صور لـ 4 آلاف قناة ذكرها الجاحظ

خرائط: بين البصرة والخليج 7 آلاف سدّ.. الأقمار الصناعية تكشف “معجزة الزنوج”

نشرت مجلة Antiquity العلمية بحثاً يكشف أدلة جديدة وصوراً بالأقمار الصناعية، عن نظام ضخم من السدود والقنوات المائية المندثرة، كان جزءاً من نظام زراعي هائل في ملتقى دجلة والفرات وضفاف شط العرب، خصوصاً خلال ثورة الزنج الشهيرة التي اندلعت في البصرة أواسط العصر العباسي.

وتظهر إحدى الصور الملتقطة عبر الأقمار الصناعية عام 2016 والتي جرى تحليلها مؤخراً ومقارنتها بأدلة أخرى قديمة وحديثة، تفرعات تكاد تكون بلا نهاية، تمثل القنوات والجداول التي حفرها الزنوج تلك الفترة، والتي تحدث عنها كبار المؤرخين العرب في العصر الوسيط مثل الجاحظ وكبار علماء الجغرافيا.

وتوضيحاً للصور والخرائط هذه، قال الخبراء وهم فريق من جامعات العراق وبريطانيا وسويسرا، حسب تقرير لوكالة أسيوشييتد برس الأميركية، إن الزنوج بنوا نحو 7 آلاف سد ترابي عام 869 ميلادية، لإنشاء نظام الري الهائل حيث حفروا 200 جدول إروائي (كثير منها لا يزال قائماً إلى اليوم في أبو الخصيب) إلى جانب 4 آلاف قناة ري فرعية تمتد، من البصرة حتى مصب دجلة في البحر، وذلك حين كانوا يتواجدون هناك خلال تلك الحقبة، واعتمد البحث على دراسة صور أقمار صناعية حديثة بالإضافة إلى صور أرشيفية تعود إلى ستينيات القرن الماضي، أظهرت بقايا أكثر من 7,000 سد ترابي ضخم.

كما خلص إلى أن الشبكة كانت تضم أكثر من 200 قناة رئيسية، وتتصل بمجرى نهر الفرات القديم، ويتراوح طولها بين 1 و9 كيلومترات، إلى جانب 4 آلاف قناة فرعية وتحديد أكثر من 700 مزرعة، واختار فريق البحث عدة مواقع من هذه الشبكة لتحليلها باستخدام تقنيتي تحديد التأريخ بالكربون المشع والتحفيز الضوئي.

وقالت الأسوشيتيد برس في تقريرها حول الدراسة إن النظام الزراعي في جنوب العراق بناه “العبيد” الذين عاشوا تلك الحقبة وقد قادوا ثورة ضد الدولة العباسية في العراق واستمرت لأكثر من عقد حتى تمكنت الدولة من استعادة السيطرة عام 883 ميلادية، وإلى جانب الباحثين الأجانب شارك في البحث أستاذ الآثار في جامعة القادسية جعفر الجوذري، وقال إن تاريخ الزنوج لم يُوثق كما يجب في السجلات التاريخية، مشيراً إلى حماية هذه الآثار باعتبارها تراثاً لأقلية مهمشة، وبالإمكان الاطلاع على كامل تفاصيل الدراسة من خلال هذا الملف قنوات وسدود بناها الزنوج في البصرة

تقرير الأسوشيتيد، ترجمته شبكة 964:

اكتشف فريق دولي من علماء الآثار أدلة جديدة تدعم نظرية طالما تحدث عنها المؤرخون، وهي أن نظاماً ضخماً من السدود والقنوات يمتد عبر سهل في جنوب العراق كان جزءاً من مشروع زراعي واسع النطاق بُني باستخدام عمالة العبيد.

وقد أجرى الفريق اختبارات لتحديد الفترات الزمنية التي شُيّدت فيها بعض هذه المنشآت الترابية الضخمة، وتبيّن أنها تعود إلى عدة قرون، بدءاً من فترة قريبة من اندلاع تمرد كبير للعبيد في القرن التاسع الميلادي. ونُشرت نتائج الدراسة يوم الاثنين في دورية Antiquity العلمية.

العبيد الذين عاشوا في تلك الحقبة كانوا يُعرفون باسم “الزنج”، وهي كلمة عربية قديمة كانت تُستخدم للإشارة إلى الساحل السواحلي في شرق إفريقيا، رغم وجود آراء متباينة حول الأصول الجغرافية الدقيقة لهؤلاء الأفراد.

وقاد الزنج انتفاضة كبرى ضد الدولة العباسية في العراق عام 869 ميلادية، واستمر التمرد لأكثر من عقد حتى تمكنت الدولة من استعادة السيطرة عام 883 ميلادية.
ولا يزال العديد من أحفاد هؤلاء العبيد يعيشون اليوم في البصرة جنوب العراق، وهم جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي للبلاد.
لكن كما أوضح الدكتور جعفر الجوثري، أستاذ الآثار في جامعة القادسية وعضو الفريق البحثي، فإن تاريخ الزنج “لم يُوثق كما يجب في السجلات التاريخية”.

ويضيف الجوثري: “لهذا السبب تُعد هذه الاكتشافات في غاية الأهمية، وما نطمح إليه الآن هو حماية ما تبقى من هذه المنشآت الهائلة باعتبارها تراثًا لأقلية مهمشة”.

وقد بدأ الباحثون بدراسة صور أقمار صناعية حديثة بالإضافة إلى صور أرشيفية تعود إلى ستينيات القرن الماضي، والتي أظهرت بقايا أكثر من 7,000 سد ترابي ضخم من صنع الإنسان، منتشرة عبر سهل شط العرب.

ويشير تقرير Antiquity إلى أن حجم وتعقيد هذه الشبكة يدل على “استثمار هائل في الجهد البشري”.
واختار الفريق عدة مواقع من هذه الشبكة لتحليلها باستخدام تقنيتي التأريخ بالكربون المشع والتحفيز الضوئي.

وأظهرت النتائج أن جميع عينات السدود التي خضعت للفحص تعود إلى الفترة بين أواخر القرن التاسع ومنتصف القرن الثالث عشر الميلادي، وهو ما يشير إلى أن استخدام عمالة العبيد استمر لقرون بعد التمرد المعروف.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج تُثبت أن هذه المنشآت كانت مستخدمة لفترة أطول بكثير مما كان يُعتقد سابقًا، ما يجعلها جزءاً مهماً من التراث البيئي والتاريخي للعراق.

وتأتي هذه الاكتشافات في وقت يشهد فيه العراق نهضة أثرية جديدة، بعد عقود من الحروب والاضطرابات التي أعاقت أعمال التنقيب وأدت إلى نهب عشرات الآلاف من القطع الأثرية.
لكن خلال السنوات الأخيرة، عادت أعمال الحفر والاكتشافات، واستُعيدت آلاف القطع الأثرية المسروقة، في مسعى لاستعادة ما فقد من تراث البلاد العريق، المعروف عالمياً بـ”مهد الحضارات”.