عن الذكاء الاصطناعي والقمع الجديد
هيوا عثمان يفسر “تعاظم الخطر” من وعّاظ السلاطين إلى الخوارزميات: هذه 3 خطط
في مقال عنوانه “من وعّاظ السلاطين إلى الخوارزميات: الثالوث الاستبدادي الجديد”، يحصي الكاتب هيوا عثمان المدير العام لشبكة 964، في تحليل مطول، 4 مخاطر بدأت بالظهور مع انتباه الحكام المستبدين إلى أهمية “الذكاء الاصطناعي”، فأدواته تحل بديلاً لأطقم المستشارين و”وعاظ السلاطين”، ونصائحه تبدأ من تحديد المعارضين وملاحقتهم حتى إعطاء الأوامر للأسلحة الحديثة والطائرات المسيرة، بينما يقترح الكاتب 3 خطط للتعامل مع الموجة الجديدة من “القمع والملاحقة”، تصوغ مهمات “العالم الحر” في الطور الحالي من العلاقة بين السلطات والمجتمعات.
مقال هيوا عثمان، “من وعّاظ السلاطين إلى الخوارزميات: الثالوث الاستبدادي الجديد”، المنشور على منصة “جمار“:
بينما تبقى وظيفة المال والسلاح كما هي، تتراجع تدريجياً الحاجة إلى المستشارين، بل وحتى إلى وعّاظ السلاطين، فبقاء هؤلاء كان مشروطاً بالتملق وتزيين صورة الحاكم وحجب الحقائق، وغالباً ما وقعوا في الأخطاء تحت وطأة الخوف على مناصبهم.
أما الذكاء الاصطناعي فلا يخشى ولا يجامل، فإذا كُلّف بمهمة “الحفاظ على بقاء الحاكم في السلطة”، فإنه يحسب ويحلل ويقترح، ببرود وصرامة، ما يضمن تحقيق المهمة بأعلى كفاءة.
آلة أحلام الطغاة
تصوّر نظاماً قادراً على:
• قراءة ملايين المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، لاكتشاف بوادر التمرد قبل أن تصل إلى الشارع.
• تصميم حملات دعائية موجّهة لكل فرد أو مجموعة على حدة.
• اقتراح من يجب شراؤه، ومن يجب ترهيبه، ومن يجب التخلص منه.
• الارتباط بالأسلحة المتطورة كالطائرات المسيّرة وأنظمة المراقبة لتعقّب الخصوم لحظة بلحظة.
مع الأسف الشديد، هذا ليس خيالاً علمياً، بل نتيجة طبيعية لتسخير تقنيات متاحة اليوم في يد حكام يملكون المال والسلاح، فيصبح الذكاء الاصطناعي الحليف الثالث الأكثر بروداً وفاعلية.
نهاية العامل البشري
كثيراً ما تصدّع الاستبداد بسبب ثغرات إنسانية: غرور، وخطأ في الحسابات، ولحظة تردّد، أو خيانة داخلية، أما الذكاء الاصطناعي فلا يتردّد ولا يملّ ولا يخون، وبإلغاء “العامل البشري”، يتحول القمع إلى عملية أكثر عقلانية، وأشد قسوة واستمرارية.
الخطر الحقيقي
الخطر ليس في الذكاء الاصطناعي وحده، بل في اندماجه مع المال والسلاح، فالمال يشتري التقنية، والذكاء الاصطناعي يضع الخطة، والسلاح يفرض النتائج.
هذا الثالوث الجديد قد يكون السمة السياسية الأبرز لعصرنا، متجاوزاً الإيديولوجيات والغزوات العسكرية.
كيف تواجه المجتمعات الحرّة هذا الواقع الجديد؟
لا تملك المجتمعات الحرّة رفاهية التردّد، فكل تأجيل أو تسويف يمنح الطغاة فرصة إضافية لبناء أنظمة قمعية أكثر إحكاماً مما عرفناه، وعلى المجتمعات الديمقراطية المتقدمة والشركات التي تدعي الشعور بالمسؤولية الإسراع في تقديم العون.
المواجهة تتطلب استراتيجية جديدة:
إطار عالمي ملزم: على الدول الديمقراطية فرض ضوابط صارمة على استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي الأمنية، كي لا تتحول الأسواق إلى مخازن أدوات للطغيان. مع التيقن بأن هذا الإجراء سيساهم مساهمة جزئية في الحد من استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي من قبل الأنظمة المستبدة، لأننا سنرى، وبسرعة، ازدهار السوق السوداء للذكاء الاصطناعي.
تسليح المجتمع المدني بالذكاء الاصطناعي: إذا استخدم الاستبداد الخوارزميات لكشف المعارضين وإسكاتهم، فعلى المجتمعات الحرة استخدامها لكشف الأكاذيب، وفضح الدعاية، وتمكين الأفراد من بناء سرديات مضادة.
ثورة في الوعي الرقمي: لم يعد كافياً أن يعرف المواطن كيف يستخدم هاتفه، بل يجب أن يدرك كيف تُستغل بياناته ضده، هنا يبدأ خط الدفاع الأول عن الحرية.
المعركة القادمة ليست بين أنظمة وشعوب فحسب، بل بين من يحتكر أدوات الذكاء الاصطناعي للبقاء في الحكم بأي ثمن، ومن يحوّلها إلى أفق للحرية والكرامة. الطغاة يسابقون الزمن لتطويع الخوارزميات، وعلى المجتمعات الحرّة أن تسابق الزمن أيضاً، فالصمت أو التغاضي عن المخاطر اليوم يعني أن نصحو غداً لنجد أنفسنا في عالم تُدار فيه حياتنا بخطة محكمة تكتبها آلة لصالح الطاغية، آلة لا تعرف معنى العدالة، ولا تفهم كلمة حرية، ومجهزة دائماً بتبرير لاستخدام العنف والإرهاب.