"بعيد عن القانون بُعد المشرقين"

كيف صدر قرار مجلس الوزراء بوجود كل مستشاري السوداني!.. تعليق قانوني

علق الخبير والمستشار القانوني الدكتور غازي فيصل على قرار مجلس الوزراء الأخير، الذي يكشف عجزاً مالياً وسياسة تقشفية تتبعها الحكومة، وقال إن القرار، الذي يهدف لتيسير تنفيذ القوانين، لا يجوز له أن يعطل أو يعدل فيها، لأن ذلك يعتبر اعتداءً على اختصاصات المشرع، وبالتالي يعتبر خرقاً دستورياً، لا سيما وأن الحكومة هي حكومة تصريف أعمال ما يعني أنها لا تستطيع إقراره لأنه يخرج عن دائرة اختصاصاتها المحددة.

ويعرج فيصل على الحل لمواجهة القرار الأخير باللجوء إلى القضاء، لكنه يؤكد أن هذا الحل يأخذ وقتاً لذا يمكن الاستعاضة عنه ببديل أسرع، وهو قيام مجلس النواب بإصدار قرار تشريعي يلغي الجزء المخالف للقانون من القرار.

ويختم فيصل حديثه بأن صدور مثل هذا القرار عن مجلس الوزراء إنما “يزعزع ثقة المواطن بالدولة التي تدعي بأنها دولة قانون، والقانون بعيد عن بعض قراراتها بعد المشرقين”، مستغرباً من كيفية صدوره بوجود عدد كبير من المستشارين القانونيين لرئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني.

وكانت الأمانة العامة لمجلس الوزراء، قد أصدرت يوم أمس حزمة قرارات “تقشفية” وتنظيمية مشددة تضمنت بيع السيارات الحكومية القديمة وتقليص حصص الوقود لسيارات الوزارات بنسبة 50%، فضلاً عن تجميد احتساب الشهادات الدراسية التي حصل عليها الموظفون أثناء الخدمة، إلى جانب إيقاف النقل والابتعاث الخارجي والإجازات الدراسية لمدة 5 سنوات، في خطوة تهدف إلى ضغط الإنفاق العام ومعالجة الترهل الوظيفي وفق ما وصفه خبراء اقتصاديون.

وقال فيصل في منشور على صفحة “قانونجي” في فيس بوك، بتاريخ اليوم الثلاثاء (13 كانون الثاني 2026)، تابعته شبكة 964، إن مجلس الوزراء أصدر قراراً بالرقم (11) لسنة 2026، صادق فيه على توصيات المجلس الوزاري للاقتصاد متضمناً بنوداً وفقرات.

وأورد عدة ملاحظات على القرار فيما يلي تفاصيلها:

1- تضمن البند (ثالثاً) من القرار أحكاماً عطلت أو عدلت من نصوص القوانين النافذة، ومنها اعتماد الشهادة الدراسية التي جرى التعيين على أساسها لأول مرة شهادةً نهائية، وإيقاف احتساب الشهادات التي يحصل عليها الموظفون عدا المجازين دراسياً، وإيقاف التنقلات إلى بعض الوزارات، وإيقاف الابتعاث والإجازات الدراسية لمدة خمس سنوات. وهذا ما لا يقوى عليه القرار المذكور.

وليتذكر المجلس أن القرارات التي يصدرها هي قرارات إدارية تنظيمية وظيفتها تسهيل تنفيذ أحكام القوانين النافذة بحسب المادة (80/ثالثاً) من الدستور، ولا يجوز لها أن تعطل أو تعدل فيها، وإلا شكلت اعتداءً على اختصاصات المشرع وخرقاً لمبدأ الفصل بين السلطات، والمتمحض عن ذلك عدّها معدومة وهبوطها إلى الدركة السفلى من عدم المشروعية. ومعلوم أن العدم لا ينتج إلا عدماً، أو كما يقال “لا شيء من لا شيء”. ويا للعجب أن يصدر مجلس الوزراء مثل هذا القرار وملاكه مزدحم بالمستشارين القانونيين.

2- إن مجلس الوزراء اليوم يمارس اختصاصات حكومة تصريف الأعمال، وبحسب المادة (42/ثانياً) من النظام الداخلي لمجلس الوزراء رقم (2) لسنة 2019، تتولى اتخاذ القرارات والإجراءات غير القابلة للتأجيل التي من شأنها استمرار عمل مؤسسات الدولة والمرافق العامة بانتظام واطراد؛ أي كما يقول الفقه “تمشية الأعمال اليومية وتقديم الخدمات للمواطنين”. فهل أن القرار الذي أصدره مجلس الوزراء يدخل ضمن هذا الوصف؟ وحتى لو فرضنا -وفرض المحال غير محال- أن القرار لم يخالف أحكام القوانين النافذة، فإن حكومة تصريف الأعمال لا تستطيع إقراره لأنه يخرج عن دائرة اختصاصاتها المحددة في أعلاه، وهذا ما يضيف عيباً جسيماً آخر على القرار.

3- قد يسأل سائل إلحاحاً: ما الحكم بعد صدور القرار، إذ نحن أمام قرار خارق للقانون اتخذه مجلس الوزراء وهو في ظل حكومة تصريف الأعمال، وهي حكومة مغلولة اليد حد العنق في اتخاذ القرارات المصيرية ذوات التأثير المباشر على حياة المواطنين؟

إن قرار مجلس الوزراء يصلح للطعن في جزء منه أمام محكمة القضاء الإداري من وجهين: الأول مخالفة بعض أحكامه لنصوص القوانين النافذة، والثاني أنه صدر من حكومة تصريف الأعمال، على أن يسبقه تظلم يقدم للمجلس خلال ثلاثين يوماً من تاريخ نشره. إلا أن طريق القضاء طويل، ويمكن الاستعاضة عنه ببديل أسرع، وهو قيام مجلس النواب -استعمالاً لاختصاصه المنصوص عليه في المادة (61/ثانياً) من الدستور- بإصدار قرار تشريعي بإلغاء الجزء المخالف للقانون من القرار؛ لأنه أعلى مرتبة ومقاماً من قرار مجلس الوزراء. والقرارات التشريعية ملزمة للسلطات كافة، وإن كان البعض ينزع عنها الصفة الإلزامية متوهماً لأنه لا يعلم إلا ظاهراً من القانون. إن صدور مثل هذا القرار عن مجلس الوزراء إنما يزعزع ثقة المواطن بالدولة التي تدعي بأنها دولة قانون، والقانون بعيد عن بعض قراراتها بعد المشرقين.