قراءة من د. هشام داود

انتخاب زهران ممداني عمدة لنيويورك: حين يهتز المركز النيو ليبرالي من داخله

يكتب الدكتور هشام داود الباحث العراقي البارز في الأنثروبولوجيا السياسية، المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، مقالاً تحليلياً يتناول الحدث الكبير الذي شهدته نيويورك هذا الأسبوع، بفوز شخصية مسلمة إلى منصب العمدة، ودلالات ذلك حول التغيرات العميقة داخل المجتمع والسياسة، وخص به شبكة 964:

عندما يهتزّ قلب النيو ليبرالية من الداخل

يشكّل فوز زهران ممداني برئاسة بلدية نيويورك حدثًا سياسيًا رمزيًا يتجاوز حدود المدينة التي تُعدّ مركز الرأسمالية العالمية ومختبر سياساتها النيو ليبرالية. فأن ينتصر شاب من أصول مهاجرة هندية–أوغندية، نشأ بين مكتبة أبٍ أنثروبولوجي يقرأ البنى الخفية للمجتمعات، وكاميرا أمٍّ سينمائية هندوسية تروي آلام المهمَّشين وتعيد لهم صوتهم، هو بمثابة أنّ المركز الأميركي الذي صنعتْه سياسات السوق على مدى أربعة عقود، يعود ليصغي إلى أطرافه التي طالما تجاهلها. إنّ انتخاب ممداني ليس مجرد انتصار انتخابي محلي، بل علامة على تزحزح بنيويّ عميق في المزاج السياسي والثقافي والاجتماعي للمدن الكبرى الأميركية.

هذا التحول يتجاوز الشخص إلى الخلفية التي جاءت به: أزمة ثقة عميقة بالمنظومات النيو ليبرالية التي اعادت صياغة المدن منذ ثمانينيات القرن العشرين، وفاقمت من حدّة التفاوتات الطبقية، وعجلت من وتيرة انفجار تكاليف السكن، وصاحبت بنشاط في مسيرة تآكل الطبقة الوسطى، وتحوّل المدينة إلى آلية إنتاج للمديونية بدل أن تكون فضاءً مشتركًا. في لحظة كهذه، يصبح وصول ممداني إلى السلطة إشارة إلى أنّ المدينة – العالَم كما وصفها المؤرخ الفرنسي الكبير فرناند بروديل – بدأت تبحث عن معنى جديد للعدالة.

نيويورك كمرآة لأزمة الرأسمالية الحضرية

تقدّم نيويورك اليوم مثالًا حيًا على تناقضات الرأسمالية المتأخرة. فمن ناحية، تُعدّ عاصمة المال والإعلام والسلطة الرمزية. ومن ناحية أخرى، تكشف الأرقام عن واقع اجتماعي ينذر بانهيار أخلاقي قبل أن يكون اقتصاديًا: واحد من كل خمسة سكان يعيش تحت خط الفقر، ومتوسط أسعار الشقق تجاوز قدرة الطبقتين الوسطى والعاملة، في حين تتعمّق الفجوة بين مانهاتن والأطراف التي تُثقلها هشاشة الخدمات العامة والاكتظاظ والعنف الحضري.

هذا الفضاء المتوتر يذكّر برؤية ديفيد غريبر حين تحدّث عن تحوّل الفضاءات المدينية إلى “بيروقراطيات تقطع العلاقة بين الناس والمدينة”، وتحوّل الخدمة إلى عبء، والمدينة إلى أداة لإعادة إنتاج الامتياز الطبقي. وكذلك بما كتبه ريتشارد سينِّت عن “تآكل الشخصية” في ظلّ الرأسمالية المرنة التي تفرض على الأفراد قلقًا دائمًا ومطاردة مستمرة للكفاءة، حتى داخل الفضاءات الحضرية الأكثر غنى وتنوّعًا.

في هذا السياق، تصبح لغة ممداني – عن الكرامة والرعاية والحق في الحياة داخل المدينة – ليست خطابًا أيديولوجيًا بل ردًّا اجتماعيًا على ألم يوميّ محسوس. فالمدينة التي جرى تخصيصها أخلاقيًا قبل تخصيصها اقتصاديًا تجد في برنامجه محاولة لاستعادة المشترك المنهوب.

