المطلوب”.

ويكشف هذا الموقف، بحسب أوساط سياسية، عن قراءة مختلفة للحملة.

فالمالكي يبدو مقتنعاً بأن استعراض القوة كان ضرورياً لإثبات هيبة الدولة، فيما رأى خصومه أن الرسالة حملت مخاطر سياسية أكثر مما حملت منافع أمنية.

في المقابل، اختار عمار الحكيم أن يوجه انتقاده إلى الوسائل لا إلى الأهداف.

فقد أعلن صراحة رفضه استخدام الدبابات في تنفيذ أوامر القبض، معتبراً أن الدولة لا تحتاج إلى الآليات العسكرية لاعتقال أي شخصية سياسية، لأن القانون يفترض براءة المتهم حتى تثبت إدانته عبر القضاء.

حرب قديمة بثوب جديد

لكن خلف كل هذه المواقف، تبدو المنافسة بين نوري المالكي ومحمد شياع السوداني حاضرة بقوة.

قال المالكي في المقابلة الأخيرة، إن الفساد اليوم تحول إلى “فرهود صريح” وانفجر بشكل خطير في الحكومة السابقة، حكومة محمد شياع السوداني.

وتؤكد القراءات السياسية أن دعم المالكي الشرس للحملة يأتي لكونها تضرب مباشرة مفاصل فريق رئيس الحكومة السابق محمد شياع السوداني.

واتضح ذلك في تآكل كتلة السوداني البرلمانية، إذ انشق عن الائتلاف نواب ليتراجع من 50 نائبًا إلى 23 نائبًا فقط.

وشملت قائمة المعتقلين الـ15 في “حملة الفجر” 9 مسؤولين من ائتلاف السوداني.

وينظر إلى ما يحدث كفصل جديد من فصول “تصفية الحسابات” القديمة بين المالكي وتلميذه المنشق السوداني، وهي الخصومة التي بدأت منذ تولي الأخير السلطة عام 2022 على مضض من المالكي، وتعمقت مع “تمرد” السوداني بتشكيل تحالف سياسي مستقل وخوض الانتخابات.

الدفاع بالهجوم المرتد: ملفات 2003 – 2026

في المقابل، يرفض فريق السوداني الاستسلام، حيث يطالب نوابه بفتح جميع ملفات الفساد منذ عام 2003 صعودًا، في غمز واضح لحكومتي المالكي السابقتين.

ويقول خالد وليد، عضو “الإعمار والتنمية” بزعامة السوداني، إن ما يحدث “لا نعدّه حتى الآن استهدافًا سياسيًا”، لكنه يكشف أن ممثلي الائتلاف طالبوا بتوسيع الحملة لتشمل جميع الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003 وحتى عام 2026، وعدم الاكتفاء بمرحلة أو فريق سياسي بعينه.

ويضيف لـ (المدى) أن أي حملة تستثني مرحلة دون أخرى ستفقد جزءًا من مصداقيتها، لأن الفساد، بحسب تعبيره، لم يكن حكرًا على حكومة واحدة، بل تراكم عبر سنوات طويلة، وإن اختلفت أحجامه ومسؤولياته.

ويتمسك أنصار السوداني بأن حكومته، رغم ما واجهته من ضغوط سياسية، اتخذت خطوات للحد من الفساد، من بينها إحالة مسؤولين كبار إلى هيئة النزاهة، وإعفاء عدد من أصحاب الدرجات الخاصة بعد مراجعة أدائهم، فضلًا عن تنفيذ مشروع أتمتة النظام المالي، وتشديد الرقابة على التحويلات الخارجية، وهي إجراءات يقولون إنها أسهمت في تقليص تهريب العملة والأموال إلى الخارج.

كما يشيرون إلى أن السوداني اصطدم، خلال فترة رئاسته للحكومة، برفض قوى سياسية استبدال بعض الوزراء الذين كانت تدور حولهم شبهات فساد، وأن الذهاب أبعد من ذلك كان ينذر بأزمة سياسية تهدد بقاء الحكومة نفسها.

أرقام مرعبة من إرث الماضي

ويرفض نوري المالكي الإيحاء بأن عدم ظهور شخصيات بارزة من حزبه في حملة الاعتقالات دليل على وجود حماية سياسية، ويعتبر أن ذلك يعكس ببساطة عدم تورطها في ملفات الفساد التي تحقق فيها السلطات حاليًا.

لكن هذا التفسير لا يحظى بإجماع داخل الأوساط السياسية والأكاديمية.

ويقول غازي فيصل، رئيس المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، لـ (المدى)، إن أي حملة جادة لاستعادة الأموال المنهوبة لا يمكن أن تتجاوز سنوات حكم المالكي، بالنظر إلى حجم الأموال التي أُنفقت خلالها، وما أثير بشأنها من تساؤلات لم تُحسم حتى اليوم.

ويستشهد فيصل بتصريحات النائب السابق عادل نوري، الذي تحدث في أكثر من مناسبة عن اختفاء ما يقارب 600 مليار دولار خلال حكومتي المالكي الأولى والثانية، فضلًا عما أورده محافظ البنك المركزي الأسبق سنان الشبيبي في تقارير نشرت عام 2012 ومواقف علنية حول الهدر المالي، وهي أرقام قالت جهات رقابية دولية إنها تستحق تحقيقاً شاملاً.

ويضيف أن القضية لا تتعلق بالأرقام وحدها، بل بمصير هذه الأموال: أين ذهبت؟ وكيف أُنفقت؟ وما حجم ما تحول منها إلى استثمارات داخل العراق أو خارجه؟ وهل تسرب جزء منها إلى شبكات مالية أو شركات مرتبطة بقوى نافذة داخل البلاد وخارجها؟

وتبقى هذه الأسئلة، برأي فيصل، جزءًا من الاختبار الحقيقي لأي مشروع يرفع شعار مكافحة الفساد.

وتتراوح التقديرات لحجم الأموال التي فقدها العراق بسبب الفساد في حكومتي المالكي، بين نحو 360 مليار دولار وأكثر من 600 مليار دولار، نتيجة الفساد وسوء الإدارة وغسل الأموال وغياب الحسابات الختامية لسنوات طويلة.