أسطورة تربط طعمه بوجود النفط
انتهى الصيف واستيقظ “رگي اللحيس”.. الخليج متلهف لكن المزارع يشك بمؤامرة!
الزبير (البصرة) 964
حين ينتهي الرگي في العراق تستيقظ حقول اللحيس.. فمزارع الزبير مشهورة بإنتاج “الرقي المتأخر” الذي يبدأ بالنزول للأسواق على أبواب الشتاء بعكس بقية حقول العراق التي تنهي بيع محاصيلها قبل شهور، لكن النكهة المميزة التي لا يمكن وصفها بالكتابة ولا كل الحواس الخمسة باستثناء التذوق دفعت كثيرين لتأليف الأساطير!
ومن تلك الأفكار.. أن النكهة المميزة ترتبط بوجود النفط في المساحات القريبة من الحقول.. لكن المزارعين، وبينهم كريم الصالحي مع إرثه العائلي الطويل في إنتاج “رقي اللحيس” يقولون إن تلك الأفكار خيالية.. “الحقيقة أن تربة الزبير الخليطة بين الرمل والطين إلى جانب مياه الآبار مع نوع البذور الخاص هي العوامل التي تنتج هذا الرقي الذي لا يكرره أي حقل عراقي”، ويشير إلى أنه يجهز طلبيات الآن إلى زبائن من الكويت والسعودية ودول خليجية أخرى.
وفي هذه الأيام.. بإمكانك التعرف على رقي اللحيس بالقشرة الخفيفة والحلاوة النادرة، والاستغناء عن فكرة “ع السكين”.. فكله مضمون، وفي سنوات سابقة اعتمدت الحقول بذوراً دنماركية وأمريكية ثم فرنسية وإيطالية وهولندية، وصولاً إلى “السكاتا” الفرنسية الشائعة حالياً، لكن المزارعين يشكون من تزوير البذور وهو أسوأ ما قد يكتشفه المزارع في نهاية الموسم!.
بعض المزارعين يشك بوجود “تدخل خارجي” تقف خلف غش المبيدات، فعلاج مكافحة الحشرات الذي يشترونه يتحول إلى سم يقتل الأوراق، وكأن هناك مَن يحاول كبح تزايد الإنتاج العراقي كما يعتقدون، مع مطالبات بالتحقيق في الأمر ومزيد من الرقابة وبعض الدعم من أجل الصمود بوجه المستورد.
كريم الصالحي – مزارع لشبكة 964:
منذ مطلع الثمانينات على الأقل.. نتذكر زراعة رگي اللحيس في الزبير، وقد تحول اليوم إلى علامة مميزة ترتبط بالمنطقة كجزء من الموروث الزراعي والاجتماعي.
تبدأ زراعته في الشهر السابع وتظهر أولى بشائره أواخر الشهر التاسع، فيما تبلغ الذروة بين عشرين أيلول وحتى نهاية كانون الأول، حيث تغرق الأسواق المحلية برگي اللحيس المعروف بنكهته الخاصة وقشرته الخفيفة وحلاوته النادرة.
الزراعة تعتمد على مياه الآبار الجوفية وأنظمة الري بالتنقيط.
تتميز تربة اللحيس بتركيب متوازن بين الرمل والطين، يمنح المحصول مذاقه الفريد، غير أن ملوحة الأرض تمثل التحدي الأكبر، لأنها ترتفع إلى أكثر من أربعة آلاف جزء بالمليون، ويؤثر هذ في نمو الرگي وجودته، ما يدفع بعض المزارعين إلى استخدام أجهزة تركية لتكسير الأملاح للحد من هذه المشكلة.
تمر عملية الزراعة بعدة مراحل، تبدأ بحراثة الأرض ثم إضافة الأسمدة الحيوانية، يليها غرس الشتلات وردمها بالتربة.