من حركة “احتلّوا وول ستريت” إلى صعود اليسار الحضري

يأتي ممداني من سياق احتجاجي طويل عاشته نيويورك خلال العقدين الأخيرين. فمنذ بروز حركة “احتلّوا وول ستريت” عام 2011، التي أعادت تعريف الصراع الاجتماعي بين الـ 99% من منتجي الثروة والـ 1% ممن يمتلكها، مرورًا بحركة “حياة السود مهمّة” التي كشفت عمق العنف المؤسساتي ضد الفئات الملوّنة، ثم موجات الحركات النسوية والبيئية وحركات الشباب، والحركات الفكرية لما بعد الكولونيالية والوكس، أصبحت السياسة في المدن الكبرى افقية، أكثر قربًا من الحياة اليومية وأكثر ابتعادًا عن السرديات الأيديولوجية الكلاسيكية.

هذه الحركات لم تسعَ إلى السيطرة على الدولة بقدر ما عملت على إعادة تعريف الجماعة السياسية: تنظيم أفقي للنسيج الاجتماعي، تمويل جماعي، إعادة إنتاج التضامن، تعميم الوعي البيئي والعدالة العرقية والجندرية. هنا، ولدت نواة “يسار حضري” جديد لا يشبه الحركات الاشتراكية الكلاسيكية ولا الليبرالية الاجتماعية، بل ينتمي إلى ما يمكن تسميته بـ “اليسار الحضري” – Urban Left – في الإنكليزية، وGauche urbaine في الفرنسية. وهو يسار يرى السياسة امتدادًا للحياة اليومية لا للعقائد الأيديولوجية.

في هذا الفضاء ترعرع زهران ممداني كناشط مجتمعي في البرونكس، وحمل معه إلى العمل البلدي هذه الروح التي تجعل السياسة فعلًا جماعيًا أكثر منها قيادة فردية.

البرنامج… إصلاح راديكالي في قلب الرأسمالية

برنامج ممداني ليس ثورة، لكنه دعوة لإصلاح راديكالي يوجّه موارد المدينة إلى حيث يتأذّى الناس. فالمقترحات تتضمن النقل العام المجاني الجزئي، والرعاية الصحية للأطفال حتى الثامنة عشرة، وضرائب على الشقق الشاغرة، ودعم المدارس العامة، وتطوير الأمن المجتمعي غير البوليسي. إنّه برنامج لا يسعى إلى هدم الرأسمالية بل إلى “ترويضها” داخل المدينة، كما قال ممداني نفسه، عبر إعادة ربط الميزانية بالقيم الأخلاقية لا بالمنطق المحاسبي المحض.

المفارقة أنّ تنفيذ مثل هذه السياسات يحتاج إلى موارد تُستخرج من المنظومة نفسها التي يسعى إلى إصلاحها. وهو تحدٍّ يذكّرنا بما قاله ديفيد هارفي عن أنّ المدينة هي المكان الذي تواجه فيه الرأسمالية تناقضاتها الأكثر حدّة، وهي أيضًا المكان الذي يمكن أن تُعاد فيه صياغة الديمقراطية.

صراع داخل الحزب الديمقراطي… أزمة هوية

يشير صعود ممداني أيضا إلى أزمة بنيوية داخل الحزب الديمقراطي الأميركي، الذي فقد بريقه الاجتماعي منذ نهاية عهد أوباما وازداد ابتعادًا عن الطبقات العاملة والوسطى. فالجناح الوسطي لم يعد قادرًا على تقديم أجوبة تتناسب مع عمق الأزمة، في حين برز جناح يساري راديكالي قاده بيرني ساندرز ثم حمل رايته جيلٌ جديد يشكّل ممداني أحد أبرز وجوهه.

يمثّل هذا الجناح انتقالًا نوعيًا داخل اليسار الأميركي بين “الاشتراكية الديمقراطية” من جهة التي تريد إصلاح الرأسمالية من خلال الضرائب وتوسيع دولة الرفاه، و”الديمقراطية الاشتراكية” من جهة أخرى التي تطمح إلى تجاوز المنظومة الرأسمالية بوسائل ديمقراطية دون المسّ بالبنية التمثيلية. ورغم أنّ ممداني أقرب إلى الاتجاه الثاني، فإنه يدرك أنّ الحكم في «المدينة الكونية» يتطلب واقعية تجعل الإصلاحات الراديكالية ممكنة وليست مجرد شعارات.

