مقال جريدة النهار

الكاظمي يكتب عن معركة استرداد الدولة: مواجهة لا تحتمل التراجع

“معركة استرداد الدولة: المواجهة التي لا تحتمل التراجع” مقال مصطفى الكاظمي رئيس الوزراء الأسبق في جريدة النهار، وتابعته شبكة 964:

عندما تشرفت بتحمل مسؤولية رئاسة مجلس الوزراء عام 2020، كان العراق يقف عند مفترق بالغ الحساسية، في مرحلة كانت خلالها شبكات الفساد قد أحكمت امتداداتها داخل مؤسسات الدولة وخارجها، وأقامت لنفسها منظومات حماية صعبة الاختراق.

“إن المعركة ضدالفساد، التي تأخرت طويلاً، لا تقل ضراوة عن معركة الإرهاب، إن لم تكن أشد وأقسى”، هذا ما جاء في كلمة المرجعية الدينية العليا 15 كانون الأول/ديسمبر 2017 بعد إعلان الانتصار على تنظيم “داعش”.

ولم ترد هذه المقاربة في سياق الموعظة الأخلاقية أو التوصيف الخطابي، بقدر ما عكست استبصاراً دقيقاً بطبيعة التهديد الذي يطاول الكيانالعراقي. فالإرهابيواجه الدولة من خارج بنيتها المؤسسية، بينما يتسلل الفساد إلى عمقها، متدثراً بشرعيتها، ومستثمراً قوانينها وإمكاناتها وأجهزتها لإعادة هندسة مراكز النفوذ بما يخدم شبكاته ومصالحه.

ويتجه الوعي الجمعي غالباً إلى الاصطفاف في مواجهة الخصوم الظاهرين، في حين تبدو مواجهة الفساد أكثر التواءً وتعقيداً، لأنه يتموضع داخل مفاصل الإدارة والقرار والاقتصاد، ثم يتحول تدريجياً إلى مكوّن راسخ في معادلات السلطة، وإلى ثقافة اجتماعية تمنح الاستيلاء على المال العام غطاءً سياسياً أو حزبياً أو فئوياً، بعد تجريده من صفته الجرمية وإلباسه أوصافاً تبريرية.

التحولات السياسية وتجذّر منظومة الفساد

ومن هذا المنطلق، غدا الفساد في العراق منظومة نفوذ متكاملة تتجاوز حدود المخالفات الإدارية أو التجاوزات المالية، إذ أضحى آلية لإنتاج السلطة وتدوير الثروة وتوفير الحماية، ممتداً أفقياً عبر العقود العامة والمنافذ الحدودية والقطاع المصرفي والخدمات والأراضي، ومتجذراً عمودياً داخل دوائر صناعة القرار ومراكز التأثير.

لا تنحصر الجذور التاريخية لهذه الظاهرة بمرحلة ما بعد عام 2003، إذ بدأت التصدعات المؤسسية منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، عندما استنزفت الحروب والعقوبات الاقتصادية بنية الدولة، وأفرغت الوظيفة العامة من قيمتها الاعتبارية، وأنتجت منظومات موازية فرضتها ضرورات البقاء. ومع التحولات السياسية اللاحقة تداخلت المحاصصة مع هشاشة المؤسسات، وتعددت مراكز القرار، واتسع نطاق الاقتصاد غير المنظم، فتحول الفساد من ممارسة فردية متفرقة إلى بنية مصالح متشابكة تتبادل الحماية وتعيد إنتاج نفسها باستمرار.

ولا يمكن مقاربة هذه المنظومة بمعزل عن السلاح الخارج عن الإطار الدستوري، أو عن صناعة الجهل السياسي المقصود، فالفساد يحتاج إلى قوة تردع القانون عندما يقترب من شبكاته، كما يحتاج إلى خطاب تعبوي يُربك الإدراك العام كلما اقتربت الحقيقة من الانكشاف، وهكذا تتكامل منظومة المال غير المشروع، والسلاح المنفلت، والتضليل الإعلامي، بوصفها أضلاعاً لبنية واحدة تستهدف تقويض الدولة واستنزاف قدرتها على فرض السيادة.

ويُعدُّ تغييب الوعي العام أحد المرتكزات الجوهرية التي تستند إليها منظومات الفساد في إدامة حضورها، فالمواطن الذي يُحرم من المعرفة الدقيقة، ويُقصى عن فهم آليات الإنفاق العام، ويعجز عن التمييز بين الوقائع والدعايات، يتحول إلى ساحة مفتوحة للاستقطاب والتوجيه وصناعة القناعات الزائفة، ولهذا تقتضي المواجهة ترسيخ ثقافة المعرفة، وتوسيع نطاق إتاحة المعلومات، وتعزيز أدوات الرقابة المجتمعية، بما يرسخ المساءلة باعتبارها ركناً أصيلاً في بنية الدولة.

