"أمانة موسى بن جعفر" من الأعلى طلباً

لم نعد صاغة بل صرنا تجاراً.. المسلمون في سوق الشيوخ تقاسموا الذهب مع الصابئة

سوق الشيوخ (ذي قار) 964

إذا مشيت في سوق الشيوخ، وسألت عن الذهب، سيقودك أهل المدينة غالباً إلى أحد الصاغة الصابئة، فالطائفة تحترف المهنة في كل العراق كما هو معروف، لاسيما مدينة سوق الشيوخ التي ساهموا بتأسيسها، ويتذكر مؤرخو المدينة أيام “سوق لطفي” قبل التوسعة، وأسماء كبار الصاغة الصابئة مثل “مغشغش لفتة كعيد” إلى جانب فرحان عنيسي الذي كان خارج السوق، وسمير البدري، واليوم تزايد المسلمون أكثر في المهنة، حتى ناصفوا الصابئة في السوق، ويقول الباحث وليد الخيون إن المدينة لا تحتاج أبداً عبارات ونصائح السياسيين مثل “التسامح والعيش المشترك” لأن أصل الحياة هنا قائمة منذ البدء على هذا.. لكن بالعودة إلى عالم الذهب.. يعترض بعض كبار المختصين على تسميتهم بالصاغة.. “كنا صاغة حين كنا نصوغ بأيدينا.. أما اليوم فلسنا سوى تجار نشتري من تركيا والإمارات ونبيع هنا”.. وفي هذا التقرير توثيق لمشاهد من سوق الصاغة وتوجهات الشباب الذين يطلبون أسماء حبيباتهم ذهباً، والزبونات اللاتي يطلبن عبارات للحفظ والبركة من بينها “أمانة موسى بن جعفر”.

وليد الخيون – باحث وكاتب، لشبكة 964:

ارتبطت مهنة الصياغة بطائفة الصابئة المندائية، وأصبحت هوية وإرثاً وموروثاً للطائفة.

يعود تاريخ افتتاح أول محل للطائفة في شارع لطفي إلى ثلاثينيات القرن الماضي، وكان يمثل السوق التجارية الأولى في سوق الشيوخ.

من الشخصيات المعروفة آنذاك المرحوم مغشغش لفته كعيد وعمه، وهما من قدماء محلات الصاغة في شارع لطفي.

هذا الكلام كان قبل أن يصبح شارع لطفي بحلته المعروفة حالياً، والذي قام بترتيبه وتنظيمه بهذا الشكل هو القائمقام أبو عامر لطفي العزاوي.

ثم بدأت التوسعات في المدينة أفقياً وعمودياً، وتحول مركز المدينة واتسع شمالاً.

نحن اليوم موجودون في سوق الصاغة الذي يعود تاريخه إلى أكثر من 70 سنة.

الشخصيات المشهورة فيه معروفة ومهمة، وقد طوروا من قدراتهم بما يتلاءم مع حاجة الناس.

هناك وجوه كثيرة للسوق حتى خارجه، مثل المرحوم فرحان عنيسي الذي كان خارج السوق، وسمير البدري إلى جانب السوق الموجود.

في السبعينيات بدأ النزوح خارج السوق من قبل الطائفة، سواء من الصاغة أو من المدرسين والمهندسين، لتغير نمط الحياة والبحث عن فرص كثيرة.

السوق الآن أصبح مناصفة بين المسلمين والصابئة المندائيين، لكن تبقى الصياغة هي الهوية والمهنة التي يتميز بها طائفة الصابئة المندائية، ليس في سوق الشيوخ فقط، بل في كل المحافظات ومدن العراق، على الرغم من دخول المسلمين للمهنة.

طائفة الصابئة المندائية هي طائفة عريقة، وشكلت المحلة الأولى في سوق الشيوخ.

ذكرتها الليدي “دراوور” في أكثر من مناسبة وفي أكثر من مكان.

هم جزء من النسيج المجتمعي في سوق الشيوخ، فكلمة “تسامح” و”العيش المشترك” هي كلمات طارئة، وضعها القاموس السياسي.

