مقال الدكتور هشام داود
وقفة على صورة السوداني: سردية القوة حين تبوح بها التفاصيل
مقال الدكتور هشام داود، باحث في الإنثروبولوجيا السياسية، المركز الوطني الفرنسي للبحوث العلمية، خص به شبكة 964:
يذكّرنا عنوان “وقفة على صورة” (وصف الصورة)، بذلك التقليد النقدي الذي تكرّس في إعلام فرنسا.. عقود مضت مع تجربة الكاتب والصحفي الفرنسي الشهير دانيال شنايدرمان وبرنامجه التلفزيوني، حين أصر على أن الصورة ليست مرآة للواقع بل مُنشئة له. ثم اكتسب البرنامج عمقه الفكري على يد العالم السوسيولوجي الشهير بيير بورديو حين رأى في الصورة قناة تكثّف علاقات القوة أكثر مما تعكسها. بهذا المعنى، نحن أمام نص بصريّ لا يتطلب إعادة قراءة بل يستدعي تفكيكاً لحساسيته السياسية وطبقاته الرمزية.
الصورة التي نقف عندها اليوم (رغم قدمها، إلا انها تحتفظ بكامل دلالاتها)، وفيها رئيس مجلس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني محاطاً بقيادات الحشد الشعبي وخلفه سند قرابي – عشائري. فهي ليست مجرد لحظة فوتوغرافية؛ بل إنها مرآة تختصر طبيعة السلطة في عراق اليوم، بما تحمله من تشظٍّ واضطراب وتنازع.
يظهر السيد محمد شياع السوداني في مركز المشهد، لكن مركزه هنا لا يعكس مصداقية القرار بقدر ما يكشف هشاشته. يقف بين رجلين لكل منهما وزنه وسرديته: فالح الفيّاض، الذي يمثل البيروقراطية – الأمنية العراقية الممتدة من زمن بول بريمر إلى مارك سافايا، ورصيداً طويلاً من الخبرة السياسية والأمنية؛ وإلى الجهة الأخرى من السوداني (محمد شياع) يقف عبد العزيز الملا مجيرش المحمداوي (أبو فدك)، رجل السلاح والعقيدة، الذي ورث موقع أبو مهدي المهندس وأصبح أحد أكثر الشخصيات تأثيراً في هندسة الحشد. المشهد بحد ذاته يوحي بأن رئيس الوزراء محاط، لكنه في العمق محاصر بثنائية يصعب التوفيق بينها: ثنائية البيروقراطية – السياسية التي طال عمرها، والعسكرة العقائدية التي هيمن حضورها.
وخلف هذا المستوى البارز، يصلنا مستوى رمزي آخر وأدق: الفريق عبد الكريم السوداني، ابن عم رئيس الوزراء السوداني، يقف متأخراً خطوة عن الصف الأول، وإلى جانبه العميد مصطفى السوداني، رئيس فريق حماية الرئيس السوداني ومن ذات شبكة قرابته وعشيرته. هذه الإحالة ليست عابرة، بل تكشف مكانة العلاقات القرابية والعشيرة في وعي رأس السلطة اليوم: إنها حاضرة، لكنها في الخلف، تُستدعى وتهيمن رمزاً، وتُمارس السلطة فعلاً؛ تُذكّر بالجذور من دون أن تمتلك القدرة على إعادة إنتاجه إلا من خلال بقاء ممثلها (محمد شياع) حاضرا في أعلى هرم السلطة. القرابة لا تُنتج السلطة، بل تُعاد صياغتها من قِبل السلطة وتُستخدم كأداة ضمن شبكات النفوذ. فالسلطة هي التي تمنح روابط القرابة وظيفة سياسية، وتحوّلها إلى آلية ولاء وثقة — على نحو ما لخّصه في وقتها صدام حسين في عبارته الشهيرة، مبرراً ضمنيا كثافة حضور أولاد اعمامه من بيت المجيد في هرم السلطة: “أهل الثقة” قبل “أهل الكفاءة”.
غير أن جوهر المشهد لا يكمن فقط في هندسة الصورة، بل في مسار الرجل الذي يقف في وسطها. لم يكتفِ محمد شياع السوداني – كما قد يبدو لحليف الأمس والمتابع اليوم – بدور الوسيط بين القوى المتباعدة، بل سرعان ما أراد أن يتجاوز موقع الوسيط ليصبح ممثّلاً لها، الناطق باسم مصالحها، والممسك بخيوطها المختلفة داخل معادلة حكم واحدة. أراد أن أن يجمع في جسده رمزية الدولة وصلابة الشبكة القرابية المسيسة ودفء العشيرة.
