جولة تاريخية مع البروفيسور المخزومي
في ذكرى “ده فجر”.. هذا بيت الإمام الخميني وقصة أطراف النجف الأربعة
كما هو الحال في كربلاء، مازالت النجف تحتفظ بتسمية "طرف" التي تُطلق على محلاتها الأربعة حول مرقد الإمام علي، ولكل طرف قصة ومزايا يرويها أحد أبرز مؤرخي المدينة.
توثق شبكة 964 أحوال أطراف النجف الأربعة في هذه الأيام (شباط 2026) وكيف صارت ملامح المدينة القديمة التي ضمت أهم شخصيات تركت أثراً في العراق والعالم، وتظهر كلمة “طرف” في قصائد بغدادية قديمة، ومع تراجع استخدام التعبير تحافظ النجف ومثلها كربلاء على استخدامه للتعبير عن المحلة، وهي تسمية مازالت معتمدة، وفي النجف 4 أطراف أو محلات هي المشراق والبراق والعمارة والحويش.
وتحل في مثل هذي الأيام ذكرى انتصار الثورة الإسلامية في إيران “ده فجر” أو عشرة الفجر، وبدء نظام ولاية الفقيه بزعامة قائد الثورة روح الله الخميني، الذي انطلق من النجف نحو منفاه قبل أن يعود إلى بلاده فاتحاً، وتوثق الشبكة في هذا التقرير جانباً من الزقاق والدار الذي عاش فيه الخميني أيام معارضته من الخارج، وفي التقرير مشاهد جديدة من شارع الرسول، الذي يتبع جزء منه إلى الحويش، حيث بيت الإمام الخميني أثناء سنوات إقامته في العراق، بينما يتبع جزء آخر من الشارع لطرف البراق، وفيه يقع منزل المرجع الأعلى علي السيستاني.
واكتسبت النجف مكانتها الدينية والحضارية بوجود مرقد الإمام علي، مما أسهم في تشكّل هويتها العمرانية والاجتماعية؛ وتحيط بها أسوارٌ تاريخية تعاقبت عبر العصور، وكان آخرها في مطلع القرن التاسع عشر.
ورافقت شبكة 964 البروفيسور والخبير التاريخي صادق المخزومي في جولة عل المحلات الأربعة، وقد أورد جملة من المعلومات، ومنها أن النجف كانت تُسمّى قديماً ظهر الكوفة، وتمتاز بعلوِّ موقعها؛ إذ تعلو أرضُها عن أرض الكوفة وغرب النجف بنحو 68 متراً، كما تعلو عن مسجد الكوفة بنحو 46 متراً؛ حتى قيل إن منارة مسجد الكوفة تساوي أو تُوازي العتبة العلوية “.
وبُني للنجف عدة أسوارٍ عبر الزمن، آخرها عام 1226 هـ، 1811 م، وبقي منه اليوم الشيء القليل في نهاية شارع “النجاجير” أو النجارين.
ويقول المخزومي إن “وجود قبر الإمام علي جعل المدينة تتمحور حوله من أربعة أطراف، أي اتجاهات، وتحوّلت إلى 4 محلّاتٍ هي: محلّة المشراق، محلّة العمارة، محلّة الحويش، ومحلّة البراق، أما تسمية المشهد فنسبةً إلى مشهد أمير المؤمنين؛ وتوجد مدينتان بهذا الاسم، مشهد الإمام الرضا في طوس، ومشهد الإمام علي في النجف”.
طرف المشراق
وتتميّز المحلّات الأربع بخصائص واضحة؛ ومنها أن محلّة المشراق تضم أسواقاً وفنادق، وأماكن لإيواء الزائرين وهي واقعة بين ضريح الإمام علي والمقبرة، وتقع في جهة الشمال الشرقي، وقيل في تسميتها، إنها المكانٌ الذي تشرق عليه الشمس، فهي المشراق.
طرف العمارة
ومحلّة العمارة في الشمال الغربي يغلب عليها رجال الدين، ويقول المخزومي إن “تسميتها جاءت من العمارة بمعنى العمارات الدينية؛ وهي من أماكن العبادة عند المتصوفة مثل الرباط والزاوية والعمارة وكان بعض المتصوفة والعرفانيين يأتون إلى مرقد الإمام علي، لاعتقادهم بأنه رأس التصوف وصاحب (الخرقة) التي يضعونها على رؤوسهم؛ ويُروى كذلك أن الخلفاء الناصر لدين الله (من 575 إلى 622) هجرية، والمعتصم (من 622 إلى 640) هجرية، في أوآخر الدولة العباسية يأتون إلى النجف، فيتحزّمون هنا ويضعون العمامة أو الخرقة ويُسمّون ذلك الفتوة أو نظام الفتوة استناداً إلى رواية (لا فتى إلا علي) وقد اشتهرت محلة المشراق بوجود رجال الدين والبيوتات العلمية؛ مثل كاشف الغطاء، الجواهري، آل نصّار، آل الشيخ راضي”.
طرف الحويش
وفي شأن محلّة الحويش في الجنوب الغربي يقول المخزومي إنها “محلة اشتهرت بعمّالها وبيوتها الصغيرة، وهي مقصد المثقفين والقراء إذ كانت تضم واحداً من أضخم أسواق الكتب في العراق، وتُعزى تسميتها إلى أن عائلةً من الجبور سكنت في طرف المدينة بعيداً، فكان يُقال إن سكنهم في (الحويش) والحويش تصغير (حوش) والتصغير عند العرب محبب”.
طرف البراق
أما إلى الجنوب الشرقي فتقع محلّة البراق ويشير المخزومي إلى “شهرتها بالتجارة والتجار، وفيها سوق التجار الذي كان يُسمّى سوق الحمير؛ لأن التجّار كانوا ينقلون البضائع على الحمير إلى المحلّات، ولها أكثر من تسمية ورواية، فمنهم من يقول إنها من (بروق الشمس) ومنهم من يذكر وجود بركة ماء كانت هناك، ومنهم من ينسبها إلى آل البراق وهم البراقيون اليوم”.
شهرة كل طرف
ويروي المخزومي مقولة شعبية تُلخّص ميزات هذه المحلّات؛ فيُقال “الحويش بكرشها، لأن العمال كانوا يأكلون الباجة في مطاعمها الكثيرة، والعمارة بملحها لوجود تجارة الملح فيها، والبراق بطرشها، وطرش من أوصاف الحمير المرتبطة بسوق الحمير، والمشراق بحرشها والمقصود سوق السمك”.
الترتيب التاريخي بين أطراف النجف
ويؤكد المخزومي أن “محلة المشراق تتصدر الأقدمية لقربها من ضريح الإمام علي وطريق الزائرين والمقبرة، ثم تليها العمارة، ثم البراق، ثم الحويش؛ ويُذكر أيضاً أنه عند مجيء الشيخ الطوسي إلى النجف سنة 448 هـ، سكن في محلة المشرق، وجعل بيته مسجداً له، وهو مسجد الطوسي”.
ويتابع “أغلب وجود المرجعيات قرب طرف العمارة، ونادراً ما تذهب إلى طرف الحويش؛ وذكر بعض المتابعين أن بدايات بعض المعالم كمسجد الطوسي وبيت بحر العلوم كانت تُحسب على طرف المشراق، ثم عُدّت لاحقاً ضمن طرف العمارة بحسب التصنيفات التخطيطية الجديدة سنة 1986 م”.