خطاط القبور النجفي ينقش وروحه تتألم.. خربشة الثمانين انتهت ودخلنا تقنية أوربا

مقبرة وادي السلام (النجف) 964

١- قد يرى البعض مقبرة وادي السلام مكاناً للراحة الأبدية، جثث هامدة تختفي تحت الأرض لتصبح وقوداً أحفورياً بعد بضع قرون، لكن للبعض الآخر تصبح شواهد القبور لوحاتٍ تشكيلية، قد رسمها خطاط ما قد قدم من حي الرحمة القريب على أسوار المقبرة التي لا زالت تبتلع أجساد الشيعة منذ 14 قرناً، ويتحدث لشبكة 964، خطاطون ودفانون عن مهنة ابتكرت بعد تسعينيات القرن الماضي، تخط شواهد القبور بخطوط فارسية وديوانية وثلثية، تكلف ذوي الموتى مبالغ فلكية، فبعد أن كان أجدادهم يدفعون مبالغ لا تساوي أكثر من 5 دولارات، هاهم اليوم يتسابقون إلى شواهد قبور سميت على إسم المطرب الشهير “ياس خضر” بمبالغ تصل إلى ألف دولار.

٢- في مقبرة وادي السلام، ما عاد الموت طقساً للغياب والزهد، تحول إلى معرض مفتوح لفنون الخط ورخام يُجلب من شتى بقاع الأرض، إذ تطورت الشواهد من خربشات التسعينيات العاجلة إلى صراع جمالي بين خطوط الرقعة والثلث والديواني المحفورة بـ “الدريل” على المرمر التركي والفيتنامي والإيطالي، وبين ريشة الخطاط اليدوية وتقنيات الـ CNC الحديثة التي استحدثت “القبور الأوروبية” وطباعة الصور، تكسر الأسعار حاجز البساطة لتقفز من 250 ألفاً إلى مليون وربع المليون دينار، كأن العراقيين يصرون على تخليد أحزانهم بأفخر ما جلبته المعامل وأدق ما خطته القصبات.

ويشرح حيدر الكفائي، وهو خطاط شواهد قبور في مقبرة وادي السلام، لشبكة 964: “في البداية كان الخط عادياً وليس من الأنواع المعروفة واستمر ذلك منذ التسعينيات، قبل أن نعتمد خط الرقعة لسرعته وسهولة قراءته. ومع دخول المرمر الإيطالي ظهر التنوع بالنسخ والثلث والديواني والفارسي، حيث نعتمد الديواني والنسخ والثلث للآيات القرآنية لإضفاء التميز، بينما نخصص الرقعة لأسماء أهل البيت والأسماء لسهولة قراءتها، أو ندمج عدة خطوط بحسب المساحة وطلب الزبون”.

ويضيف الكفائي: “نبدأ العمل بعد استلام المرمر بتخطيط الاسم بقلم الماجيك لتفادي الأخطاء، ثم نستخدم الدريل الطويل للحفر اليدوي، يعقبه التلوين وإبراز الخط، ونشتري الصبغ بنحو 6 آلاف دينار للكيلوغرام، والفرش الصينية بحدود 5 آلاف دينار للدرزن. في البداية كنا نشعر بالحزن على الراحلين، لكن مع مرور السنوات غدا الأمر جزءاً من روتيننا اليومي”.

من جانبه، يوضح صفوان العامري، صاحب معمل صناعة شواهد قبور، لشبكة 964: “المرمر يُستورد من تركيا، وفيتنام، والصين، وإيران، وأغلب القبور العادية تعتمد على التركي والإيراني. مؤخراً شاع ما يُعرف بـ’القبر الأوروبي’ المعتمد على مكائن الـCNC بنقوش حديثة، فضلاً عن طلب متزايد لإضافة صور المتوفين سواء بالطباعة أو الستيكر داخل الشاخص أو على جسم القبر، إضافة للقياسات التقليدية المتدرجة من عرض 25 إلى شواهد تصل إلى 60×120 سم”.

من جهته، يشير عامر الجشعمي، وهو دفان في المقبرة، لشبكة 964 إلى حركة الأسعار: “الشاهد العادي بقياس 60×120 سم يبلغ سعره نحو 250 ألف دينار، والمرمر الأسود يباع بنحو 350 ألفاً بأبعاد متعددة، فيما تصل القطع المصنوعة من المرمر الحراري الأصلي إلى نحو 400 ألف دينار. أما النوع الأوروبي والمرمر الشفاف فهما الأغلى ويصل سعرهما إلى مليون وربع المليون دينار بحسب كلفة التصنيع”.

ويلفت الجشعمي إلى تفاصيل الدفن الميدانية قائلاً: “ننقل العمال ومواد التثبيت إلى مواقع العمل داخل المقبرة بسيارات الأجرة، وغالباً ما نعمل على تجهيز ونصب وتثبيت شواهد لـ5 أو 6 قبور دفعة واحدة في الموقع نفسه”.