صب الكونكريت في العيون الأربع

هل بالغ العراق بدعم الحنطة حتى “قتلنا” عين التمر؟ وهل نتراجع؟

يوثق هذا التقرير مشاهد حديثة من مدينة عين التمر البعيدة على أطراف الصحراء، وبينما يبشر المسؤولون بقرب انتهاء العمل بمشاريع منتظرة منذ سنين، يبقى صب الكونكريت في العيون التاريخية مشهداً يثير الكثير من الأسئلة.

عين التمر (كربلاء) 964

هل كانت جنان عين التمر ضحية أخرى لسياسة دعم الحنطة التي تواجه اعتراضات متصاعدة؟.. يمكن لمس ذلك ما بين سطور كلام قائمقام قضاء عين التمر مقداد وهب التميمي، الذي يعتقد أن حفر أكثر من 2600 بئر عشوائي لري حقول الحنطة المدعومة كان سبباً رئيسياً في جفاف العيون الأربعة التاريخية التي يندر مثيلها في العراق، وذلك بالطبع إلى جانب تأثيرات التغير المناخي والجفاف، وفي هذا التقرير آخر تطورات القضاء الأكبر في كربلاء، وأخبار المستشفى المرتقب ومحطة الكهرباء الجديدة وطريق كربلاء وأعمال الشركة اللبنانية في الشارع الرئيسي، كما وثقت شبكة 964 أعمال صب قاع العيون الأربعة التي بدأت قبل شهور، وهو الإعلان الرسمي عن وفاة العيون الساحرة، إذ تحاول الإدارة المحلية إحياء المنطقة عبر ملء تلك التجاويف بالمياه اصطناعياً.

خسرنا التمر والرمان من أجل حنطة رخيصة؟

ويقع القضاء إلى الغرب من كربلاء بنحو 70 كم، وكما هو اسمه، يشتهر قضاء عين التمر بنخيله والرمان، لكن الجفاف أدى إلى انخفاض حاد في غلة هذه المحاصيل، وكانت المدينة تضم 4 عيون رئيسية هي عين السيب، عين الزرقاء، عين الحمراء، وعين أم الكواني، وجميعها تغذي القضاء بماء الشرب وسقي المزروعات، لكنها بدأت بالنضوب وجفت تماماً بفعل التغييرات المناخية وأزمة المياه نتيجة التصحر، لكن المبالغة بزراعة الحنطة لا تخرج عن دائرة الاتهام المباشر.

اعتراضات سابقة على دعم الحنطة

وتشتري الحكومة العراقية الحنطة من المزارعين بأسعار مضاعفة عن ثمنها الحقيقي، وتهدف من خلال ذلك إلى تحقيق ما يسمى “الأمن الغذائي أو الاكتفاء” وكذلك تشغيل المزارعين وكبح الهجرة إلى المدن، لكن الخبراء يسجلون الكثير من الاعتراضات على الفكرة، فالحنطة متوفرة في السوق العالمية بأقل من نصف القيمة التي تكلف العراق، ويعتقد أولئك أن الأسعار المدعومة يجب أن تذهب إلى زراعة الثمار والأشجار وفوائدها الكثيرة، على عكس الحنطة التي لا تحقق أياً من فوائد مسك التربة أو التشجير، هذا فضلاً عن أن الحنطة العراقية لا تحقق الجودة التجارية، كما أن ارتفاع السعر الذي تشتري به الحكومة أطنان الحنطة يشجع على تهريب محاصيل دول الجوار وبيعها للحكومة بوصفها حنطة عراقية، وهو ما يدعو كثيرين للتشكيك في حقيقة الأرقام المليونية للإنتاج العراقي.

وسبق أن لاحقت شبكة 964 “بالورقة والقلم” ملف دعم الحنطة في تقرير سابق شمل حديثاً إلى أصحاب المطاحن، ويظهر في نهاية هذا التقرير بعنوان “العراق أمام لحظة الاعتراف”.

ويعزو التميمي ما حلّ بالعيون إلى قلة الأمطار والتغير المناخي، وانخفاض نسبة المياه الواردة من نهر الفرات وعبر السيول الموسمية الممتدة من منخفض الثرثار إلى الحبانية وصولاً إلى بحيرة الرزازة القريبة التي كانت تلعب دوراً في استقرار العيون، فتضرر مناسيب المياه الجوفية في القضاء دفع أهل المدينة لحفر الآبار الارتوازية والسطحية.

