تحليل من الدكتور هشام داود
فرنسا في نهاية الماكرونية: حين يخرج طلاب المدارس إلى الشارع
ما يجري في فرنسا منذ بداية العام الدراسي الحالي، لم يعد مجرد احتجاج محدود داخل بعض المدارس الثانوية، فالحركة التي انطلقت خصوصاً من الأحياء الشعبية والتجمعات الحضرية الكبرى والمدن الطرفية، بدأت بمطالب واضحة وملموسة تتعلق بنقص المدرسين وعدم تعويض الغائبين منهم، واكتظاظ الصفوف، وتدهور حال الأبنية، ونقص العاملين والوسائل الضرورية المرافقة للدراسة، ثم اتسعت تدريجياً لتشمل مئات المؤسسات التعليمية، ورافقتها في عدد من المدن أعمال عنف ومواجهات مع قوات الأمن ورد فعل أمني شديد، فيما أوقف قرابة خمسة آلاف شاب وشابة، أكثر من 85 في المئة منهم قاصرون، بحسب الإحصاءات الرسمية.
وفي بلد يشكل التظاهر والصراع الاجتماعي جزءاً متأصلا من الحياة السياسية، قد لا تبدو حركة طلابية جديدة أمراً استثنائياً، لكن حجمها وانتشارها وسرعة تحولها إلى مواجهة سياسية وأمنية تستحق التوقف عندها، خصوصاً أن التركيز على السيارات المحروقة والمواجهات مع الشرطة يمكن أن يحجب طبيعة المطالب التي أطلقت الحركة أصلاً، وهي مطالب مدرسية واجتماعية قبل أي شيء آخر.
لقد اعترفت الحكومة الفرنسية أخيراً بالصعوبات التي تواجهها المدرسة، بعد أن ركز خطابها خلال الأيام الأولى على حفظ النظام العام ومواجهة العنف بالعنف، ثم على اتهام اليسار الراديكالي، وخصوصاً حزب “فرنسا الأبية”، بمحاولة استثمار الحركة وتأجيجها. ولا شك في أن الأحزاب والقوى السياسية تحاول دائماً الاستفادة من حركة اجتماعية بهذا الحجم، وقد تظهر هنا وهناك أعلام فلسطينية أو شعارات لليسار الراديكالي، لكن ذلك لا يغير كثيراً من أصل المشكلة، لأن السؤال الأهم ليس فقط: من يحاول تحريك الشارع أو الاستفادة منه؟ بل لماذا أصبح جزء من الشباب قابلاً للاحتجاج بهذه السرعة، ولماذا وجدت المطالب المدرسية البسيطة نسبياً، مثل هذا الصدى الواسع؟
ربما تبدأ الإجابة من المدرسة نفسها، فالطالب الذي يحتج على غياب مدرس، أو اكتظاظ صفه، أو سوء حال المبنى الذي يدرس فيه، يطرح من دون أن يقول ذلك بالضرورة سؤالاً قديماً في المجتمع الفرنسي يتعلق بالمساواة وتكافؤ الفرص. ففي المخيال الجمهوري، لم تكن المدرسة مجرد خدمة عامة تقدمها الدولة، بل إحدى المؤسسات التي يفترض أن تسمح للفرد بتجاوز أصوله الاجتماعية، وأن تمنحه فرصة لتغيير موقعه من خلال التعليم، أي عبر ما يسمى في فرنسا بـ “المصعد الاجتماعي”.
لكن ماذا يبقى من تكافؤ الفرص إذا كانت مدرسة في حي ميسور قادرة على توفير المدرسين والوسائل الضرورية، بينما تبدأ مدرسة أخرى في منطقة فقيرة عامها الدراسي وهي لا تزال تبحث، بعد أسابيع واشهر، عمن يدرّس بعض موادها؟ وكيف يمكن إقناع الطالب بأن المدرسة تمنحه الفرصة نفسها التي تمنح لطالب آخر، إذا كانت نقطة الانطلاق نفسها غير متكافئة؟
المشكلة لا تتوقف عند المدرسة، لأن هؤلاء الشباب يسمعون ويتابعون من حولهم الحديث عن ازمة المجتمع والاقتصاد، وارتفاع كلفة السكن، وتراجع القوة الشرائية، وصعوبة بناء حياتهم المستقلة، وتفشي البطالة سيما بين الشباب، وتراجع العديد من الخدمات العامة، فيما يدخلون هم أنفسهم مرحلة الرشد في عالم أقل استقراراً مما عرفته أجيال سابقة. وإلى ذلك يضاف اليوم الذكاء الاصطناعي والتحولات السريعة في سوق العمل، وما تثيره من أسئلة حول قيمة الدراسة والشهادات والمهن التي ستظل مطلوبة بعد عشر أو خمس عشرة سنة.
