"تخيلوا ما يحدث إذا عادت الأموال"

الجولاني وداعش مثل الجمهوري والديمقراطي.. هيوا عثمان يحذر من “وهم الاستقرار”

التركيز الغربي في سوريا على فرض الاستقرار "السريع أو المسلوق" وإن كان "فوق أكوام من الألغام" يثير المخاوف من تحوّل البلاد إلى مصدر مخاطر كبيرة خاصة مع قرب تدفق الأموال، ولذا يقترح هيوا عثمان العودة إلى "تنظيف الدرج من الأعلى" عبر البدء بالمصالحة وتثبيت الحقوق في الدستور.

في مقال جديد يناقش “مخاطر الثقة” بالرئيس السوري أحمد الشرع.. شبّه الكاتب والصحفي هيوا عثمان الاختلافات بين “داعش” و”القاعدة” بأنه من قبيل الخلاف في السياسة الخارجية للحزبين الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة (دون تطابق في التشبيه) فالتباين بين الطرفين يتعلق “بالأسلوب والتكتيك والشعار وليس في الهدف الجوهري”.

ونشر هيوا عثمان مراجعته الأخيرة على “The Middle East Forum Observer” وهو مرصد معني بمراقبة شؤون الشرق الأوسط، وحمل المقال عنوان “الاستقرار أولاً.. وهم خطير بالنسبة لسوريا” وفيه يناقش الباحث المهتم بشؤون القضية الكردية، النبرة الغربية المتصاعدة التي تولي “الاستقرار” الأولوية على بقية الاستحقاقات، ومنها العدالة وحقوق الإنسان وحوار الأطياف والمكونات والمصالحة.

وحذر عثمان من أن “فرض الاستقرار” لا يمكن أن يجلب المصالحة، وأن المسار ينبغي أن يكون معكوساً، فالمصالحة الوطنية وضمان الحقوق دستورياً أولاً هي ما يقود إلى الاستقرار تالياً.

وإلى جانب تاريخ ملطخ.. ذكّر عثمان بأفعال القوات السورية في الآونة الأخيرة وصولاً إلى استخدام عبارة “الأنفال” في أحد البيانات الرسمية أثناء الحملة على مناطق الكرد، ويرسم عثمان مستقبلاً قاتماً حين ينبه إلى أن كل تلك الفصائل نشأت وتوسعت في ظل عقوبات دولية وظروف اقتصادية صعبة متسائلاً.. “ما الذي يمكن أن يفعلوه إذا رُفعت العقوبات تماماً وعاد المال للتدفق؟”.

ويتوقف المقال عند سوابق وقعت في ظل الحكومة الحالية لم يشهدها المجتمع السوري سابقاً، من قبيل مطالبة الدروز بحماية إسرائيلية، ومحاولة العلويين العثور على حماية خارجية، في ظل تقلص سيطرة دمشق التي لا تتجاوز سلطتها مناطق الجنوب بينما تهيمن تركيا فعلياً على مناطق الشمال.

فيما يلي النص الكامل للمقال بترجمة شبكة 964:

مع بدء دمشق والأكراد بتنفيذ اتفاقهما الأخير، رحّب الدبلوماسيون به كخطوة نحو الاستقرار. ولكن هل يمكن لهذا الاتفاق وحده أن يقدّم حلاً دائماً للأزمة السورية؟

تستند السياسة الغربية تجاه سوريا إلى افتراض مفاده أن انقسام البلاد مؤقت، وأن الاستقرار والتطبيع وتوطيد السلطة في دمشق كفيلان بحلّه. هذا الافتراض خطير.

ينبع جزء كبير من هذا التصور من عام قضاه الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع في الخارج، حيث استخدم جهوده الدبلوماسية، وطمأنة الناس، وخطابه المعتدل لتشكيل الرأي العام الدولي. لكن عاماً واحداً من وجود أبو محمد الجولاني في الداخل قد خلق سوريا مختلفة تماماً، ممزقة ليس فقط على الصعيد الجغرافي، بل أيضاً بسبب الخوف وانعدام الثقة والقلق المجتمعي.

ثمة أدلة لدى جميع المجتمعات الرئيسية في سوريا الواقعة تحت بطش القوات المسلحة والميليشيات.