لكن العراق اليوم ليس فضاءً صالحاً لمثل هذه التوليفة. فمنذ سنوات طويلة، لم تعد الدولة في العراق تحتكر – وفق تعريف ماكس فيبر – العنف الشرعي، ولا باتت تمتلك مخيالَ السلطة الذي يجعل المواطنين يقبلون بها بوصفها المركز الطبيعي للنظام والممثل للكل المجتمعي بتعدديته. كما أن العشيرة نفسها، التي كانت في الماضي قوة تعبئة وإسناد، فقدت الكثير من قدرتها على لعب هذا الدور. والسوداني، الذي راهن وأغدق الكثير على هذا السند العشائري، وجد نفسه أمام سلسلة من الانهيارات: ابن عمه ونسيبه الشيخ محمد الصيهود سقط انتخابياً، وحليفه الخشان هوى معه، وتتابع سقوط الشيوخ الواحد تلو الآخر، هؤلاء الذين حاول أن يمنحهم دوراً وتفويضا سياسياً يفوق قدرتهم حتى على تمثيل عشائرهم، فما بالكم بتمثيل الدولة؟
من هنا، بدا المشهد وكأنه إعلان استشرافي عن نهاية مرحلة، أو بالأحرى توضيح ملامح مرحلة، وقدرة لاعبيها الجدد: فالعشيرة التي أراد السوداني أن ينسج حولها فضاءً سياسياً – رمزياً عبر اللباس التقليدي والمضيف المقام في حديقة القصر الحكومي، لم تعد تُقنع أحداً بسلطتها، ولا هي قادرة على أن تمنح للرجل ما يحتاجه من شرعية. لقد حاول أن يستعير من الماضي أدوات لم تعد تعمل، وأن يعيد خلق “مخيال السلطة” عبر رموز تقليدية فقدت معظم طاقتها التعبوية.
أما الفصائل المسلحة، فقد سبقت الجميع في احتلال موقع الفاعل المركزي. ففي لحظة تبدو بسيطة في الصورة، يقدّم الصف الأول نفسه بوصفه القوة التي تحدد إيقاع السياسة، فيما يقف رئيس الوزراء، برغم موقعه الرسمي، بين قوتين أكبر منه، لا يمسك زمامهما بل يسير إلى جانبهما.
وهكذا تتحول الصورة من مشهد بروتوكولي (زيارة القائد العام لمقرات الحشد الشعبي) إلى نص بصري يروي حكاية السلطة في عراق اليوم: دولة تحاول أن تبدو مركزاً بينما تتحرك في الهامش؛ عشيرة تُستدعى رمزياً لكنها لم تعد قادرة على أن تؤدي وظيفتها السياسية وهي ترى شيخها الصيهود يسقط انتخابياً؛ وفصائل مسلحة احتلت موقع الفاعل الأول في الحقل، لتشرعن قدرتها على إعادة ترتيب الرمزية الوطنية المتشظية كما تشاء.
يبدو السوداني (محمد شياع)، في ضوء ذلك كله، رجلاً أراد أن يجمع بين عوالم لا تندمج: عالم الدولة الحديث بمجسراتها واختناقاتها، عالم العشيرة التقليدي، وعالم الفصيل العقائدي. حاول أن يرتدي كل هذه الهويات في آن، وأن يحوّلها إلى قاعدة حكم. لكنه لم يدرك أن الحقول الثلاثة ليست قابلة للدمج، وأن تمثيلها جميعاً في جسد واحد هو شبيه بالمشي على أرض تنزلق من تحت القدمين.
الصورة هنا لا تفضح الرجل فحسب، بل تفضح محدودية النظام. تكشف أن السلطة موزعة، وأن القوة الفعلية بيد من يقف على جانبي رئيس الوزراء، بينما تقف الدولة بمحركها القرابي – العشائري خلفه لا أمامه. وتكشف كذلك أن سردية العشيرة التي حاول السوداني إحياءها لم تعد كهيكلية سياسية سوى أثر من زمن آخر، وأن قدرتها على حماية السلطة أو توجيهها قد تآكلت، وأن رهانه عليها وهم من واقع تفككت فيه الروابط القديمة وتقدمت ديناميات جديدة لم ينجح بعدُ في استيعابها.
إنها صورة تقول، بكلمات صامتة، إن العراق اليوم لا يُدار من مركز واحد، وإن رئيس حكومته ليس سيد المشهد، بل واحد من بين فاعلين تحيط به قوى أكبر منه جاءت به إلى السلطة، وتحدّد بالتالي مسارات فعله وحدود طموحه. وربما تكمن أهميتها في أنها تضع أمامنا مشهداً صادقاً لما أصبح عليه النظام السياسي العراقي: نظام لا تحتكر فيه الدولة العنف، ولا تحتكر فيه الرمزية، ولا تحتكر فيه الخيال الجمعي، بل يقف الجميع فيه، كما في الصورة، في صف واحد، لكنّ ثقل السلطة يميل دوماً إلى حيث يقف السلاح.