مراجعة مع سعدون محسن ضمد

فلسطين “تنفست” بعد تراجع التدخلات “السلطوية”.. مقاربة عراقية من حيدر سعيد

قدم المفكر العراقي حيدر سعيد حزمة مقاربات لوضع القضية الفلسطينية بعد التطورات العاصفة التي تسارعت في الشرق الأوسط، وأعرب عن اعتقاده خلال حوار مع الكاتب والإعلامي سعدون محسن ضمد، بأن المسار الفلسطيني عاد إلى الطاولة بعيداً عن الارتباط بالمشاريع السلطوية، بعد سقوط كثير من أسباب التدخل والتوازنات التي سادت طوال عقود.

حيدر سعيد، في حوار مع الإعلامي سعدون محسن ضمد، تابعته شبكة 964:

ما يزال الوقت مبكراً للحديث عن النقد والمراجعات أو إسهامات المثقف العربي في ما جرى من أحداث في غزة والمنطقة، ولكن لنتحدث عن مساحة المثقف في هذا المجال، حيث باتت مساحة النقد والمراجعة أقل بعد صعود التيارات الإسلامية وانتصار الثورة في إيران، وبداية عصر الهويات دون الهوية القومية الجامعة، حيث صار نقد أي فصيل إسلامي شيعي أو سني كأنه موجه إلى الهوية الفرعية بذاتها.

لا بد من الحديث عن تراكمات الأنظمة السلطوية في ملف القضية الفلسطينية، إذ دفع الفلسطينيون الثمن بعد سقوط كل نظام سلطوي في المنطقة، ولكن الجيد الآن هو عودة فلسطين إلى الطاولة بعيداً عن ربطها بالمشاريع السلطوية.

أحياناً هناك حساسية في مناقشة بعض القضايا، فمثلا أنا أقول إنني أولى بنقاش القضية التوافقية في نظام الحكم في العراق، وكذلك أقول إن غيري أولى بمناقشة الحلول في فلسطين ومستقبل الصراع هناك، ولكن لحظة غزة فتحت نقاشاً كبيراً عن الليبرالية الغربية، وما إذا كانت السياسات الغربية التي ضربت غزة تدعو  للتنكر لهذه القيم وإنها لا تناسب مجتمعاتنا كأي منتج غربي آخر.

شراكة بين مثقفي العرب والغرب

قسطنطين زريق أول من استخدم مصطلح النكبة، وصار الاستخدام واسعاً حتى في الخطاب السياسي، وكذلك أعتقد يجب أن يتم تثبيت ما يجري في فلسطين كحالة فصل عنصري، أبارتايد، على الأقل في المستوى الأكاديمي، وهذا إنجاز للمثقف العربي، وهناك إسهامات من مفكرين غربيين أيضاً في هذا المجال.

المشكلة هو في النظر للقضية الفلسطينية من منظور ثنائي، أي النظر إلى فلسطين من منظور الموقف من المشروع الإيراني، حيث يبدو أن أي موقف من فلسطين كقضية عادلة، هو موقف ينتصر للمشروع الإيراني، ولكن أنا أدافع عن قدرتنا على الفصل بين هذين الموقفين، وأراهن على فصل الموقف من فلسطين عن كل السياق الموجود حالياً، ولكن لم نستطع تكوين كتلة، بالمعنى الذي يطرحه غرامشي، ومع ذلك لست متشائماً.

التنمية مقابل إلغاء الحريات

الوضع الآن في المنطقة يشبه لحظة ما قبل الثورات العربية، حيث يشتغل المثقف في مساحات قليلة بعد أن أُغلق المجال العام من قبل التيارات السلطوية، وهناك تيار أسميه السلطوية التنموية، حيث هناك مستوى جيد من المعيشة والتنمية الاقتصادية، مقابل إلغاء الحريات العامة والحريات السياسية، وهذه الحالات السلطوية تنتقل من بلد إلى آخر، ونحن ذاهبون بهذا الاتجاه.

الوضع في الخلج مختلف جداً عن الوضع في باقي المشرق العربي، والسلطات الحاكمة هي امتداد طبيعي للمشيخات التقليدية، وهي تختلف عن الأنظمة الملكية كما في الأردن مثلاً، حيث لا وجود لتنظيمات سياسية عريقة، وعلى مستوى القضية الفلسطينية هناك جدل كبير وانقسام، ولكن مع تعاطف رسمي وشعبي في الكويت وقطر، وداخل حالة التعاطف هذه هناك طبقات من الشباب الذين يطورون مواقف سياسية لا تريد النظر إلى مجتمعاتها كمجرد حالة استهلاكية وهذه حالات شديدة الأهمية.

نوع جديد من المثقفين

أعتقد أن نوع المثقف العربي الحالي مختلف عن نوع المثقفين سابقاً، أي المثقف المصلح الاجتماعي، ولا مثل المثقف المتخصص الذي انتقده إدوارد سعيد، ولكن هناك نوعاً جديداً من المثقفين الذين ينتجون المفاهيم ويتحدثون مع العالم بلغة مفهومة، وأعتقد أن الحوار مع العالم مهم في هذا السياق.

نحن غير منفصلين عن الحركة العالمية، وأعتقد أن جوديت باثلر، وهي أول مثقفة أمريكية يهودية منظّرة لها وضعها في الوسط الأكاديمي، قالت إن ما يجري في غزة هو إبادة جماعية، فهذا مهم لأن صوتها مسموع أكثر من أصواتنا، ومع ذلك يجب أن نشيد بالمثقفين العرب في أمريكا الذين قادوا حركة ضخمة هناك وهذا ما أعنيه بأن لا نكون منفصلين عن العالم.

هكذا انتقدنا هابرماس في ألمانيا

لست مع الانقطاع عن المثقفين الأوروبيين والغربيين، وخضت شخصياً نقاشاً في إحدى الجامعات الألمانية وانتقدنا مواقف هابرماس من القضية الفلسطينية، وعن كيفية تحويل عقدة ألمانية إلى عقدة كونية يجب أن نعاني منها جميعاً، فتاريخ اليهود في منطقتنا مختلف تماماً عن تاريخهم في أوروبا، ولذا يجب أن نتواصل وندافع كلنا كمثقفين من كل مكان عن القيم الكونية، فمثلما ندين الهولوكوست يجب أن ندين ما جرى في غزة بوصفه إبادة جماعية.

المؤسسات الأكاديمية الأوروبية والغربية عريقة ولها تقاليد حتى في أسلوب التواصل، أما مؤسساتنا فهي أبطأ وأضعف، ولكن هذا لا يجب أن يمنعنا كأفراد من الحركة والتواصل.