أحد أكثر النصوص غرابةً يصف طقساً لمواجهة السحر والشعوذة، يُرجَّح أنه كان مخصصًا لحماية ملك آشوري. أُسامة شكير محمد أمين عبر ويكيميديا كومنز
وثائق رافدينية مهملة منذ قرن
حاكم العراق يحرق الحاسدين أمام الكاهن الأعظم وهناك فواتير بيرة.. اكتشاف دنماركي
ما زالت هناك الكثير من ألواح الطين العراقية، محفوظة منذ عقود طويلة في مخازن أحد متاحف الدنمارك، وهي تكشف اليوم شيئاً فشيئاً عن أسرارها، حسب مادة طريفة نشرها كليمان بورسّان في موقع سالت الدنماركي، فقد اكتشف علماء الآثار هناك، طقوساً وشعائر غامضة لمقاومة السحر والشعوذة. ومن بين أكثر النصوص إثارة للدهشة، لوحٌ يصف بالتفصيل مراسم لمواجهة أعمال السحر، يُرجَّح أنها كانت تهدف إلى حماية أحد الملوك العراقيين، عبر صناعة تماثيل من الشمع يجري حرقها وسط تلاوة أذكار معينة من قبل الكاهن الأكبر، إلى جانب نص آخر يسجل قائمة ملوك طويلة تصل إلى جلجامش، وفواتير لبيع الجعة والكحول.
100 عام في أرشيف الدنمارك
فمنذ أكثر من قرن، بقيت آلاف الألواح الطينية القادمة من بلاد الرافدين – ويعود عمر بعضها إلى أكثر من أربعة آلاف سنة – راقدة في مخازن متحف الدنمارك الوطني، تنتظر من يعيد فك رموزها. وقد نُقشت هذه الألواح بلغات اندثرت منذ زمن بعيد، لكنها بدأت اليوم تستعيد صوتها، وما ترويه يبدو أحيانًا بالغ الغرابة: فقد عثر الباحثون فيها على طقوس سحرية عجيبة… إلى جانب إيصالات لشراء الجعة.
وتُعدّ هذه القطع جزءًا من مجموعة متحف الدنمارك الوطني، الذي يحتفظ بنصوص مسمارية تعود إلى أقدم حضارات ما بين النهرين التي امتدت أساسا على الأراضي العراقية وباتجاه سوريا غربا وعيلام وايران الغربية شرقا. وبفضل مشروع أطلقته جامعة كوبنهاغن تحت عنوان “الكنوز المخفية” (Hidden Treasures)، جرى رقمنة هذه الألواح والعمل تدريجياً على فك رموزها، بحسب ما أورده موقع Popular Mechanics .
ومن بين أكثر القطع إثارة للاهتمام ألواح تم العثور عليها قرب مدينة حماة السورية، التي دمّرها الآشوريون سنة 720 قبل الميلاد. وتكشف هذه النصوص، التي يعود عمرها إلى نحو ثلاثة آلاف عام، عن تداخل مدهش بين الطب والسحر، ويرجّح الباحثون أنها كانت محفوظة داخل مكتبة تابعة لأحد المعابد.
تعاويذ وطقوس وتماثيل
تصف بعض هذه الألواح طقوساً هدفت إلى درء النحس وطرد الشرور. ويُفصّل أحد النصوص، على نحو خاص، مراسم لمواجهة السحر، يُعتقد أنها كانت تُقام لحماية ملك آشوري قلق على سلطته. وخلال ليلة كاملة، كان طارد الأرواح أو الكاهن المختص يتلو تعاويذ وابتهالات، فيما تُحرق تماثيل صغيرة مصنوعة من الشمع والطين لإبعاد الأخطار والعيون الحسودة، ولا سيما التهديدات السياسية.
كما تتناول ألواح أخرى أسماء الملوك، في منطقة تتداخل فيها الوقائع التاريخية بالأسطورة. ويعرض أحد النصوص قائمة ملوك تعود إلى أواخر الألفية الثالثة قبل الميلاد، ويذكر فيها حتى جلجامش، البطل الأسطوري الشهير في الملحمة الرافدية المعروفة. ويرى الباحثون في ذلك مؤشرًا مثيرًا للاهتمام، يؤكد بأن الشخصية الأسطورية ربما استندت إلى شخص (عاهل) حقيقي عاش بالفعل.
إيصالات الجعة والكحول العراقية
لكن هذه الأراشيف القديمة لا تنحصر في السحر والأساطير. فهي تضم أيضًا وثائق شديدة الواقعية: مراسلات إدارية بين حكّام محليين وملوك آشوريين، وسجلات ممتلكات، ولوائح بأسماء العاملين والخدم. وبعبارة أخرى، فإنها تكشف تفاصيل الحياة اليومية لحضارة تعود إلى آلاف السنين.
وفي خضم هذه الشذرات التاريخية، برزت مفاجأة أكثر بساطة وواقعية: لوح يبدو أشبه بإيصال لشراء الجعة، في تذكير طريف بأن بعض الانشغالات البشرية لم تتغير كثيرًا، حتى منذ فجر الكتابة الأول!