د . عبد الهادي التميمي

الكرد: العبور فوق حبر الخريطة.. وألغامها

لم ينجح أحد في عاصمتي الإقليم الكردي العراقي أربيل والسليمانية وخارجهما، في إقناع مسعود بارزاني بالتراجع عن قرار الاستفتاء على الدولة الكردية – أيلول سبتمبر 2017 – حتى بعض المقربين منه حاولوا.
دونالد ترامب كان في ذلك الحين منهمكاً بولايته الأولى، بعث رسائل غاضبة حول الاستفتاء.
كان بارزاني قد وضع على طاولة مستشاريه خريطة رُسمت فوق تضاريسها بالحبر الأحمر، حدود.. كانت ثمة خرائط عديدة، في غالبها رسمتها رغبات وافتراضات وحسابات واتفاقات ومنازعات غير محسومة.

لكن بارزاني كان منشغلاً بفكرة ما: “داعش” الذي ما زال متمترساً في المدن السنية ويواجه مصيراً محتوماً على يد تحالف أممي، قد وضع خريطة تخصه أو تخص سنة العراق وقد تُستخرج يوم تزاحم الخرائط.

ربما سيهزم التاريخ لو لم يفعلها كردي يتجاوز البروتوكولات والضغوط والحسابات ويتقمص سرواله وحزامه وعمامة رأسه ليمضي رافضاً طلبات من قادة حول العالم، باستثناء كركوك.

لم يتحدث بارزاني كثيراً بعدها عن الاستفتاء وما تبعه. كانت مهمة خاصة استعد لتحمل تكلفتها، تجاوزها بصبر، وأحياناً بحزن لم يفارق ملامحه السبعينية منذ ذلك التوقيت.
قال أحدهم لترامب حينها مختصراً: “زعيم قومي عنيد”.

“رجل دين عنيد” هكذا وصف ترامب علي خامنئي بعد قرابة عقد، وهو يعلن عن اغتيال مرشد إيران في أولى ساعات الحرب التي كان قد وضع شعاراً عريضاً لها : “استسلام كامل وغير مشروط” قبل أن يعدله بين تصريح وآخر.
مُحتمل أن بين قيادات إيران من حاول الحديث إلى المرشد عن الاستسلام، لكن المؤكد أن خامنئي قد عرف مبكراً أن الجمهورية التي قادها اربعة عقود، ردمت كل طرق العودة بتلك الصخور الفائضة من أنفاق الصواريخ والمسيرات.

لكن بارزاني لم يكن خامنئي، فلم يسع زعيم الكرد سوى إلى خريطة يمكن أن يستخرجها أحدهم في مفاوضات قادمة حول عوارض حدودية لأمة طحنتها الخرائط. أما زعيم الولاية فإن وديعة أسراره أن يمحو الخرائط من حوله، حيث بالإمكان استعادة درس الشاهنامة الأول من أبي مسلم الخراساني إلى الثورة الإسلامية.
ولهذا ربما يدرك بارزاني أكثر من غيره فداحة اللحظة الإيرانية، يراها زلزالاً خطراً كلما افترضها بعض الحالمين فرصة متاحة.
عندما اتصل به ترامب بعد أيام من الحرب للحديث عن “كرد إيران” لم يتطرق إلى ما حدث أخيراً مع “قسد”، يوم انشغل أهل أربيل بوجوم ملامح زعيمهم في الصورة الشهيرة مع توم براك ومظلوم عبدي، لكنه في الغالب كان مشغولاً بما هو أكثر خطورة.

ثمة شيء في الهامش يجمع ترامب وبارزاني، فالأول يمكن أن يقاطع تصريحات الحرب والصواريخ القاتلة وهلع القنابل النووية، من أجل الحديث عن روعة قاعة الرقص الجديدة التي شيدها في البيت الأبيض بستائرها الذهبية الساطعة. والثاني قد يقاطع ضيوفه أيضاً لكن ليفتح ستارة مكتبه في جبل صلاح الدين ويشير إلى مكان في الوادي هناك، حيث وصلت مدافع الحرس الثوري في التسعينات من القرن العشرين ممتطية بغال الاختلاف الكردي الجامحة.

لم يتحمس كرد العراق لدعوات دعم ثورة كردية جديدة في إيران خلال الحرب، الأمر لا يقاس بحسابات وجدها رجل استخبارات ومن خلفه برنامج ذكاء اصطناعي، ممكنة ومعقولة. قد تغفل برامج (إيه آي) عن الكثير في هذه المرحلة العمرية من حياتها، ما لا يغفله سكان مدن الكرد الإيرانية الغارقة بالدم منذ آخر انتفاضة دامية قبل أسابيع، والتي سبقتها وسبقتها، حيث ينساب القلق المرعب من مزاريب المنازل القديمة، وتتسلل الشكوك من شقوق جدرانها.