حين تصير النزاهة سلوكاً غير مألوف

ولما يبلغ الفساد هذا المستوى من التشابك، فإنه يعيد تشكيل خرائط الثروة والنفوذ خارج الأطر الدستورية، ويؤسس شبكات تتبادل الحماية وتبتاع الصمت وتستثمر الخوف، وتتجاوز آثاره حدود الاستحواذ على الموارد العامة، لتطال الثقة الوطنية ذاتها، فتتعرض منظومة القيم إلى انقلاب تدريجي، حيث تبدو النزاهة سلوكاً غير مألوف، والكفاءة عبئاً على أصحاب المصالح، والمحسوبية المسلك الأقصر نحو الحقوق والمكاسب.

عندما تشرفت بتحمل مسؤولية رئاسة مجلس الوزراء عام 2020، كان العراق يقف عند مفترق بالغ الحساسية، تتداخل فيه أزمة مالية خانقة مع انهيار غير مسبوق في أسعار النفط، وتداعيات جائحة كورونا، وتعقيدات أمنية وسياسية متراكمة، في مرحلة كانت خلالها شبكات الفساد قد أحكمت امتداداتها داخل مؤسسات الدولة وخارجها، وأقامت لنفسها منظومات حماية صعبة الاختراق.

ومنذ اللحظة الأولى، تحدد المسار بوضوح؛ استعادة مكانة الدولة، وترميم قدرتها على أداء وظائفها، وإعادة الاعتبار لمؤسساتها بما ينسجم مع تطلعات العراقيين. ولم يكن ذلك ممكناً من دون الشروع بإصلاح اقتصادي عميق، وخوض مواجهة مؤسسية مع الفساد، وإخضاع جميع الفاعلين، مهما تعاظم نفوذهم، لسلطان القانون.

وانطلاقاً من هذا التصور، جرى تعزيز استقلالية القضاء، وإسناد الأجهزة الرقابية، وتحريك ملفات ظلت زمناً طويلاً بمنأى عن المساءلة، مع اتخاذ إجراءات قانونية طالت جهات كانت تتعامل مع نفوذها بوصفه حصانة دائمة، وتتعاطى مع الدولة وكأنها مساحة مستباحة للمصالح الخاصة.

تكلفة الاقتراب من بؤر الفساد

وكشفت التجربة، بما لا يدع مجالاً للالتباس، أن الاقتراب من بؤر الفساد الكبرى يستدعي موجات متلاحقة من الضغوط السياسية، وحملات التشويه المنظم، ومحاولات قلب الوقائع، حتى يتحول النقاش من مساءلة المتهمين إلى محاكمة مَن كَشَف الوقائع، وفي خضم هذا المشهد، يُعاد إنتاج السرديات بصورة تجعل المدافع عن المال العام موضع اتهام، بينما يُقدَّم المتورط في الاعتداء عليه بصفة الضحية.

وقد واجهنا تشابك المصالح، وضعف الإسناد السياسي، وامتزاج المال العام بالاعتبارات الحزبية، ومحاولات تعطيل الإجراءات القانونية، وتباين الإرادات داخل مؤسسات الدولة، ومع ذلك أُسقطت فكرة المناطق المحرمة، وانكسر الاعتقاد بوجود أسماء أو ملفات تعلو على سلطة القانون. وأثبتت التجربة أن الإرادة السياسية، متى اقترنت بقضاء مستقل وأجهزة مهنية رصينة، تمتلك القدرة على اختراق أكثر البنى تعقيداً، مع بقاء هذا المسار بحاجة إلى تراكم مؤسسي يحوّل مكافحة الفساد إلى نهج دائم في إدارة الدولة، لا إلى استجابة ظرفية ترتبط بالأشخاص أو المراحل.

واليوم، يقتضي الواجب الوطني إسناد كل مسعى رصين تنتهجه الحكومة بالتكامل مع السلطة القضائية في تعقب المتورطين بالفساد، وصون الثروة الوطنية، وترسيخ سمو القانون، فمواجهة الفساد لا تحتكرها حكومة، ولا تُحتسب رصيداً لحزب، ولا تُختزل في شخص، لأنها تمثل استحقاقاً وطنياً تتقاطع عنده مصالح الدولة ومستقبل المجتمع، كما أن تحويلها إلى أداة للتجاذب السياسي أو وسيلة لتصفية الخصومات يفضي إلى إفراغها من غاياتها، ويمنح شبكات الفساد فسحة إضافية لإعادة التموضع وإنتاج أدوات الحماية.

ويظل نجاح هذا المسار رهيناً بالشمول والحياد، والاحتكام إلى القانون وحده، مع الانتقال من ملاحقة الأفراد إلى تفكيك البنى التي تنتج الفساد، وتعقب التدفقات المالية، واستعادة الموجودات المنهوبة، وسد المنافذ التشريعية والإدارية التي تسمح بإعادة تدوير النفوذ غير المشروع، وصولاً إلى عراق يمتلك قراره، ويصون ثروته، ويؤسس لاستقرار راسخ وتنمية مستدامة تستعيد ثقة المواطن بدولته.