تصل تكلفة الكيلو الواحد من الرگي إلى نحو مئتين وخمسين ديناراً عراقياً، فيما يتفاوت إنتاج كل مزرعة يومياً بين طنَين إلى خمسة أطنان بحسب مساحتها.
في اللحيس أكثر من ألف مزرعة، منها نحو ستمئة وثمانين مزرعة دخلت الموسم الحالي.
على صعيد البذور، استخدم المزارعون في الثمانينيات بذوراً دنماركية وأمريكية ناجحة، ثم اعتمدوا في بداية الألفية على الفرنسية والإيطالية والهولندية، أما اليوم فإن أغلبهم يتجه إلى بذور سكاتا الفرنسية المستوردة عبر الشركات الزراعية، رغم ارتفاع أسعارها ومحاولات بعض الجهات تزويرها بما يؤدي إلى إفساد المحصول.
رغم ما يشاع عن ارتباط نكهة رگي اللحيس المميزة بوجود النفط في الأرض، فإن هذه المعلومة غير دقيقة، ولا علاقة لهذا بالنكهة، بل يتعلق الأمر بطبيعة التربية وهي مزيج بين الطين والرمل وكذلك نوع البذور والمناخ وربما طبيعة المياه.
جميع المبيدات المستخدمة مستوردة، مثل “زيرو سوبر” المعروف محلياً باسم “ويب سوبر”، لكننا نخشى من وجود تدخلات خارجية في بعض “الحركات” التي نواجهها.. مثل توريد مبيدات “مضروبة” نرشها لمكافحة الحشرات فتقتل النباتات.
أصبح رگي اللحيس اليوم أكثر من مجرد محصول اقتصادي، فهو تقليد متوارث ورمز للذوق الزراعي البصري، لا ينجح في أي أرض أخرى كما ينجح في أراضي الزبير وهو ما جعله يعرف ويشتهر في أسواق العراق والدول العربية، أمثال الخليج العربي يعشقونه وينتظرونه كل موسم.
محمد عادل – مزارع لشبكة 964:
سر رگي اللحيس لا يرتبط بالصدفة، بل يكمن في طبيعة أرضه الفريدة التي تجمع بين الرمل والطين، إذ إن هذا المزيج يخلق بيئة زراعية متوازنة تمنح الثمرة طعماً مختلفاً لا يشبه أي رگي آخر.
المياه المستعملة في الري لها دور أساسي، فهي مياه جوفية بمواصفات خاصة تساهم في رفع نسبة الحلاوة وتجعل الرگي يحمل نكهة لا تتكرر في أي مكان آخر، ولهذا ارتبط اسم اللحيس بجودة الرگي حتى صار عنواناً معروفاً في الأسواق العراقية والعربية.
مع تراكم المواسم اتسعت رقعة الزراعة حتى تخطت حدود الاستهلاك المحلي ووصل الطلب إلى دول الخليج التي فضلت رگي اللحيس على الرگي المستورد لما يمتاز به من حلاوة طبيعية وقشرة رقيقة ونكهة أصيلة.
رغم أن التصدير ما زال محدوداً، فإن السمعة التي اكتسبها جعلت المزارعين ينظرون إلى مستقبل واعد لهذه الزراعة وقدرتها على المنافسة خارج حدود العراق.
هذا النجاح لا يقابله ما يستحقه الفلاح من رعاية، إذ يجد المزارع نفسه أمام تحديات كبيرة للحصول على أبسط مستلزمات الزراعة من بذور وأسمدة وأغطية نايلون وأنظمة ري حديثة، وهي احتياجات غالباً ما تبقى مرهونة بالجهود الفردية أو باللجوء إلى السوق التجارية بتكاليف مرتفعة.
في الوقت الذي يُفترض فيه أن تضطلع الجمعيات الفلاحية والمؤسسات الزراعية بدور فاعل في تقديم الدعم والإسناد، يظل الفلاح مثقلاً بالأعباء المالية، ما يعيق قدرته على توسيع رقعة الإنتاج وتحسين نوعيته.