يسار المدن في مواجهة يمين الماغا… غضبان من عالم واحد واتجاهان متعاكسان.

إنّ مقارنة قاعدة ممداني بقاعدة «الماغا» الترامبية تكشف مفارقة لافتة: كلاهما ينحدر من شرائح متضررة من العولمة. غير أنّ الغضب يتجه في اتجاهين متناقضين. ففي المدن الكونية، يتحوّل الألم إلى يسار تقدّميّ يبحث عن العدالة والاعتراف والاستدامة. وفي مدن الوسط الصناعي المنكوب، يتحوّل الألم نفسه إلى يمين قومويّ شعبويّ افتراسي يرى في التغيير المديني تهديدًا لهويته الثقافية.

الانقسام هنا ليس طبقيًا فقط، بل بين الفضاءات الثقافية كذلك، بين نمطين للعيش ونمطين للخيال السياسي. ممداني يمثل احتجاج المدينة على النيو ليبرالية، بينما يمثّل ترامب وحركة الماغا احتجاج الأطراف على الحداثة نفسها.

موقف ممداني من الأزمات الدولية… الأخلاق في قلب السياسة

من أكثر سمات ممداني جرأةً تمسّكه بموقفه الأخلاقي الواضح من القضية الفلسطينية. فهو يتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، ويدعو إلى وقف الدعم العسكري الأميركي لها، ويؤكد على الحقوق الفلسطينية وفق القانون الدولي. المدهش أن أكثر من ثلث اليهود في نيويورك – خاصة الشباب – صوّتوا له دعمًا لهذا الموقف الذي يميّز بين اليهودية كدين وثقافة وبين سياسات الحكومة الاسرائيلية. هذا يعكس تحوّلًا عميقًا ليس فقط بين جيل الشباب الأمريكي بل أيضا تغييرا في الثقافة السياسية داخل الجالية اليهودية الأميركية.

الاختبار الأصعب… حكم مدينة بحجم دولة

تبدأ الصعوبات الحقيقية بعد الاحتفال. فإدارة مدينة بميزانية تفوق 110 مليارات دولار تتطلب قدرة هائلة على الموازنة بين العدالة الاجتماعية وجاذبية المدينة الاقتصادية، وبين مطالب السكان وضغوط الشركات العقارية والمالية. لذلك يؤكد ممداني على أدوات الديمقراطية التشاركية: مجالس المواطنين، الميزانيات التشاركية، إدماج الجامعة والنقابات في صياغة السياسات والقرارات. إنها محاولة لبناء شرعية تشاركية تمنع سقوط الإصلاحات في أول مواجهة مع لوبيات المال.

لطالما كانت نيويورك مرآة لتاريخ الغرب الاقتصادي. ففي السبعينيات جسّدت أزمة دولة الرفاه، وفي التسعينيات تجسدت فيها انتصارات النيو ليبرالية، أما اليوم فهي تكشف حدود الرأسمالية الرقمية: تفاوت طبقي صارخ، عقار منفلت، مديونية خانقة، إنهاك نفسي وبيئي. عليه لا يمكن النظر لصعود ممداني إلا أحدى تجليات هذا المأزق الحضاري. فهو ليس «نهاية النظام»، بل مؤشر على أن الحقبة التي صاغتها النيو ليبرالية بدأت تفقد شرعيتها الأخلاقية.

سواء نجح ممداني أو فشل، فإن رمزيته ستظل جزءًا من التحوّل العميق الجاري في المدن الكبرى. فهو يمثّل محاولة لإعادة تعريف العقد الاجتماعي داخل المدن، وإبراز قيم الرعاية، والعدالة، والحق في المدينة، وربط السياسة بالمعنى اليومي بدل العقائد الجامدة. إنه تجلٍّ لما يسمى «اليسار الحضري» الذي تتشكل ملامحه اليوم في مدن العالم، من نيويورك إلى برشلونة وبرلين.

لقد أصبحت لا مركزية المدن، لا العواصم الفدرالية، هي فضاءات إعادة اختراع الديمقراطية. ومن هذا التمرّد الحضري الناعم، قد يبدأ عصر جديد في الولايات المتحدة. عصرٌ تجد فيه العولمة نفسها مضطرةً لأن تصغي إلى تلك الأصوات التي كان يُظنّ أنها على الهامش، فإذا بها اليوم في مركز القرار.