الصابئة المندائيون والمسلمون عاشوا في هذه المدينة بروح فطرية، أي أن روح التسامح هي الفطرة العامة للناس، بدون تكلف وبدون توجيه سياسي.

سليم ضامن – صائغ صابئي:

في عام 1974، امتهنت مهنة الصياغة، قبل 43 سنة، وتوارثناها عن آبائنا وأجدادنا.

هي وراثة، فتحنا عيوننا فوجدنا آباءنا صياغاً وأجدادنا صياغاً، وعملنا بالمهنة لنظافتها ولفن وبراعة الصياغ من أهلنا الذين كانوا بارعين في ذلك الوقت.

الصياغة كانت فناً، والصائغ يصوغ بيده وينتج، ويسمى صائغاً، أما الآن فالمحلات أصبحت لتجارة الحلي الذهبية واستيرادها من الإمارات أو تركيا وبيعها فقط.

صعود الأسعار هو صعود دولي بسبب الأحداث في العالم، مثل الحروب، وهذه الأزمات تؤثر على الدولار، فيرتفع أو ينخفض، وبالتالي يصعد أو ينخفض الذهب.

سعر الذهب غالٍ، والناس تضطر للشراء فقط في مناسبات مثل الزواج، أما باقي الأوقات فيتجه الناس إلى محلات “الشبه”، أي الحلي غير الذهبية.

الوضع الاقتصادي نوعاً ما جيد، وهناك إقبال على الذهب.

الزبائن حالياً هم الشباب، يطلبون وضع أسمائهم أو أسماء حبيباتهم على الذهب، أما الكبار فيعيدون صياغة محابسهم القديمة.

حالياً، الآلات الحديثة جعلت الكل يتجه للاستيراد، لكن الصاغة القدامى إذا صاغوا لك محبساً يبقى نحو 15 عاماً، أما الجاهز فهو فقط شكل دون متانة.

نشتري الذهب القديم ويعاد صوغه، والمواد الأولية موجودة، ويتم شراء الذهب القديم ويُصفى في بغداد، وفي المحافظات مثل النجف توجد معامل وورش صياغة، ولا توجد مشكلة في المواد الخام.

هناك فرق شاسع في المتانة والنوعية، والذي يعمل بيده يعرف أن ذهب 21 هو ذهب 21، أما ما يجلب من تركيا، فلا يمكن التأكد من عياره.

الذهب المحلي أكثر أماناً، لأنك تعرف صاحب العمل.

اللجان الاقتصادية والسيطرة النوعية تتابع عملنا كل سنة وكل ستة أشهر، وتأتي لأخذ معلومات وتفحص الدفاتر وسجلات البيع والشراء، وتفحص الذهب المستورد وغير المختوم.

مهنتنا لا يمكن أن تختفي، لأنها مهنة تتوارث من الأب إلى الابن، وخصوصاً إذا كان هناك حب للمهنة، فلا يمكن أن تزول.

هذا الشارع كان يسمى “سوق الصبّة” اختصاراً للصابئة، ونسميه نحن “سوق الصياغ”، لأنه حالياً لا يوجد صائغ يعمل بيده كما في السابق.

الناس القديمة كانت تعمل بيدها، وكانوا فطاحل في الصياغة والفن، وبرعت أصابع المندائيين في سوق الشيوخ وفي كل العراق في صياغة المصوغات الذهبية مثل الحجل، الزرار، والقلادة.

محمد ناظر – بائع ذهب:

هذا المحل افتتح تقريباً عام 2013، أي منذ ما يقارب 13 سنة.

الزبائن لدينا أصناف، النساء الكبيرات في السن يفضلن المحبس “أبو الشجرة” والخواتم الضخمة.

أما البنات الشابات فيحببن “الكردانة”، لأنها تحتوي على حركات شبابية مثل كتابات “أمانة موسى بن جعفر” أو تصاميم القلب والفراشة.

الذهب يعتبر ملاذاً آمناً للمواطن، فعندما يكون لديه مبلغ معين ويخاف أن يفقد قيمته مستقبلاً، يتجه إلى شراء الذهب.

سوق الذهب مستقر ومستمر، والناس تشتري الذهب دون توقف.