مصطفى الكاظمي رئيس الوزراء الأسبق
نقله مكتبه عن الشرق الأوسط
العراق أولاً.. حتى لا يتحوّل الوطن إلى ساحة صراع – مقال مصطفى الكاظمي
مقال رئيس مجلس الوزراء الأسبق، مصطفى الكاظمي، لصحيفة الشرق الأوسط نقله مكتبه الإعلامي وتابعته شبكة 964:
في لحظةٍ إقليمية شديدة الحساسية، وفي ظلّ حديثٍ مزداد عن احتمال جولة ثالثة من التصعيد الإقليمي، يفرض الواقعُ على العراقيين سؤالاً مصيرياً: هل ثمةَ من يسعى إلى أن يكونَ العراق جزءاً من هذا الصراع، لا مجرد مكان تُوجَّه منه الرسائل أو تُدار عبره الضغوط، بل ساحة من ساحاته المفتوحة؟ سؤالٌ لا يحتمل التَّهرب، لأنَّ الإجابة ترتبط بدماء العراقيين وسيادة الدولة ومستقبل الاقتصاد، وموقع العراق بين أشقائه وجيرانه والعالم؛ فالمسألة لم تعد شأناً أمنياً محدوداً، بل سؤال دولة ومصير واتجاه، وسؤال قدرة العراق على حماية نفسه من أن يُساق إلى ما لا يريد.
ما تكرر من محاولات لاستخدام الأراضي العراقية في استهداف دولٍ عربيةٍ شقيقةٍ وجارة، وآخرها ما أُعلن عن استهداف في المملكة العربية السعودية، وقبلها الإمارات والكويت والبحرين والأردن، يكشف أنَّنا أمام مسار لا أمام حادثة منفردة. والمسار، إن لم يُحسم، يتحوَّل إلى سياسة أمر واقع؛ وإذا خضعت الدولة لابتزاز القوى الخارجة عن سلطتها، فإنَّها لا تخسر قراراً أمنياً فحسب؛ بل تخسر معنى الدولة نفسه. والعراق لا يجوز أن يبقى ممراً للرسائل، ولا صندوقاً للآخرين، ولا ورقة تفاوض في صراعاتهم، ولا ميداناً يُدفع به عند كل اشتداد إقليمي.
لم تعد المشكلة في إصدار بيان بعد كل حادثة، أو الاكتفاء برواية تطمينية لا تمنع تكرار الخطر. المشكلة الأعمق أنَّ هناك نمطاً يتكرّر، يستهلك رصيدَ العراق السياسي والأخلاقي، ويضع الحكومةَ أمام تبعاتِ أفعال لا تعبّر عن قرارها. وكلما تأخَّر الحسم، ترسَّخت في الخارج صورةٌ خطيرة مفادها أنَّ الدولة العراقية لا تملك وحدَها قرارها الأمني، وهذه صورة ظالمة للعراق ومؤذية لمصالحه، لكنَّها لا تُصحح بالكلام وحده.
السيادة لا تُصان بالشعارات؛ بل بقدرة الدولة على أن تكون المرجعية الوحيدة للقوة والقرار. ومن هنا، فإنَّ حصر السلاح بيد الدولة ليس موقفاً ضد طرف، ولا انتقاصاً من تضحيات أحد؛ بل شرطٌ لبقاء الدولة وحماية الجميع. فالدولة التي لا تملك وحدها قرار الحرب والسلم لا تستطيع أن تطالبَ الآخرين باحترام حدودها، ولا أن تطمئنَ شعبها، ولا أن تبنيَ علاقات مستقرة مع محيطها. ومن مصلحة كل القوى، قبل غيرها، أن تكونَ الدولة قوية، لأنَّ ضعف الدولة لا يحمي أحداً؛ بل يجعل الجميع مكشوفين.
تعمل الحكومة العراقية اليوم، في ظرف بالغ الدقة، على إعادة وصل العراق بمحيطه العربي والإقليمي والدولي، وعلى استثمار ما يتوافر من دعم وانفتاح بشكل صادق يخدم مصالح العراقيين. وهذه الجهود تستحق الدعم؛ لا لأنَّها جهودُ حكومة بعينها، بل لأنَّها مسار دولة. غير أنَّ هناك، في الداخل والخارج، من لا يريد للعراق أن يخرجَ من منطق الساحات والمحاور، ومن يسعى إلى ضرب أي محاولة لتثبيت موقعه دولةً متوازنةً شريكةً آمنةً، قادرة على أن تتحدث باسم نفسها لا باسم غيرها.
والحقيقة أنَّ العرب، رغم كلّ ما مرّت به العلاقة من تعقيدات، لم يديروا ظهورَهم للعراق؛ بل ظلّوا ينظرون إليه بلداً محورياً لا غنى عنه في استقرار المنطقة. وعلى امتداد السنوات الصعبة، بقيَ هناك استعداد عربي لاحتضان العراق، وإعادته إلى موقعه الطبيعي، إيماناً بدوره وحضوره وعمقه الحضاري والسياسي. لم تكن المشكلة يوماً في رغبة العرب بالقطيعة مع العراق؛ بل في قدرة العراق على أن يقدم نفسَه دولةً واحدة القرار، لا بلداً تتنازع قراره الحكومة والفصائل، والدستور والسلاح، والمصلحة الوطنية وإرادات لا تصدر عن مؤسسات الدولة العراقية. ومن المؤسف أن تُهدَر فرص الانفتاح والثقة بسبب ممارسات لا تعبر عن إرادة العراقيين، ولا عن مصلحة دولتهم.
إنَّ خطر الانزلاق اليوم أكبر مما يظنُّ البعض؛ فكلّ فعل غير محسوب قد يجر العراق إلى مواجهة لا يريدها، وكل استخدام لأرضه خارج قرار الدولة قد يدفعه خطوة إضافية نحو العزلة. والعزلة ليست بطولة، ولا مصلحة، ولا خياراً قابلاً للحياة في عالم تقوم فيه الدول على الاقتصاد والشراكات والاستثمار والثقة. فكل رسالة مسلحة تُطلق خارج الدولة تقابلها رسالة قلق من المستثمر والشريك والدولة الشقيقة، وكل اضطراب جديد ينعكس على السوق والعمل والطاقة والمصارف وصورة العراق في العالم. العراق يحتاج إلى مشاريعَ وطاقةٍ وفرص عمل وتعليم وبنى تحتية وانفتاح، لا إلى مزيد من القلق والرسائل المسلحة والاصطفافات التي تستنزفه.
علينا أن نصارحَ شعبنا: البيانات لم تعد تكفي. لا الداخل يقتنع بالبيانات، ولا الخارج يطمئن إليها. ما يحفظ رصيدَ العراق هو الفعل: تحقيق مهني ومحاسبة عادلة وضبط حقيقي وقرار واضح بأن لا جهة، مهما كان عنوانها، تستطيع أن تضعَ البلاد أمام حرب أو عزلة أو خسارة اقتصادية. دعم الحكومة في هذا المسار واجب وطني، لأنه دعم للدولة ولحقّها في حماية السيادة وصون العلاقات وبناء المستقبل.
العراق ليس تابعاً لأحد، ولا عدواً لأحد، ولا ساحة لأحد. هو وطن كبير، وقرار الحرب والسلم فيه حق للعراقيين ودولتهم وحدها. هذه ساعة الدولة، وساعة العقل، وساعة أن نقولَ بوضوح: العراق أولاً.