ويعتقد التميمي أن حفر أكثر من 2600 بئر عشوائية في القضاء لري محصول الحنطة لعب دوراً كبيراً في توقف وصول المياه إلى البساتين، أو وصولها بنسب ملوحة عالية تدمر الثمار.

قضاء عين التمر.. المساحة والموقع والنفوس

ويورد التميمي أرقاماً ومعلومات، إذ تبلغ مساحة قضاء عين التمر (1924) كم مربع، أي أكثر من ثلث مساحة كربلاء البالغة 5 آلاف كم مربع، ويمتد بين كهوف الطار شرقاً إلى مرقد السيد أحمد بن هاشم في الشمال الغربي، ومن معمل الأسمنت جنوباً إلى بحيرة الرزازة شمالاً.

ويبلغ عدد نفوس عين التمر أكثر من (33500) نسمة وفق إحصاءات التعداد السكاني لعام 2024.

ويخلو قضاء عين التمر من أي ناحية، لأن مساحته محدودة، كما أن كربلاء كلها تضم ناحية واحدة هي ناحية الخيرات التابعة لقضاء الجدول الغربي.

إحياء العيون عبر صبّ أرضياتها وملئها

ويقول التميمي إنه لم يكن ثمة طريق لإعادة إحياء العيون إلا بصبّ الأرضية بالكونكريت، وحفر المزيد من الآبار حولها ثم القيام بملء تجويفات العيون بالماء صناعياً.

ويعتقد القائمقام أن المشروع سيعيد بعض الجمال إلى المنطقة، خاصةً بعد الانتهاء من حملة تشجير كبيرة حول العيون وبناء مسبح.

الأرض جاهزة لمستشفى عين التمر

وفي شأن المستشفى التي ينتظرها القضاء، يقول التميمي إنه تمت تهيئة الأرض التي ستقام عليها المستشفى الجديدة بمساحة 12 دونماً وبسعة 50 سريراً، وسيكون موقعها قرب سيطرة المالح في مدخل القضاء، وقد تم إكمال جميع الإجراءات القانونية، وبانتظار إحالة وزارة الصحة المشروع لشركة رصينة.

شركة لبنانية تنفذ طريق عين التمر – كربلاء

وسيشهد الطريق الرابط بين عين التمر وكربلاء إعادة تأهيل أيضاً، حيث أحيل إلى شركة لبنانية بكلفة 48 مليار دينار، بمدة إنجاز 180 يوماً وقد تمت المباشرة بالفعل قبل شهور، ويمتد الطريق على طول 45 كم وعرض 10 أمتار من سيطرة قضاء الحر إلى قرية الزكاريط.

شارع عين التمر الرئيسي سيغدو بعرض 7 أمتار

أما الطرق داخل القضاء، بعد إنهاء تأهيل طريق عين السيب في شهر تشرين الثاني من العام الماضي، وتبليط شوارع حي الجهاد، وحي الأقصى وحي الحسين، تنتظر الإدارة المحلية التخصيصات المالية للمباشرة بتوسعة الطريق الرئيسي إلى 7 أمتار بدل خمسة، وبطول 5 كم.

محطة كهرباء عين التمر “في الطريق”

وأحيلت محطة كهرباء القضاء أيضاً إلى شركة ABB المعروفة، والمحطة (33/ 11) KV ضمن مشاريع تنمية الأقاليم، وقد تم إنجاز الأعمال الإنشائية وبناء المساكن الخاصة بكوادر العمل، بانتظار وصول المحطة التي من المرتقب أن تقضي على مشكلة تذبذب التيار الكهربائي وتسهم في فك الاختناقات، وإيصال التيار الكهربائي إلى مناطق تفتقر لهذه الخدمة.

نتذكر سواح الكويت وبريطانيا

وكانت العيون عامل جذب سياحي مهم للمدينة، وكان موسم المدينة السياحي يبدأ في شهر أيلول مع “كصاص النخيل” أو قطاف التمور، ويتذكر أهلها السواح الأجانب والخليجيين لاسيما من الكويت، فضلاً عن سياح المحافظات العراقية القريبة، كما يروي أحمد عبيد وهو أحد أبناء المدينة.

أين سيتعلم أولادنا السباحة!

أما مرتضى علي وهو من أهل المدينة، فيلفت إلى زاوية خارج النظر، ويقول إنه تعلم السباحة في تلك العيون، وأنه لا يعرف كيف سيعلم أبناءه السباحة في تلك المدينة البعيدة بعد أن جفّت كل العيون!