لم يسبق أن كانت الهوية الدرزية بهذا القدر من التماسك والقلق. ولأول مرة، يدعو بعض القادة والجماعات الدرزية علناً إلى الحماية الإسرائيلية، في بيان غير مسبوق يعكس انعدام الثقة في قدرة الدولة السورية على ضمان الأمن الأساسي.

يواجه العلويون أخطر لحظاتهم في التاريخ الحديث. يدفع الخوف من الانتقام والإبادة قطاعات واسعة منهم إلى البحث عن حماية خارجية. عندما تبدأ جماعةٌ ارتبطت بالدولة لفترة طويلة بالبحث عن سبل البقاء في الخارج، يصبح الأمر متعلقاً بالشرعية لا بالمظاهر.

تجاوزت القضية الكردية حدود سوريا بشكل حاسم. لم يعد الأكراد السوريون ينظرون إلى أنفسهم كأقلية محلية تتفاوض مع الدولة، بل ينظرون إلى مستقبلهم كجزء من كتلة كردية عالمية تمتد عبر الشرق الأوسط وأوروبا. وتعكس الاحتجاجات والمسيرات اليومية في أوروبا والمنطقة هذا التحول.

لم ينجم هذا التحول عن التضامن فحسب، بل عن العنف والخطاب على أرض الواقع أيضاً. حتى أن السلطات السورية استخدمت خطاباً مرتبطاً بحملة الأنفال لتبرير “غزواتها” العسكرية، و”الأنفال” حملة إبادة جماعية شنها الرئيس العراقي صدام حسين ضد الأكراد. وسواء تم تأطير ذلك ضمن التعبئة أو الآيديولوجية، فإن الأثر الأوسع هو نفسه: لقد أصبحت القضية الكردية قضية دولية ومرتبطة بالذاكرة التاريخية.

حتى المشهد السني في سوريا – الذي يُفترض أنه أساس أي مشروع لإعادة التوحيد – يعاني من الانقسام. فالمناطق السنية الشمالية تخضع للنفوذ التركي، بينما تقع المناطق الجنوبية تحت سيطرة الشرع، وبالتالي تحت رعاية السعودية. هذه ليست مركزية سنية موحدة، بل مساران سياسيان منفصلان تشكلا بفعل قوى خارجية.

يرتكز جزء كبير من التفاؤل المحيط بالشرع على افتراض تطور أيديولوجي نابع من معارضته لتنظيم الدولة الإسلامية. إلا أن هذه الفروقات مبالغ به. ففي الإطار الإسلاموي السني، يكمن الانقسام بين تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة في تنافس فصائلي يتسم باختلاف التكتيكات والشعارات والأساليب، وليس في اختلاف الأهداف جوهرياً. وكما هو الحال بين الديمقراطيين والجمهوريين (دون تكافؤ أخلاقي)، تختلف هذه القوى في أسلوبها، لكنها تعمل ضمن أجندات متداخلة. إن إزاحة فصيل واحد لا يهدم البنية التي أنتجته.

ما يثير القلق في هذا المسار هو أنه حدث في ظلّ معاناة سوريا الاقتصادية. فالعقوبات ما تزال سارية إلى حدّ كبير، والاقتصاد يعاني، والموارد شحيحة. إذا كان هذا القدر من التشرذم قد حدث في ظلّ ظروف ضعف، فماذا سيحدث عندما تُرفع العقوبات وتتدفق الأموال دون ضمانات سياسية؟

إن التطبيع بدون شروط لا يبني الدول؛ بل يرسخ السلطة بدون شرعية.

قبل أي مسعى جاد نحو تطبيع العلاقات مع سوريا، أو مع الشرع شخصياً، يجب أن تغدو المصالحة الوطنية شرطاً أساسياً، لا مجرد وعد مؤجل. على الشرع أن يثبت قدرته على قيادة سوريا داخلياً بنفس كفاءة أدائه الخارجي. وهذا يتطلب التزامات بمصالحة وطنية حقيقية، وضمانات دستورية لجميع الطوائف، وسيادة القانون، وحماية من العقاب الجماعي، وآليات لإعادة بناء الثقة بين السوريين والدولة.

لا يمكن للاستقرار أن يسبق المصالحة في سوريا، والصحيح أن الاستقرار يتبع المصالحة ولا يسبقها، فبدون عقد اجتماعي جديد، ستبقى كل أحاديث إعادة توحيد البلاد مجرد مسرحية دبلوماسية قد تبدو مقنعة، لكنها في نهاية المطاف جوفاء.