في أول ظهور له منذ سنوات

نبيل جاسم: نصف إعلام العراق ممول من اتحاد القنوات الإسلامية لكنهم يعرفون الحقيقة

في أول ظهور له منذ سنوات، قدم الإعلامي والأكاديمي العراقي نبيل جاسم مداخلة نقدية قاسية بحق واقع البيئة الصحفية في العراق، لناحية أولوياتها البعيدة عن قواعد العمل الصحفي وقلة الاحترافية في الأداء، وقال جاسم خلال حوار مطول على هامش معرض أربيل للكتاب، إن وسائل الإعلام العراقية تخوض في المحرمات مثل التحريض وانتهاك حقوق الإنسان كجزء من دورها السلبي في مشهد الفوضى، كما انتقد علاقة الإعلام بالسلطة عراقياً وأن وسائله ما تزال في أحضان الأخيرة التي تحاول الحفاظ على الموروث الشمولي للنظام السابق، لافتاً إلى أن نصف القنوات الفضائية العراقية ممولة من الاتحاد الإسلامي، لكن حين يكون هناك خبر مهم للاتحاد، ويريد الأخير إبرازه والتركيز عليه يتم إرساله الى وسائل الإعلام الكبيرة، لأن قنواتهم أقرب إلى الدعاية والبروباغاندا من العمل الاحترافي.

نبيل جاسم، في حوار مع الإعلامية تيما عماد، على هامش معرض أربيل للكتاب، تابعته شبكة 964:

الإعلام العراقي كحال السياسة في العراق، هموم كبيرة وتاريخ طويل من الإنجاز والتعثر والآلام، وقبل الحديث عن التأثير والتأثر، دعونا نعود الى الجذور، فبعد العام 2003 كنا نتوقع أداءً سياسياً وإعلامياً ومقاربة مختلفة جداً، إذ أن الديمقراطية لا تتعلق بصناديق الاقتراع وتغيير الوجوه فقط، فعصب الديمقراطية متعلق بحرية التعبير والصحافة، وما لا شك فيه أننا عاصرنا إعلاماً شمولياً دام عقوداً، وكنا نتوقع تغييراً إعلامياً يساعد ويساهم ويرافق بناء وعي سياسي جديد لعراق جديد، ولكن للأسف بعد عشرين عاماً ما تزال الصحافة العراقية تجلس في حضن السلطة، وبقيت هيمنة السلطة مستمرة أيضاً.

لا كرامة للصحافة بلا تشريعات جديدة

كان يفترض أن يكون هناك عقد يتوافق عليه الجميع، على الأقل على مستوى الطبقة السياسية التي تحكم البلاد، بالتوافق على منح الصحافة العراقية مساحتها لتقوم بواجباتها اتجاه البلاد، لكنها أعادت إنتاج نفس الآليات الشمولية، وحاول كل زعيم حزب أن يكون دكتاتوراً صغيراً يمارس نفس العلاقة مع الإعلام، وحين نبحث في الأدراج نجد أن القوانين التي تحكم بيئة الإعلام العراقي هي ذات القوانين الموجودة في قانون العقوبات العراقي لعام 1969، رغم آلاف الجلسات البرلمانية، فلا وجود للتشريعات التي تعيد للصحافة العراقية كرامتها، باستثناء تشريع بائس واحد، فإرادة من يمتلك السلطة منعت تمرير القوانين الجديدة.

الإعلام ورأس المال

في كل حدث إقليمي نتابع وسائل الإعلام العربية، مثل الجزيرة والعربية وسكاي نيوز، وليس العراقية، وبغض النظر عن فوارق الاحترافية، فالمعيار هنا الموثوقية، ولا نفترض أن تكون وسائل الإعلام غير مرتبطة بالمال السياسي، فهذا حديث فضائي، وكل وسائل الإعلام العالمية ترتبط بشركات عابرة للقارات وأحزاب سياسية، ولكن هذه العلاقة بين الإعلام ورأس المال تتم وفق معايير محددة، لكننا في بلاد اختلطت فيها المعايير، فنحن نعرف الي أين يتجه خطاب روداوو والشرقية ودجلة، ولكن يجب أن لا يختلط المجال الإعلامي بالمجال السياسي ويجب أن تكون هناك قواعد لا يجب أن تخرق مثل الموضوعية والمصداقية والتوازن، رغم ارتباطات أي مؤسسة.

الخوض في المحرمات

هناك محرمات في العمل الإعلامي لا يجب أن تنتهك، فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومبادئ جوهانسبيرغ حددت المعايير والقواعد، فالسلم المجتمعي لا يجب أن يهدد، كما لا يجب أن تنتهك حقوق الطفل والمرأة أو التحريض و الإبادة، فهذه من المحرمات الكبيرة، ولكن وسائل الإعلام العراقية تخوض في هذه المحرمات جهلاً أو أجندةً، ومع ذلك لا تحاسب لأنها جزء من الفوضى التي صنعتها وسائل التواصل الاجتماعي، والتي دمرت النظريات التقليدية للإعلام، فلم يعد هناك مرسل ومستقبل باتجاه واحد، أو مشخصات إعلامية أو دينية تسرب القيم للجمهور، بل صار الاتصال باتجاهين والمرسل مستقبل في ذات الوقت وهذا جزء من مشهد الفوضى.

قبل أيام شهدنا مقتل المهندس بشير نتيجة استخدام العنف الشرعي بشكل مفرط من قبل قوات الأمن العراقية التي تعتقد أنها تملك سلطة ربانية لعقاب الناس، ونحن كصحفيين لم نستطع أن نسلط الضوء على طبيعة الحادث وهذا جزء من قصورنا وقلة احترافيتنا، فنحن الى اليوم لا نعلم ما هو سبب المشكلة أصلاً، وإحدى القنوات تناولتها بشكل مكثف لأن للقصة جذر  طائفي بدل أن تتناولها من زاوية طبيعة تعامل القوات الأمنية مع هذه الحالة.

دور وسائل الإعلام العراقية سلبي لعدة أسباب، منها قلة الاحترافية، رغم قابلية الخامات العراقية للتطوير والاندماج بالمنظومة الدولية، إضافة الى غباء رأس المال السياسي والاقتصادي. نعم نحن غير محترفين وقصصنا ناقصة ومشوهة.

أمراض الصحافة العراقية

لدينا نحو 80 قناة، نصفها ممولة من اتحاد الإذاعات الإسلامية، ولكن حين يكون هناك خبر مهم للاتحاد، ويريد الأخير إبرازه والتركيز عليه يتم إرساله الى وسائل الإعلام الكبيرة، لأنه يعرف أن وسائله ومنصاته أقرب الى أجهزة الدعاية والبروباغاندا منها الى العمل الاحترافي.

واحدة من أكثر الأمراض انتشاراً في الوسط الصحفي العراقي، والتي لا أعرف إن كانت منتشر في بقاع أخرى من العالم، هو أن يتحول الصحفي الى ناقد غير قابل للنقد، لأننا نسينا مهمتنا الأساس وهي النقل، فالصحافة يفترض أن تمثل امتداد لحاسة السمع والبصر، لأن حواس المتلقي محدودة.