حكاية المتعهد وزوجته وصديقه
واتساب ينظم حصاد شهرزور.. إذا تأخر راتب كردستان ذهب المثابرون إلى بساتين الباقلاء
في سهول شهرزور بين السليمانية وحلبجة، تتحول مزارع الباقلاء هذه الأيام إلى خلية نحل لا تهدأ مع إشراقة كل فجر، حيث تبدأ قصص الحصاد في تمام الرابعة صباحاً، حين يستيقظ العمال ليرسموا مشهداً يكسر قوالب البطالة التقليدية؛ فبين شتلات الباقلاء، تجد خريجي جامعات، وإلى جانبهم موظفون حكوميون، اختاروا استثمار أيام عطلهم في “عمل جميل ونظيف” يفتخرون به بدلاً من انتظار التعيين أو معاناة تأخر الرواتب والتفكير في الهجرة.
ويُعد سهل “شهرزور” في السليمانية القلب الأخضر لإقليم كردستان وإحدى أكثر المناطق الزراعية خصوبة في العراق؛ إذ تتضافر طبيعته الفريدة وتاريخه العريق ليجعلا منه سلة غذاء استراتيجية للمنطقة، ولا تقتصر أهميته على التربة الغنية والموارد المائية الوفيرة والقيمة الاقتصادية فحسب، بل يمتد أثره لإرث إنساني ضارب في القدم؛ حيث شهد تعاقب حضارات متنوعة تركت خلفها تلالاً أثرية تروي قصص استيطان بشري يعود لآلاف السنين.
ويقود هذا الحراك متعهد يدير، بمساعدة مجموعات واتساب، فريقاً من 70 عاملاً، بينما تقود زوجته فريقاً آخر في منطقة “خورمال”، وعلى الرغم من سعادة العمال بالروابط الاجتماعية ومصدر الرزق الذي توفره هذه الأرض، إلا أن مزارعين آخرين يطلقون صرخات استغاثة فالمحصول الذي يوصف بالـ “ممتاز” يواجه تحدي الأسعار “غير المنصفة”، مما دفعهم لمناشدة الحكومة بمنع الاستيراد لضمان حقهم في جهد عام كامل من التعب.
ويروي محمد محمود لشبكة 964 كيف يوزع فريقه المكون من 70 شخصاً في حقول الباقلاء، بينما في زاوية أخرى من المنطقة، تقود زوجته فريقاً يضم 45 شخصاً لزراعة “الرقي” في “خورمال”. بالنسبة لمحمد، العمل لا يتوقف عند موسم واحد، فبمجرد انتهاء حصاد الباقلاء، تتجه بوصلة الفريق نحو “بنجوين” لبدء زراعة البطاطا وشتلاتها.
والمفاجأة تكمن في هوية هؤلاء العمال؛ فخلف القبعات والملابس المتربة، يختبئ خريجو جامعات من كليات الحقوق والتمريض الذين لم يجدوا طريقاً للتعيين الحكومي، وإلى جانبهم، يخلع أفراد من البيشمركة وقوى الأمن والشرطة بزاتهم الرسمية في أيام عطلهم، ليرتدوا ثياب العمل الميداني ويشاركون في إعمار الأرض وتأمين احتياجات عوائلهم.
وتقول سناء دلسوز، وهي إحدى العاملات في الفريق، بابتسامة تملؤها القناعة إن العمل ليس عيباً، بل العيب هو الجلوس في المنزل بانتظار المجهول.
وتتحدث سناء عن روابط الصداقة القوية التي نشأت بين العمال، وعن فخرها بالبقاء في وطنها بدلاً من التفكير في الهجرة، مؤكدة أن العمل المحلي “جميل ونظيف” ويساهم في بناء اقتصاد البلد.