وهنا تظهر مفارقة مهمة: لم يمتلك جيل سابق هذا القدر من المعرفة والتكنولوجيا وإمكانات الاتصال مثلما يمتلكه الجيل الحالي، لكنه في الوقت نفسه ليس واثقاً من أن حياته ستكون أفضل من حياة والديه. وهذا لا يعني أن المجتمع الفرنسي يعيش حالة إفقار عامة، بل إن الخوف يتعلق أيضاً بما يسميه الفرنسيون déclassement، أي فقدان المكانة أو الخوف من التراجع الاجتماعي، ومن أن يصبح الحفاظ على المستوى الذي حققه الآباء أصعب بالنسبة إلى الأبناء.
عندما يدخل هذا القلق إلى المدرسة، يصبح الاحتجاج على نقص مدرس أو تدهور مبنى أكثر من مجرد مطالبة إدارية، لأنه يمس السؤال عن المستقبل نفسه، خصوصاً أن المدرسة الفرنسية تحمل تاريخياً ذلك الوعد القوي بالمساواة والارتقاء الاجتماعي، وكل خلل يصيبها في الأحياء والمناطق الأقل حظاً يُقرأ بسهولة بوصفه خللاً في هذا الوعد الذي كانت الدولة تضمنه تاريخياً.
المدرسة في نهاية الماكرونية
يصعب فصل هذه الحركة عن اللحظة السياسية التي تعيشها فرنسا في نهاية رئاسة إيمانويل ماكرون، من دون أن يعني ذلك تحميل الماكرونية وحدها مسؤولية مشكلات تراكمت خلال عقود. فقد وصل ماكرون إلى السلطة عام 2017 بوعد يقوم على تحديث الاقتصاد والدولة، وتجاوز الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار، وجعل الاقتصاد الفرنسي أكثر قدرة على المنافسة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الأسس الرئيسية للنموذج الاجتماعي الفرنسي.
بعد أكثر من تسع سنوات، تبدو الحصيلة أكثر تعقيداً: فالدين العام للدولة الفرنسية تجاوز 3.5 تريليونات يورو ويقترب من 120 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، بعدما كان في حدود 2.2 تريليون قبل وصول ماكرون إلى السلطة، فيما بقيت البطالة مرتفعة، خصوصاً بين الشباب، وأصبحت خدمة الدين تضغط بصورة متزايدة على المالية العامة، وزاد من عدد الفقراء ليبلغ حوالي 15 بالمئة من السكان، الأمر الذي يضع المدرسة والمستشفى والنقل والثقافة والحماية الاجتماعية في قلب النقاش حول الإنفاق العام.
ولا تكمن المشكلة في الأرقام وحدها، بل في الطريقة التي يشعر بها المواطن بنتائجها في حياته اليومية، فعندما يجري الحديث عن خفض النفقات بصورة مجردة يبدو الأمر نقاشاً مالياً، لكنه يصبح اجتماعياً وسياسياً عندما يعني عدم تعويض مدرس غائب، أو تقليص عدد العاملين في مدرسة، أو تراجع خدمة عامة في منطقة فقيرة. وهذا مهم في بلد كفرنسا، لأن الدولة تاريخياً ليست مجرد إدارة تتولى الأمن والدفاع وتنظيم السوق، بل كانت منذ الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789 طرفاً مركزياً في صناعة الأمة وتوحيد القانون واللغة والمدرسة، ثم أصبحت لاحقاً أحد أهم الفاعلين في الحماية الاجتماعية والتحديث الاقتصادي. ولهذا لا ينظر الفرنسيون إلى المدرسة والجامعات والمستشفى والتقاعد والنقل والمؤسسات المختلطة على مستوى المناطق والمحافظات، بوصفها خدمات يمكن قياس جدواها بالحساب المالي وحده، بل باعتبارها جزءاً من علاقة تاريخية بين المواطن والدولة.
غير أن هذه الدولة تواجه اليوم معضلة حقيقية، إذ يتعين عليها الحفاظ على مستوى مرتفع من الخدمات والحماية الاجتماعية في مجتمع يتجه إلى الشيخوخة، مع مديونية كبيرة ونمو اقتصادي محدود ومنافسة دولية أشد. وقد حاولت الماكرونية بمقاربتها النيو ليبرالية معالجة هذا التناقض بإعطاء مكان أكبر للقدرة التنافسية والاستثمار ومرونة سوق العمل والكفاءة الاقتصادية وتخفيض الضرائب على رؤوس الأموال الكبيرة. لكن جزءاً كبيرا من المجتمع رأى في هذه السياسات تراجعاً عن دور الدولة بالإبقاء على جسور الحوار لحين ايجاد تسوية تقبلها جميع أو أغلب الأطراف ضمن تقليد تكرس على مدى عقود. ومن هنا أيضاً يمكن فهم الحساسية الكبيرة التي تثيرها أزمة المدرسة اليوم، لأن الأمر لا يتعلق فقط بعدد المدرسين أو بحالة الأبنية فحسب، بل أيضا بالسؤال عما إذا كانت الدولة لا تزال قادرة على ضمان قدر معقول من المساواة بين أبنائها.