يسهل على سياسي متحمس بعد أن يقرأ عن ذلك الكردي الذي ليس له صديق سوى الجبل، أن يهتف لحدود يمكنها أن تنتزع نفسها بنفسها من حقل ألغام الشرق الأوسط، ولكن يصعب عليه أن يدرك حقيقة أن الجبل أكثر تعقيداً من قصيدة.

على سفحي الجبل، يمكن ببساطة إدراك أن كردستان إيران مرآة عاكسة لكردستان العراق. ليس في الجغرافيا واللغة والتركيبة الاجتماعية والثقافية فقط، بل في توزيع الأحزاب، “البارتي” و”اليكتي” و”بكك” وربما “كوران” و”الجيل الجديد” أيضاً. تعاملت إيران معهم أو حاربتهم، دعمت بعضهم أحياناً، وانقلبت وأعدمت بعضهم في ساحات سنندج، وليس من باب تزوير التاريخ القول إن الجمهورية الإسلامية وضعت الورقة الكردية الإيرانية طوال عقود في حيز الإدارة السياسية لكل تعقيدات مشروعها المتداخلة في المنطقة.
للجبل نفسه أسرار من مئات الممرات والمعابر والأنفاق والكهوف، عمرها من عمر الكرد أنفسهم واستخداماتها بأولوياتهم وأزمانهم من “قجق” الدخان والبضائع إلى الأسلحة إلى المدافع.
إيران تدرك وهي لا تتوقف عن اتهام أربيل بتسلل المعارضين الكرد، بأن تلك الحدود لا يمكن السيطرة عليها أبداً، وأن الحرس الثوري نفسه تداخل لسنوات في لعبة الحدود المخرومة تلك ليس لتسريب مقاتلين وأسلحة عندما يكون السلاح شاجوراً للسياسة فقط، بل لتأمين خطوط نقل التطرف وارتكاباته الهائلة لسنوات بين أفغانستان والعراق وسوريا.
يفهم الكرد جيداً أن المسيرات والصواريخ التي لا تتوقف اليوم عن استهداف مدنهم هي رسائل إلى المدن الكردية في ايران  قبل أن تكون إلى أربيل والسليمانية وللقنصلية وحقول الطاقة والغاز.
وهي رسائل من عارف، فالإيراني يدرك قبل سواه أن سلطات الإقليم العراقي لن يمكنها فعل الكثير، في حال اختار كرد إيران شق طريقهم بالفعل، لن تتمكن من تغيير مسارهم، لن تتمكن من إيقاف مقاتلين عبر مثلث الأرض الحرام الذي يمتد إلى عمق إيران تحت حراسة “الحرس” أحياناً، كما لن تتمكن من صنع ثورة في غير ميعادها، ولا يمكن لترامب أن يفعل ذلك.

لم تطرق الجمهورية الإسلامية في إيران بثيمة الصبر الفارسية المعتقة، أبواب الكرد رافعة يافطة “أمة عربية واحدة” كما فعل البعثيون في سوريا والعراق، ولا شعار الأمة التركية كما فعل أتاتورك، كان ارتفاع المد القومي في المنطقة قد رفع المد القومي الكردي بدوره، لكن إيران اتخذت منحى آخر، صبرت نصف قرن لتحدث اختراقاً ما، من مشترك الإسلام سنياً كان أم شيعياً، وهي مستعدة للصبر نصف قرن جديد.
لكن الأمر لا ينجح كثيراً على أية حال، فكردستان إيران لم تنسجم، ولهذا توجهت إليها الأنظار لتحمل السكين الأول في مأدبة تقسيم إيران.
ومع هذا ما زال الأمر معقداً:

*لم تعد أميركا هي أميركا. فقدت الكثير من هيبتها لدى أقرب حلفائها عندما تخلت عن التزاماتها في مناسبات عديدة.
*لم تعد إيران كما كانت، ففي لحظة ضعفها هي مستعدة لتفخيخ نفسها والإقليم والعقائد بأكملها.
*لم يعد الكرد كما كانوا، غادروا تباعاً منهج الثورات المسلحة، واعتنقوا التفاعلات الجيوسياسية الدولية.
*لم يعد العالم كما كان، فلم تعد القضايا العادلة عادلة تماماً، تقهقرت الديمقراطية منذ بزوغ الثورة التكنولوجية.

سيتطلب الأمر وقتاً لفهم لماذا لم ينتهز كرد إيران فرصتهم؟ لم تكن فرصتهم على أية حال. ربما للمرة الأولى اختاروا أن لا ينظر إليهم العالم كمقاتلين يمكن التلاعب بخياراتهم، بل كأصحاب تجربة تنحت في الجبل لتنتزع الاحترام قبل الاعتراف من الفرس والعرب والترك.
هل أهدروا خريطتهم الايرانية؟ بل خطوها للتو بالاستفتاء على الصبر.