الناطق الرسمي حسام الربيعي

تحالف خدمات يدعو الزيدي إلى “رباعية التكوين” ضد الفساد.. اغتنموا الريح

كتب المتحدث الرسمي في تحالف خدمات، الدكتور حسام الربيعي، مقالاً عن الحملة التي يقودها رئيس الوزراء علي الزيدي ضد المتهمين بالفساد، مستشهداً بمثال إيطالي ومثل عربي قديم، ودعا إلى اعتماد ما أسماه “رباعية التكوين” لضمان نتائج صحيحة، لأن الفساد “لا يعيش بقوة الفاسدين، بل بصمت الشرفاء” على حد تعبيره.

مقال الناطق باسم تحالف خدمات، خص به شبكة 964:

تشهد الساحة العراقية في الأيام الأخيرة حراكاً لافتاً في ملف مكافحة الفساد، وهو حراك أعاد إلى الرأي العام شيئاً من الثقة بإمكانية الانتقال من مرحلة الخطاب إلى مرحلة الفعل. وإذا كانت الإجراءات التي اتخذتها الحكومة تمثل بداية مهمة، فإن قيمتها الحقيقية لا تُقاس بعددِ الملفات المفتوحة أو الأشخاص الذين تطالهم المساءلة، بل بقدرتها على التحول إلى نهج مؤسسي دائم لا يخضع للظروف السياسية أو تبدل الأولويات.

ومن هنا، فإن الدعوة الموجهة إلى السيد رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي تتمثل في استدامة هذه الإجراءات وتعزيزها، لأن مكافحة الفساد ليست حملة مؤقتة، بل مشروع دولة يستهدف حماية المال العام، وترسيخ سيادة القانون، وإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم. فالتجارب الدولية تؤكد أن أخطر ما يواجه جهود الإصلاح ليس الفساد نفسه، وإنما التراجع عن مواجهتهِ بعد انحسارِ الزخم الشعبي والإعلامي.

إن نجاح أي استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد يتطلب اكتمال ما يمكن وصفه بـ “رباعية التكوين”؛ أولها: قضاء عادل يمتلك الاستقلال الكامل والقدرة على تطبيق القانون دون تمييز أو انتقائية، وثانيها: حكومة قادرة تمتلك الإرادة السياسية وتوفر الحماية للمؤسسات الرقابية، وثالثها: برلمان مُراقِب يمارس دوره الدستوري في الرقابة والمساءلة بعيداً عن المصالح الضيقة، أما الركن الرابع: وهو الأكثر أهمية واستدامة، فيتمثل في الجماهير الداعمة التي تمنح الإصلاح شرعيته المجتمعية، وترفض إعادة إنتاج منظومات الفساد تحت أي مبرر.

ولعل التجربة الإيطالية تقدم درساً بالغ الأهمية في هذا السياق. فقد قاد القاضي الإيطالي (أنطونيو دي بييترو) حملة “الأيادي النظيفة” التي كشفت واحدة من أكبر شبكات الفساد السياسي والمالي في أوروبا، وأثبت أن استقلال القضاء، حين يقترن بالإرادة السياسية والدعم الشعبي، قادر على إحداث تحول تاريخي في بنية الدولة. ومن أشهر مقولاته: “الفساد لا يعيش بقوة الفاسدين، بل بصمت الشرفاء.” وهي عبارة تختصر حقيقة أن مكافحة الفساد مسؤولية جماعية، وليست مهمة مؤسسة واحدة.

إن العراق يمتلك اليوم فرصة حقيقية لتحويل إجراءات مكافحة الفساد إلى سياسةٍ عامةٍ مستدامةٍ، شرط أن تُستثمر لحظة الزخم الحالية، وأن تُغلق منافذ الإفلات من العقاب، وأن يُعزز التنسيق بين السلطات الدستورية، مع إشراك المجتمع والإعلام والنخب الوطنية في حماية هذا المسار.

ولعل خير ما يُختتم به هذا النداء الحكمة العربية الخالدة: “إذا هبت رياحك فاغتنمها.” فرياح الإصلاح لا تهب كثيراً، والأمم التي تحسن استثمار لحظاتها الفاصلة هي التي تؤسس لمستقبل أكثر عدالة واستقراراً، أما التردد أو التراجع، فلا يمنح الفساد سوى فرصة جديدة لإعادة ترتيب صفوفه والعودة بأشكال أكثر تعقيداً. واليوم، تبدو المسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع؛ فكلما تكاملت أركان القضاء العادل، والحكومة القادرة، والبرلمان المراقب، والجماهير الواعية، اقترب العراق من بناء دولة المؤسسات التي يتطلع إليها أبناؤه.