من أزمة المدرسة إلى أزمة الثقة
تساعد أعمال السوسيولوجي الفرنسي بيير روزنفالون على فهم جانب من هذه الظاهرة، إذ إن تراجع الثقة بالمؤسسات لا يعني بالضرورة ابتعاد المواطنين عن السياسة، بل قد يؤدي، على العكس، إلى تكاثر أشكال الاعتراض والرقابة والاحتجاج. فالمواطن قد يثق أقل، لكنه يراقب أكثر، وقد يبتعد عن الأحزاب التقليدية، لكنه يصبح أكثر استعداداً للنزول إلى الشارع عندما يشعر بأن المؤسسات لا تستجيب لما ينتظره منها.
أما الفيلسوف والمؤرخ مارسيل غوشيه، فمن زاوية أخرى، يدفعنا إلى التساؤل عما يحدث للديمقراطية عندما تبدو السياسة أقل قدرة على تقديم اتجاه جماعي واضح للمجتمع، بينما تحتل القيود الاقتصادية والمالية والإدارية مساحة متزايدة من القرار. وفي الحالة الفرنسية، تصبح هذه المسألة أكثر حساسية لأن الدولة التي يُطلب منها التقشف وتقليص الإنفاق هي نفسها الدولة التي ينتظر منها المواطن ضمان المساواة والحماية والخدمات العامة.
ولا ينبغي، مع ذلك، تحميل حركة طلاب المدارس أكثر مما تقوله هي نفسها، أو تحويلها إلى ثورة سياسية مكتملة المعالم. فمطالبها الأساسية حتى اليوم لا تزال مرتبطة بالمدرسة والتعليم وتكافؤ الفرص، والتنديد بالفوارق بين المؤسسات والمناطق الفقيرة والغنية، ونقص المدرسين والعاملين والوسائل التعليمية. وهي، بهذا المعنى، حركة اجتماعية قبل أن تكون حركة أيديولوجية، حتى وإن حاولت قوى سياسية مختلفة استثمارها. لكن أهمية الحركة تكمن ربما في هذه البساطة نفسها، لأنها تكشف أن الأزمة وصلت إلى واحدة من أكثر مؤسسات الجمهورية حساسية، وإلى جيل لم يدخل بعد بصورة كاملة في سوق العمل والحياة السياسية، لكنه بدأ يسأل مبكراً عن المكان الذي ينتظره داخل المجتمع.
وهكذا فإن تظاهرات طلاب المدارس الثانوية، التي بدأت بمطالب قطاعية ومحددة، تعيد في النهاية طرح سؤال يتجاوز المدرسة من دون أن ينفصل عنها: كيف يمكن الحديث عن تكافؤ الفرص إذا لم تتوافر للطلاب، منذ نقطة الانطلاق، الشروط التعليمية نفسها، وكيف تستطيع المدرسة أن تستمر في أداء دورها التاريخي كأداة للارتقاء الاجتماعي إذا أصبحت هي نفسها تعكس الفوارق التي كان يفترض بها أن تساعد على تجاوزها؟
ولا تعني هذه الاحتجاجات أن جيلاً كاملاً يرفض النموذج الفرنسي، بل ربما تكشف العكس، فهؤلاء الشباب، عندما يطالبون بمدرسين ومدارس أفضل وبشروط تعليم أكثر مساواة، يطالبون الدولة في الحقيقة بأن تفي بوعدها، وأن تجعل المكان الذي ولد فيه الفرد أو الأصول الاجتماعية لعائلته أقل تأثيراً في تحديد مستقبله (خاصة ان كان من أصول متواضعة وفقيرة).
وربما هنا تلتقي الحركة الطلابية بتخوم الماكرونية، فقد جاءت تجربة ماكرون بوعد تحديث فرنسا وإصلاح اقتصادها من دون التخلي عن نموذجها الاجتماعي، لكنها تقترب من نهايتها فيما يعود طلاب المدارس إلى الشارع مطالبين بأحد أبسط وعود الجمهورية وأكثرها رسوخاً: مدرسة تمنح أبناءها فرصاً متقاربة، وتسمح لهم بأن يصدقوا أن التعليم ما زال قادراً على فتح الطريق أمام مستقبل أفضل. ولذلك فإن السؤال الذي تطرحه هذه الاحتجاجات ليس فقط كيف ستخرج المدارس من أزمتها الحالية، بل كيف تستطيع فرنسا إصلاح نموذجها من دون أن تفقد أحد أهم الأسس التي قام عليها: أن يكون للجيل الجديد سبب معقول للاعتقاد بأن مستقبله يمكن أن يكون أفضل من ماضي آبائه.
الدكتور هشام داود
باحث في الانثروبولجيا السياسية. المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي